|
"انتصار حماس
يفرض واقعاً جديداً في الشرق الأوسط، يتوجب الانتظار إلى أن يزول الغبار
حتى يتكشف عمق الواقع الجديد ودرجة التعقيد التي يتسم بها.. ربما سيتغير
الطريق والجدول الزمني قد يتأخر. إسرائيل هي مثل سفينة في البحر تنقلب
مياهه من مياه هادئة إلى مياه هائجة مع رياح عاصفة وجديدة وأمواج عالية
ولكن الهدف يبقى نفس الهدف. من أجل الوصول إليه يتوجب على القبطان أن
يتبع تكتيكاً ذكياً ومرناً".
رئيس الشاباك الأسبق "عامي أيالون
"حماس لن تتنازل
عن سنتيمتر واحد ولن تكون مستعدة لمقابلة التنازلات الإسرائيلية بتنازلات
فلسطينية" هذه العبارة طرحها الدكتور ماتي شتينبرغ في سياق حلقة نقاش
أجرتها صحيفة "يديعوت
أحرونوت" في ملحقها
بمشاركة العديد من المستشرقين (الإسرائيليين)
حول مرحلة ما بعد فوز حماس. ويخلص شتينبرغ إلى أن حماس سيطرت على القومية
الفلسطينية، كما أنها استطاعت بفاعلية تجنيد القيم الدينية، في إطار من
المسؤولية العالية تجاه المجتمع مع ما تتمتع به من حساسية للمزاج العام
الفلسطيني، وهي حركة تتطور برأيه ولكنها ليس بمفهوم الاعتدال
(الإسرائيلي).
وفي ذات الحلقة
عقب اللواء احتياط داني روتشيلد محاولاً رسم صورة ما بعد فوز حماس قائلاً
"بدأت هنا عملية تاريخية قد تؤدي بعد سنوات إلى تبديل في كل المحيط
الإسرائيلي".
معلقون صهاينة
آخرون يحذرون من أن حماس تحاول فك الحصار من خلال تشكيل حكومة "ذات
رأسين" مع أبو مازن، وتقويمات في جهاز الدفاع تتحدث عن ما تسميه "الخطاب
المتكتك" الذي يستخدمه قادة حماس في وسائل الإعلام العربية والدولية؛
لاكتساب الوقت والاحترام الدولي لتثبيت المعادلة الفلسطينية التي هي في
طور الترسيم بعنوانها السياسي الجديد. ويحذر اللواء احتياط يعقوب عميدور
من "مصيدة العسل" هذه التي تنصبها حماس بخطابها السياسي الجديد؛ لأن
الإستكانة لمثل ذلك،
بحسب رأيه،
سيثبت قواعد حماس، وبالتالي سيكون الوضع الصهيوني في
الجولة القادمة من الانتفاضة أكثر سوء.
أكثر من ذلك
يتحدث الباحث الدكتور مئير ليتباك عن عجز الكيان الصهيوني عن فصل الشعب
الفلسطيني عن الحركة إذ يقول " أنا لا أؤمن بقدرتنا على هندسة العالم
العربي.. حاولنا ذلك في السابق وأخفقنا.. نهاية الصراع ليست ممكنة، لذلك
علينا أن نتوجه نحو الهدنة " وهي إشارة تعني قابلية الفكر السياسي
الصهيوني للقاعدة الجديدة التي تود حماس أن ترسيها في علاقات الصراع.
هذه شريحة خاصة
من الرؤية الصهيونية تجاه موضوعة فوز حركة حماس، وغيرها كثير تكتظ به
وسائل الإعلام الصهيونية متحدثة عن مستقبل الحركة السياسي واستشراف
مواقفها السياسية المستقبلية. وهي استخلاصات في معظمها تشير إلى صلابة
الموقف السياسي للحركة و"أيدلوجيته".
ولكن على ضفتنا
الإعلامية، ماذا يجري؟
كثير من الأقلام
العربية تطالب الحركة بالخنوع لطلبات الرباعية بحجة الشرعية الدولية
وضغوطات البيئة الدولية المهيمنة، وأخرى تشكك في مواقفها وتقوم بتفسيرات
غير بريئة لتصريحات ناطقيها، لتخلص إلى نتيجة مفادها أن حماس ما هي إلا
مشروع لـ"فتح" جديدة ولكن بأصباغ إسلامية. بمعنى صريح يفيد أن لدى الحركة
قابلية للاعتراف بـ(إسرائيل).
ولنطرح السؤال
مباشرة : هل من الممكن أن تعترف حماس بـ(إسرائيل)؟
المراقب الذي
يستقرأ الأدبيات السياسية لحركة حماس منذ نشأتها يمكن أن تتبلور لديه
مرتكزات الرؤية السياسية للحركة التي يمكن اختزالها بالمفردات التالية :
-
الصراع قائم على قاعدة المقدس، بمعنى هنالك ثوابت
كلية يؤسسها المقدس الديني على قاعدة الحق والباطل والحلال والحرام،
مضافاً إلى ذلك المتعلقات التاريخية والثقافية التي هي مكون أساسي من
الهوية الحضارية وهي في ذات الوقت مكون عضوي في الصراع.
-
العلاقة جدلية بين الاحتلال والمقاومة وفق قانون
الصراع وسنة التدافع الربانية.
-
خيار التسوية غير ممكن على الإطلاق بسبب طبيعة الصراع
وبنيته الحضارية.
وفي إطار الحراك
السياسي الجاري في ظل "الممكن القائم" تسبح الحركة في فضاءات البيئة
السياسية الراهنة وفق تكتيكات تقف على ذات الرؤية السياسية وبشيء من
المرونة على قاعدة:
-
القبول بالجزئي شريطة أن لا ينفي الكلي أو يتناقض معه
(صيغة الهدنة بشرائطها في إطارها الشرعي)
-
التحرك على قاعدة الأولويات وفي إطار من الموازنات
المنضبطة غير المخلة بهدف الرؤية الإستراتيجي.
-
الفعل الجهادي أداة قوة ووسيلة إنجاز للأهداف
السياسية المرحلية بمراكمة الجزئي باتجاه الهدف الكلي وفق قراءات سياسية
مرنة، وفي ضوء اعتبارات فنية ميدانية تحكم جدول عمل الفعل الجهادي
فهل القراءة
الآنفة للرؤية السياسية للحركة التي تشكل بجوهرها منظور ثابت لقراءة
مواقف الحركة السياسية السالفة والمستقبلية
تنبئ عن قابلية الحركة للاعتراف بـ(إسرائيل)،
والإجابة بطبيعة الحال سهلة لأنها تشير لاستحالة ذلك، لان حماس في حال
اعترافها ستكون شيئاً آخر غير حماس، وأي عاقل لا يمكن أن يتصور أن الحركة
ستلجأ لمثل هذا الخيار؛ لأنه ببساطة يعني انتحاراً
سياسياً سيفقدها أيدلوجيتها وشارعيها العربي والإسلامي.
والحقيقة أن
السؤال المفترض الذي ينبغي أن يتردد في الإعلام العربي في الوقت الراهن،
ليس السؤال المغرق في مناخ الانكسار المتعلق بقابلية الحركة للاعتراف،
إنما السؤال الإيجابي والمشروع الآن هو : ما هي الآليات والأدوات اللازمة
؟ وما هي الأدوار التي تلزم الأطراف المختلفة لدعم نظرية "مشعل" رئيس
مكتبها السياسي الداعية لاستثمار فوز الحركة لإرساء قواعد "لعبة جديدة"
باتجاه تخليق بيئة استراتيجية إقليمية جديدة ذات سقف عربي أكثر ارتفاعاً؟
|