|
التيار الاستئصالي يطلق قاطرة الحرب الأهلية
حسن الحسن
لم يعد سراً بأن
هناك تياراً داخل مؤسسات وأجهزة السلطة الفلسطينية، متورط في مخطط مشبوه
يستجيب لمطالب الحكومة الصهيونية والإدارة الأمريكية بتفكيك البنى
التحتية لفصائل المقاومة وسحب سلاحها، وذلك مقابل قيام الدوائر الأمريكية
والصهيونية بتعزيز مكانة هذا التيار ورموزه داخل السلطة، وتمكين رموزه من
الإمساك بزمام القرار الفلسطيني.
وتأتي حركة
المقاومة الإسلامية "حماس" في مقدمة الفصائل المستهدفة باعتبارها القوة
العسكرية الأكبر والأكثر تنظيماً وتأثيراً في الساحة الفلسطينية، إضافة
إلى أن "حماس" حققت عبر مسيرة الجهادية التفافاً جماهيرياً واسعاً، حول
برنامجها المقاوم والإصلاحي، هذا الالتفاف الذي عكسته نتائج المراحل
الثلاث للانتخابات المحلية والبلدية والتي جرت خلال هذا العام.
ولمّا كانت حركة
حماس، كفكر وبرنامج وتنظيم، تمثل قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني، فإن
أي محاولة من "السلطة" للنيل منها، لابد وأن يقود لحرب أهلية لا قدر
الله، خاصة وأن الشعب الفلسطيني أكد استعداده للدفاع عن "حماس" وحمايتها،
من المخاطر أيٍّاً كان مصدرها، وذلك في أكثر من موقع وحدث، إلا أن هذا
"التيار المشبوه" والذي بدأ يتعاظم دوره مؤخراً في أروقة السلطة، يبدو
أنه قد حسم أمره وأطلق قاطرة التحشيد لتنفيذ مخطط الاقتتال الداخلي
والحرب الأهلية والتي يجد أنها تحقق له مكاسب مضمونة وأكثر بكثير مما
يمكن أن تحققها له صناديق الانتخابات.
مخطط مشبوه
الالتفاف
الجماهيري الواسع حول حماس، إضافة لامتلاك الحركة لقوة عسكرية تعتبر
الأولى في الساحة الفلسطينية، جعل من هذا "التيار" أن يذعن لحقيقة كون
إعلان الحرب جهاراً على حماس في الوقت الحاضر ليس بالأمر السهل، ووجد هذا
التيار أن محاولة تشويه سلاح المقاومة، وتصويره باعتباره مصدر خطر على
الشعب، مدخلاً للتشكيك في ماهية المقاومة ذاتها، وذلك في سياق عملية ضرب
الرافعة الشعبية الأولى لحماس وهي "المقاومة"، وبموازاة هذه الخطوة، تتم
عرقلة تمكن "حماس" من الوصول (المؤثر) إلى المجلس التشريعي، وذلك من
خلال اعتقال قادتها وكوادرها ومرشحيها، أو عبر تأجيل موعد الانتخابات
التشريعية إلى أجل غير مسمى، وهو ما يعني محاولة ضرب الرافعة الشعبية
الثانية لحركة حماس والمتمثلة ببرنامج "الإصلاح"، ثم تأتي بعد ذلك سلسلة
من التجاذبات الداخلية، تنتهي بقيام الأجهزة الأمنية وعناصر وزارة
الداخلية بعملية واسعة النطاق ضد "حماس"، هذه العملية التي ليس من
المستبعد أن تشارك فيها قوات الاحتلال بشكل تبادلي وتكاملي، كما سنرى
لاحقاً.
ومن الواضحة أن سيناريو المخطط المشبوه يقوم على التالي:
أولاً: الخلط المتعمد ما بين سلاح المقاومة وسلاح الفلتان الأمني.
ثانياً: بث
الإشاعات وتدعيم الأفكار الهادفة إلى خلق انطباع عند الرأي العام
الفلسطيني بأن سلاح المقاومة لا يمتلك عناصر الأمان، وبقاءه في أيدي
المقاومين يشكل خطراً على المواطنين، وفي هذا السياق جاءت العملية
الإرهابية الصهيونية في بلدة جباليا شمال قطاع غزة، يوم (23/9)، عندما
نفذت طائرات الاحتلال الصهيوني مجزرة مروّعة استهدفت مسيرة احتفالية
لحركة حماس، وبعد دقائق من المجزرة الصهيونية أعلنت وزارة داخلية السلطة
أن الانفجار الذي أسفر عن استشهاد وإصابة أكثر من مائة فلسطيني نجم عن
انفجار أحد الصواريخ التي استخدمتها كتائب القسّام في العرض العسكري
والذي تخلل المسيرة، وهو الأمر الذي دحضه خبراء المتفجرات بما لا يدع
مجالاً للشك، مؤكدين أن الانفجار كان نتيجة قصف صهيوني متعمد للمسيرة،
وهنا، من الطبيعي أن المرء يضع كثيراً من علامات الاستفهام حول موقف
القائمين على وزارة الداخلية الفلسطينية والأجهزة الأمنية، في سبب
إصرارهم على تبرئة الاحتلال، وإدانة حماس!!.
ثالثاً: التهديد
باستخدام السلاح ضد حماس، والضرب بعرض الحائط مآل مثل هذه الخطوة،
اعتقاداً من أصحاب هذا "التيار"، بأن حماس ليست في وارد الدخول في حرب مع
"السلطة"، لأسباب دينية وأخلاقية وأخرى سياسية، إضافة إلى اعتبار آخر
وهو أن "حماس" أبدت على الدوام حرصاً شديداً على عدم التماهي مع فصائل
فلسطينية تورطت سابقاً في عمليات اقتتال داخلي، وتأسيساً على هذا، وجد
هذا التيار نفسه يتحرك في اتجاهين، يفضي الأول إلى الثاني:
ـ قيام الأجهزة
الأمنية وعناصر وزارة الداخلية بتوجيه ضربات موضعية متلاحقة لحماس عبر
سلسلة من عمليات الاستهداف والاعتقال لكوادر الحركة مع ضمان تلك الأجهزة
بعدم تلقي رد رادع، وفي هذا تأتي العملية العسكرية لقوات الشرطة
الفلسطينية ضد أبناء غزة يوم (2/10) والتي أسفرت عن استشهاد ثلاثة
فلسطينيين وإصابة أكثر من 50 آخرين، هذا إضافة لحملة الاعتقالات
المتصاعدة التي تستهدف كوادر حماس، حيث قامت أجهزة أمن السلطة يوم الجمعة
(7/10) باختطاف خمسة من قادة "حماس" في الضفة الغربية.
ـ متابعة
الأجهزة الأمنية ووزارة الداخلية تصعيد أعمالها العدوانية ضد حركة حماس
إلى درجة يصبح من الصعب بالنسبة لقيادة الحركة الحيلولة دون قيام بعض
مجاهديها بالرد "بقسوة" على تلك الاعتداءات (ويشار هنا إلى أن الجهاز
العسكري لحماس يضم آلافاً من المجاهدين المدربين تدريباً عالياً، والذي
يُجمع المراقبون أنها القوة العسكرية الأولى في الساحة الفلسطينية) فيكون
هذا التيار قد تمكن من وضع "حماس" في مربع الحرب الأهلية، والتي ينظر
إليها محمد دحلان وزير الشؤون المدنية في السلطة باعتبارها غاية الغايات،
فهو القائل: "إن دولاً كبيرة كالولايات
المتحدة لم تنل استقلالها إلا بعد حرب أهلية! إن ذلك يؤكد ما ذهبنا
إليه"، فالحرب الأهلية تتيح لهذا التيار أمراً يجده غاية في الأهمية، وهو
تقديم "السلطة" ممثلة بالأجهزة الأمنية ووزارة الداخلية، و"المقاومة"
ممثلة بحركة حماس، باعتبار أنهما طرفان يهددان أمن الوطن والمواطن، وأنه
لا مخرج من هذه الأزمة سوى بانتصار أحد الطرفين، وبالتالي يصبح الشعب
الفلسطيني ينظر إلى الخروج من الحرب الأهلية باعتبارها أنها القضية
الأولى، أما تحديد هوية "المنتصر" و"المهزوم"، فهي تصبح مجرد تفاصيل،
وذلك حسب ما يذهب إليه التيار.
قاطرة المخطط المشبوه
وفي سياق عملية
تحشيد الإمكانيات العسكرية والسياسية لهذا التيار، يأتي اجتماع وزير
الإعلام السابق في السلطة الفلسطينية نبيل عمرو، مع قيادات ورموز اللوبي
الصهيوني في الولايات المتحدة، ومطالبتهم بمساعدة السلطة وتطوير
إمكانياتها في حربها "القادمة" ضد "حماس".
ففي المؤتمر الذي
نظّمه "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" يوم السبت الرابع والعشرين من
أيلول (سبتمبر) 2005م، وتمّ خلاله استضافة "نبيل
عمرو" كمتحدث باسم
السلطة والذي بدأ حديثه بالقول: "نحن:
أبو مازن، ومحمد دحلان وأنا،
نفهم احتياجاتكم للأمن وما تريدونه. نحن أصدقاؤكم، نريد مساعدتكم، وعليكم
أن تساعدونا حتى نتمكن من مواجهة "حماس"
والقوى "الإرهابية"،
نريد لتحقيق ذلك مساعدة مالية وسياسية".
وحين سأل
الجنرال في جيش الاحتلال الصهيوني مايك هيرتزوغ (حفيد الرئيس
الصهيونيّ الأسبق حاييم
هيرتزوغ) نبيل عمرو: "كيف
ستواجهون حماس إذا دعمناكم؟!.. كيف ستفعلون ذلك؟"،
أجابه عمرو: "سياستنا
حالياً هي كسب الانتخابات أولاً، وحقيقة حماس ليست قوية كما تظنون، فيمكن
أن نهزمها، وبعد ذلك سنستكمل خطواتنا وإجراءاتنا".
فعلق أحد الحضور:
"ولكنكم لستم
مستعدين للانتخابات بشكل جيد، فحتى الآن لا يوجد لكم قائمة مرشحين، ولا
برنامجاً معلن وواضح، في حين أن حماس منظمة،
وهي تستعد للانتخابات بشكل جيد!"، فردّ
نبيل عمرو: "بالنسبة
لحماس، فالأمور سهلة جداً، فهم يتحدثون مع الله مباشرة، وهو يعطيهم قائمة
المرشحين، فيصدرونها كفتوى، لذا فإن من يتحدث مع الله لا يجد صعوبة على
الإطلاق، فالأمور ستكون سهلة في هذه الحالة"!!.
فضجت القاعة بالضحك
على التعبير الساخر لعمرو.
هنا، علق أحد
المشاركين الضيوف: "ما
تقوله ليس دقيقاً، فحركة حماس هي حركة سياسية، وتتخذ قراراتها بناءً على
معطيات سياسية، وإذا كان ما تقوله صحيحاً، أرجو تزويدنا باسم المرجع
الديني لحماس الذي يصدر الفتوى؟!".
كلام نبيل عمرو
هذا في معقل الصهيونية العالمية ينعش في الذاكرة ما كان قاله قادة
"المعارضة" العراقية للإدارة الأمريكية قبل إعلان الحلف الأنكلو ـ أمريكي
الحرب على العراق في ال
عام 2003، حين
أوهم "الطابور الخامس العراقي" الغرب بأن العراقيين ينظرون إلى الاحتلال
باعتباره مخلصاً!!.
وبعد كلام نبيل
عمرو بيومين اثنين، صرّح د.رفيق الحسيني رئيس ديوان رئاسة السلطة
الفلسطينية ومستشار الرئيس محمود عباس، وهو أحد أركان التيار المشبوه في
السلطة عبر خلال لقاء أجرته معه الفضائية البريطانية BBC
يوم الاثنين (26/9/2005)، في برنامج "هاردتوك" قائلاً: "إننا ننتظر فرصة
لضرب حماس، وقد فعلنا ذلك من قبل، وإننا سنعمل على مساعدة إسرائيل في
مجال الأمن".
ولكن حركة حماس
والتي أثبتت قدرة فائقة على تجاوز الأزمات، مهما كانت درجة شدتها، قادرة،
بدعم الشعب وفصائله المقاومة ومؤسساته الشعبية والوطنية وجميع الشرفاء في
السلطة، قادرة على تطويق هذا المخطط المشبوه ووأد الفتنة في مهدها،
فتجربة حماس أكدت على الدوام بأن حماية الدم الفلسطيني هدف لا يقل أهمية
بالنسبة لها عن هدف تحرير الأرض الفلسطينية.
|