|
في إلقائه لكلمته
يوم الخامس والعشرين من أيار في افتتاح جلسة الحوار في رام الله، كان
محمود عباس مرتاحاً ومتجلياً، يطلق كلماته بيسر وسلاسة، حتى وصل إلى
النهاية عندما أعطى فصائل المقاومة عشرة أيام لإنهاء الحوار، وإلا فسيذهب
إلى استفتاء الشعب الفلسطيني وفهم من السياق بأنه شعب الضفة والقطاع.
كان في جيب عباس
ورقتان، أتت بهما النوايا الطيبة وسخرها السياسي المخضرم لتصب في حسابه
في معركته المتواصلة مع الحكومة الإسلامية التي جاءت بها صناديق الاقتراع
في الخامس والعشرين من كانون الثاني.
الورقة الأولى:
كانت وثيقة الأسرى التي كان مهندسها مروان البرغوثي الفتحاوي الحركي الذي
نسج علاقات قوية مع معظم فصائل المقاومة في انتفاضة الأقصى بما فيها حماس
والجهاد واستطاع أن يضمنها معظم النقاط السياسية التي يحتاجها عباس في
معركته الساخنة مع الإسلاميين.
ومعروف أن
البرغوثي يطلع يومياً وهو في السجن على كافة تفاصيل الأوضاع السياسية في
الضفة والقطاع وغيرها، ويكاد لا يمر يوم لا يزوره فيه محام أو سياسي يضعه
في تفاصيل التفاصيل لا يتوازى معه بقية الأسرى بما فيهم أسرى حماس
والجهاد وغيرهم.
وعندما قام قادة
الأمن الوقائي السابقون واللاحقون في قطاع غزة بافتعال الاشتباكات (منذ
تسلم حكومة اسماعيل هنية وخاصة مع قوة الإسناد التي أنشأها وزير
الداخلية) لإرباك الحكومة وإشغالها ومحاولة تسليط الأضواء على عجزها في
استتباب الأمن والأمان وإعطاء إشارات بأن حرباً أهلية على وشك الاندلاع
مما جعل الشيخ النتشة والسعدي يتعجلان بالاجتهاد الخاطئ بنوايا طيبة لوقف
الصراع الداخلي ويوقعان على وثيقة البرغوثي وثيقة الأسرى دون تشاور مع
قيادة الحركة أو حتى التشاور مع الأسرى في بقية السجون والذين نفوا علمهم
بهذه الوثيقة إلا من خلال الصحف المحلية.
وأذكر جيداً
عندما اعتقلت مع المجاهد أبي الوليد بالجويدة في خريف 1999 عُرض علينا
المشاركة في الحوار بين الحركة الإسلامية وبين حكومة الروابدة ولكننا
رفضنا ذلك وأشرنا بمراجعة القيادة في الخارج كوننا لا نملك حريتنا ولا
نملك معلومات حول ما يجري وراء أسوار المعتقل.
أما الورقة
الثانية في جيب عباس فكانت ورقة الحوار الوطني التي عرضها عليها رئيس
المجلس التشريعي وبنية طيبة من أجل إيقاف الأحداث المفتعلة في قطاع غزة
وهكذا تم طرح فكرة الاستفتاء الشعبي واستعارة مصطلحات الإسلاميين مع أن
السياق لا ينطبق على الحالة ((لا تجتمع أمتي على ضلالة!)).
لا شك أن وثيقة
الأسرى تشتمل على ألغام كثيرة فبالإضافة لتمرير القبول بالمبادرة العربية
والشرعية الدولية وبرنامج الإجماع الوطني لمنظمة التحرير وجميعها يتضمن
الاعتراف بحق "إسرائيل" بالوجود والاعتراف بالاتفاقيات السابقة وهما
شرطان من الشروط الثلاثة التي طرحها الكيان الصهيوني لرفع الحصار المالي
والسياسي عن حكومة هنية، وسار وراء الكيان الصهيوني كل من الولايات
المتحدة والاتحاد الأوروبي واللجنة الرباعية والأمم المتحدة وغيرها، وأما
الشرط الثالث "نبذ العنف" فيستطيع عباس أن يشهد أمام الأطراف المذكورة
أعلاه في زيارته المتواصلة بأن حماس ملتزمة تماماً بقرار تهدئة القاهرة
منذ 17/3/2005.
ويمكن أن نقول
بمنتهى الراحة بأن الحصار المتواصل على حكومة هنية من الخارج يشارك به
للأسف الرئيس عباس وقد ظهر ذلك من أدلة متعددة:
·رفض عباس زيارة
السويد بحجة أنها استقبلت الوزير عاطف عدوان وزير الدولة لشؤون اللاجئين
في حكومة هنية.
·قرار عباس
بتحويل أبو زهري إلى النائب العام بتهمة إدخاله أقل من مليون دولار للشعب
الفلسطيني، وهو يشيء بأنه لا يرغب بإدخال المال للشعب بتاتاً.
·قيام سفير
فلسطين في ماليزيا (التابع لعباس) بإجهاض تمثيل الزهار وزير خارجية
فلسطين في مؤتمر وزراء دول عدم الانحياز وإحضار القدومي ليمثل فلسطين،
خصم عباس الظاهري وربما كمبادرة حسن نية لعودة الوئام بينهما.
·إبعاد وزارة
هنية عن حضور مؤتمر القمة العربية بالخرطوم بتأجيله ترسيم الحكومة
الفلسطينية إلى يوم 29/3/2006 بعد يوم واحد من افتتاح مؤتمر القمة
العربية في 28/3/2006.
·إدخال أسلحة
وذخائر بموافقة الكيان الصهيوني لقوات الرئاسة وزيادة عددها إلى عشرة
آلاف مقاتل.
أما الموضوع
الأكثر خطورة في وثيقة الأسرى فهو اعتبار الأرض المحتلة عام 67 هي الأرض
الفلسطينية المحتلة فقط والتنازل عن أراضي 48 (78% من مساحة فلسطين
التاريخية) وهي خاضعة للاستفتاء الشعبي علماً بأن الثوابت الوطنية
والشرعية لا يجوز عرضها على أي استفتاء، فقد قدم آلاف الشهداء والجرحى
والمعتقلين حياتهم طيلة قرن من الزمن من أجل الدفاع عنها وافتدائها
بالغالي والرخيص، كما أن هذه الأرض هي من حق اللاجئين المشردين في أقطار
المعمورة وفي المخيمات التي لا تقيهم حرارة الصيف ولا زمهرير الشتاء
وصبروا على ذلك طيلة 58 عاماًَ على أمل العودة إليها فهل يملك عباس ومن
يؤيده الحق في عرضها على الاستفتاء والتنازل عنها؟؟ وهل يملك عباس الحق
في حرمان الأبناء والأحفاد حتى من الحلم بالعودة إليها؟
وهل سجل التاريخ
بأن الشعب الجزائري أجرى استفتاء على التناول عن أجزاء من أراضيه لمصلحة
المستوطنين الفرنسيين في الجزائر؟؟
أو هل قبل الشعب
الإيرلندي بعمل استفتاء وتنازل عن القسم الشمالي من إيرلندا علماً بأنه
حارب الاستعمار الإنجليزي منذ مئات السنين؟؟
إن أرض فلسطين
التي فتحها الخليفة عمر، وأعطى العهدة العمرية للمسيحيين، وحررها القائدة
المسلم صلاح الدين وبقيت في حوز العرب المسلمين لمدة 14 قرناً من الزمن،
لا يستطيع عباس ومن يقف معه أن يجري استفتاء شعبياً من أجل التمسك
والإبقاء على 22% فقط من هذه الأراضي المباركة.
|