|
مرحلة فلسطينية جديدة عنوانها: القوة فيها للأصلح
حسن
الحسن
يشكّل قرار حركة
المقاومة الإسلامية حماس بالمشاركة في الانتخابات التشريعية القادمة
منعطفاً تاريخياً وهاماً ليس بالنسبة لحركة حماس فحسب، وإنما بالنسبة
لعموم المشهد السياسي الفلسطيني؛ فبعد عقود من احتكار حركة فتح للقرار
الوطني الفلسطيني في ظل غياب المنافس الحقيقي لها ضمن مؤسسات م.ت.ف
ولاحقاً ضمن مؤسسات السلطة، نقف الآن على أعتاب حياة سياسية فلسطينية،
القوة فيها للأصلح.
فنتائج المرحلة
الأولى من الانتخابات البلدية والمحلية التي جرت في الضفة الغربية وقطاع
غزة، تثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأن حركة حماس استطاعت أن تستحوذ على
تأييد واسع في صفوف الشعب الفلسطيني وذلك عبر برنامج يقوم على: مقاومة
الاحتلال الصهيوني حتى دحره، محاربة الفساد وجميع مظاهر الفلتان الأمني
وإنهاء المحسوبيات، ودعم وتكريس مبدأ المشاركة السياسية لكافة القوى
والفصائل على اختلاف توجهاتها وعقائدها، هذا إضافة إلى أن حماس قدّمت
نفسها لجمهورها عبر شخصيات تتمتع بالثقة والاحترام والتقدير؛ وفي هذا
السياق يجد تيسير نصر الله،
عضو المجلس الوطني الفلسطيني وأحد قياديّي حركة فتح
أن قرار حماس بالمشاركة في الحياة السياسية "سيدفع
حركة فتح تحديداً لتغيير سياستها القديمة والبحث عن وجوهٍ فتحاوية نظيفة
تحظى بقبولٍ جماهيريّ واحترام الشارع الفلسطيني للمنافسة في الانتخابات
القادمة، مما سيخلق واقعاً جديداً في الحياة الديمقراطية لحركة فتح و
باقي الفصائل الوطنية والإسلامية الأخرى"
وبينما يرى البعض
أن انخراط حركة حماس في العمل السياسي خطوة باتجاه تخفيض حماس من سقف
برنامجها المقاوم والإصلاحي والذي ستفرضه جملة التجاذبات السياسية ضمن
المؤسسة الوطنية الفلسطينية في ظل الضغوط الإسرائيلية والأمريكية، وحتى
العربية، والتي ستجعل حماس تذعن لقرارات "الأغلبية" تحت "القبّة
الديمقراطية" الأمر الذي لن تستطيع معه حماس تجذير الموقف الفلسطيني
الرسمي ودفعه باتجاه برنامج يستجيب لتطلعاتها وطموحاتها؛ إلا أن الكثيرين
يرون أن دخول حماس المجلس التشريعي بعد أن حققت التفافاً شعبياً واسعاً
وكفاءة عالية في نقل برنامجها المقاوم من الحيز النظري إلى المجال العملي
خلال "انتفاضة الأقصى"، إضافة لاحتفاظها بعلاقات طيبة وباحترام متبادل مع
جميع فصائل المقاومة، ستكون قادرة، مع آخرين، على تحقيق إنزياحات جوهرية
باتجاه تصليب الموقف الفلسطيني أمام الضغوطات الخارجية، وإبراز المقاومة
كخيار وطني، والعمل من خلالها (المقاومة) وصولاً إلى تحقيق مصالح ومطالب
الشعب الفلسطيني.
الإشكالية الأخرى
التي قد يثيرها البعض، أو يراهن عليها، هو هل انتقال حماس من العمل السري
إلى العمل العلني سيملي على حماس دفع ثمن له من مواقفها السياسية، حفاظاً
على وجودها؟
نقول: حماس وعبر
تجربتها في العمل الخيري والدعوي والجماهيري ولاحقاً في المجال السياسي
والعسكري والإعلامي، قد تمكّنت من تثبيت هيكلية تنظيمية معقدة فصلت فيها
تماماً بين أجهزتها، مما جعلها قادرة على تقديم الواجهة التمثيلية بشكل
علني، في ظل بقاء مركز القرار السياسي بعيداً عن الأنظار، وذلك بموازاة
تأدية الدور العسكري والجهادي بشكل سري، ومنعزل تنظيمياً، وهذا ما نأى
بقراراتها دائماً عن دائرة التأثر بالضغوط الخارجية أياً كان مصدرها.
فحماس، والتي
استمدت سبب وجودها، بشكل أساس، من مقاومة الاحتلال الصهيوني، لا يمكن لها
أن تنحاز عن هذا الخيار حتى تحقيق هدفها في دحر الاحتلال ورفع الظلم
والعدوان عن كاهل الشعب الفلسطيني؛ وبالتالي، وكما أعلن أكثر من مصدر في
حماس، فإن دخول الحركة في الحياة السياسية سيشكّل عامل دعم وتعزيز لخيار
المقاومة، وذلك عبر استخدام حماس للأقنية السياسية كرافعة للعمل المقاوم
وداعماً له.
ومما لا شكّ فيه
أيضاً أن قرار حماس المشاركة في الانتخابات التشريعية جاء استجابة لمطلب
فلسطيني لم يكن سهلاً على حماس تجاهله أو القفز عنه، يقول
تيسير نصر الله "إن
القرار يأتي منسجِماً مع مطالبة الشعب الفلسطيني لحماس بالمشاركة في
المؤسسات الشرعية الفلسطينية وعلى رأسها المجلس التشريعي وفق النسبة
التمثيلية لحماس في الشارع الفلسطيني، وهو ما سيكون له نتائج إيجابية
كبيرة في دعم التوجّه الديمقراطي" واعتبر نصر
الله أن قرار حماس "سيزيد من حالة التنافس بين
هذه الفصائل وسيوقّف التنافس أحاديّ الجانب الذي عاشته الساحة السياسية
الفلسطينية منذ أربعين عاماً و قادته حركة فتح"،
وهذا ما يتفق مع رأي أسرى حركة حماس في سجون الاحتلال، والذين قالوا في
بيان أصدروه (12-3) "نعلن دعمنا و تأييدنا
لقرار الحركة المشاركة في انتخابات المجلس التشريعي الذي جاء استجابةً
لنبض شعبنا الفلسطيني الذي يرغب في ضمّ جهود جميع المخلصين لدفع مسيرة
الإصلاح والتغيير من جانب، ومواصلة مسيرة التحرير والتخلّص من الاحتلال
من جانب آخر".
فهل سنشهد في
المرحلة المقبلة من التاريخ الفلسطيني تحوّلات جذرية في النظام السياسي
الفلسطيني وفي البرنامج الوطني الفلسطيني يخرج الوعي الفلسطيني نهائياً
من مربّع ضبابية الرؤية والتخبط إلى رحاب العمل الواعي والفاعل وينتج
قيادة مسؤولة وأكثر التصاقاً بشعبها وتكون قادرة على التعبير عن طموحاته
وتطلعاته، وتحرص على ضمان حقوقه المعيشية والوطنية، وتعمل على تقريب لحظة
الحرية والاستقلال؟!.
|