|
الأمور باتت
واضحة جدا فالأحداث والوقائع تتحدث بنفسها عن نفسها, وهي لا تحتاج إلى
تحليل كبار المحللين السياسيين وجهابذتهم الإعلامية, حتى أنني شخصيا
أستطيع أن أراهن كثيرين حول معرفة طلاب وطالبات مدارسنا بمختلف فئاتهم
العمرية والصفية أن الغرض من القيود التي توضع في يدي الحكومة الفلسطينية
والحصار المفروض عليها من كل صوب وحدب من الداخل وما بعد الداخل "
إسرائيل ومعظم الأنظمة العربية" والخارج الدولي أمريكا وأوروبا وجمع غفير
من الدول الأوروبية المشهود لها تاريخيا بمواقفها وخططها وبرامجها
الاستعمارية التي لا تعير اهتماما بحقوق الشعوب الأخرى وحقها في تقرير
مصيرها وبالتالي تمتعها بكرامتها واستقلالها الوطني.
فالسلطة
الفلسطينية ككيان ذاتي أو بلدية كبيرة تولدت ونتجت عن اتفاق "أوسلو" الذي
جاء متفقا تماما مع الرؤية والرغبة الأمريكية الإسرائيلية حول مرجعيته
القانونية الدولية وشروط تلك المرجعية بشأن توصيف وتحديد الصلاحيات
والمهام لأي كيان فلسطيني ستتمخض عنه عملية السلام في حال إجرائها
والشروع بها.
هذه الشروط
الأمريكية الإسرائيلية المعروفة تتحدث عن وجوب الاعتراف بإسرائيل مسبقا
ودون أية شروط ونبذ العنف والاعتراف بالقرار " 242 , 338 " سابقا
وبالاتفاقيات التي تمخضت عن "أوسلو" بعد فوز حركة حماس بالانتخابات
التشريعية الأخيرة.
تدرك أمريكا
وإسرائيل جانب الخطورة بل الدمار الذي سيصيب الشعب الفلسطيني جراء القبول
بمثل هذه الاشتراطات المجحفة ولذلك لاحظ المراقبون والمحللون السياسيون
وخبراء القانون الدولي ومن لديه أدنى إطلاع كيف أن أمريكا وإسرائيل ضغطت
بكل ما لديها من قوة وإمكانيات وعبر سنوات عديدة من أجل أن تعترف منظمة
التحرير الفلسطينية بهذه الاشتراطات القاتلة مسبقا, والتي يحويها القرار
الدولي الشهير والمجحف بحقوق الشعب الفلسطيني حتى في حدود سقفها الأدنى
رقم 242 الصادر عن مجلس الأمن الدولي إثر حرب سنة 67, خطورة القبول بهذه
الاشتراطات هو ما أصاب فعلا القضية الفلسطينية من مآسي وكوارث نتيجة
القبول بها من قبل قيادة منظمة التحرير, فبهذه الشروط والمطالب الأمريكية
الإسرائيلية التي لم يقابلها ثمن مقابل الاعتراف بها والنزول عند
مقتضياتها تم الاعتراف بشرعية الاحتلال على أكثر من 78 % من أرض فلسطين,
وأصبحت المقاومة بماضيها وحاضرها ومستقبلها عملا مجرما وإرهابيا وأما
بالنسبة لما تبقى من أراضي أل 67 فكان "أوسلو" ومجمل شروط السلام كافية
لشرعنة الاحتلال عليه بالاستناد إلى مرجعية السلام الدولية التي تعتبر
أراضي أل67 أراضي متنازع عليها.
الوقائع على
الأرض تشير نحو الاتجاه الذي أشرنا إليه سابقا, فالتمدد الاستيطاني
والتوسع فيه ازداد منذ عملية السلام, تحول هذه المستوطنات إلى جيوب
ومراكز تقطع أوصال الضفة وتعزل القدس عن محيطها أمر ماثل للعيان هذه
الأيام, الجدار العازل صادر عشرات الآلاف من الدونمات وأصبحت بموجبه
بلدات وقرى الضفة وتلك المحيطة بالقدس الشريف لا يجمع بينها جامع, و
الأغوار معزولة, والمآسي التي جلبها ما يسمى السلام والقبول بالشروط
الأمريكية الإسرائيلية يعجز المرء عن تحديدها وحصرها في إطار محدد.
خطورة القبول
بهذه الشروط وبمجمل مرجعية السلام والنهج التفاوضي على حركة فتح كان أمرا
عظيما على حركة عملاقة مثل حركة فتح التي قدمت الآلاف من الشهداء والجرحى
والأسرى, حيث أصابت شرعية مقاومتها بمقتل, ففلسفة هذه الحركة تقوم على
الكفاح المسلح, وهو بناء على فهم طبيعة الصراع خيار استراتيجي أساسي بل
ربما هو الوحيد لتحقيق الحقوق الفلسطينية, وبموجب شرائط السلام أصبحت
الحركة مجردة من أهم أدواتها وأسلحتها الاستراتيجية, بل لا نبالغ القول
أن حركة فتح كادت أن تفقد شرعية وجودها بفعل ما يسمى بنبذ العنف الذي
قبلته القيادة, فلولا أن عادت الحركة إلى خيار المقاومة من جديد في
انتفاضة الأقصى بعد أن تبين سراب السلام, لكانت الحركة- لا سمح الله -
تسير باتجاه فقدان معامل بقائها بكونها حركة تحرر وطني تسعى إلى تحرير
الإنسان و الأرض من الغاصب المحتل, ولقد رأينا كيف أن الراحل أبو عمار تم
قتله مسموما حينما أراد أن يعود جزئيا للمقاومة بعد أن رفض الاستمرار في
الانحدار نحو قاع التنازلات والتراجعات على صعيد القضية الفلسطينية.
برغم كل الذي دفعته
حركة فتح من رصيدها النضالي والشعبي بفعل إدخالها في مستنقع "أوسلو" الذي
لم يجلب لفتح سوى التراجع والانهيار وانتشار وتمدد القيادات الفاسدة
والساقطة أخلاقيا ووطنيا على رأس هرمها وما أصاب القضية من تراجعات وهو
الأهم, إلا أن أصحاب المصالح الذاتية من هؤلاء لازالوا يجاهرون ليلا
نهارا وفي السر والعلن بضرورة الالتزام بالشرعية الدولية وباتفاقات
السلام وبما يسمى بالشروط الدولية, لا همّ لهم سوى أن يوقعوا غيرهم في
المستنقع الذي وقعوا هم فيه بأيديهم حتى و لو تحالفوا مع الأعداء من
الصهاينة والأمريكان…
نعم أنني لست
أبالغ. هذه هي الحقيقة إنهم يريدون أن تعترف حماس بإسرائيل دونما ثمن وأن
تعترف كذلك باتفاقات السلام التي داستها دبابات شارون بجنازيرها سنة
2002, وأيضا أن تقوم حماس بنبذ العنف " تجريم المقاومة " إنهم بهذا
يصرحون ويعلنون دونما وجل أو حتى حياء أو من باب الخجل, نسمعهم يقولون
على حماس أن تقدم خطة سياسية للخروج من الأزمة؟ فما هي يا ترى هذه
الخطة؟, ثم يطالعوننا بأن على حماس أن تستجيب للشروط الدولية بصيغة
فلسطينية مقبولة, فما هي أيضا تلك الصيغة المقبولة فلسطينيا ؟!! , إذا
أراد المتلقي أن يعقب على ما يقولونه بقوله لهم: إنكم إنما تريدون أن
تعترف حماس بإسرائيل فيردون: ومن قال ذلك نحن نريد أن تبقى حماس على
مواقفها وثوابتها, ثم بعد ذلك يخرج السيد الأحمد ليقول إن على حماس أن
تعترف بإسرائيل وبالشروط الدولية.
إنهم يختلقون مختلف
المبررات والأعذار لعدم المشاركة في حكومة وحدة وطنية حقيقية للوقوف
والصمود أمام التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية وبالتحديد في هذه
المرحلة التي تشهد- بإذن الله- تحولا حقيقيا لعودة القضية إلى وضعها
الطبيعي وفي هذا المضمار يمكن التذكير بما يلي:
- حينما فازت
حماس بالانتخابات التشريعية في أواخر شهر كانون الثاني من العام الجاري,
سعت حركة حماس وبكل ما أوتيت من قوة ومن سعة صدر وانفتاح لكي تحاور
الفصائل جميعها وعلى رأسها حركة فتح من أجل الدخول في حكومة وحدة وطنية,
لكن قيادة فتح والفصائل الأخرى أصرت على اعتراف حماس بمنظمة التحرير دون
وجه حق والسبب الحقيقي في ذلك هو توريط حماس بالاعتراف بإسرائيل ذلك لأن
المنظمة كانت قد اعترفت بإسرائيل " عقلية بالهوى سوى " هذه هي الحقيقة
بدون مواربة.
- حينما شكلت
حركة حماس الحكومة بمفردها بعد أن استنفدت كل جهد من أجل التوصل إلى
حكومة وحدة وطنية, واستقر حال الحكومة إلى حد ما في توفير جزء من
الرواتب, أخذ أمراء المصالح الذاتية وزعرانهم بإثارة المشاكل والقلاقل
الداخلية عبر اعتداءات بعض الأجهزة الأمنية " الوقائي" على عناصر القوة
التنفيذية التي شكلتها حماس لمساندة جهاز الشرطة في حفظ الأمن.
- بعد ذلك
بطريقة أو بأخرى " معروفة " تم إخراج وثيقة الأسرى التي صاغها الأسير
مروان البرغوثي, ووقعتها قيادات الفصائل المختلفة لتكون ورقة مع أهميتها
من بين الكثير من الأوراق والاقتراحات ليستأنس بها المتحاورون, لكن أبو
مازن ورجال مؤسسة الرئاسة تعاملوا مع الوثيقة على أنها سيف مسلط على رقاب
المتحاورين مسبقا, وهدد عباس في حينها بطرحها للاستفتاء رغم عدم شرعية
الاستفتاء وقانونيته.
- حينما تم
الخروج من أزمة ما كان يسمى بوثيقة الأسرى, وتم التوصل إلى اتفاق بشأنها
وبما يرضي جميع الأطراف, ولتكون هذه الوثيقة الوطنية منطلق للعمل الوطني
ولتشكيل حكومة الوحدة الوطنية بما يتناسب مع نتائج الانتخابات
الديمقراطية " هذا ما ورد ونصت عليه الوثيقة ", بعد هذا كله أصبحت
الوثيقة لا تعنيهم بشيء, لماذا ؟ يقولون بصريح العبارة إن الوثيقة لا
تقبل بها أمريكا وإسرائيل, وعلى أنها شأن داخلي فلسطيني. بلا تخوين لأحد,
هذا ما نسمعه من حكومة إسرائيل نفسها!! . لقد قال السيد هاني الحسن منذ
فترة ليست ببعيدة لا تتجاوز ربما الأسبوع وذلك على برنامج الجزيرة
المعروف " أكثر من رأي " (( بان المطلوب فلسطينيا هو ترتيب البيت
الفلسطيني بطريقة وبصيغة يقبل بها المجتمع الدولي )) الصيغة والطريقة
التي يشير إليها الحسن هو القبول بالشروط الأمريكية الإسرائيلية باعتراف
حماس بإسرائيل وبهذه الشروط على وجه العموم.
الآن يلحنون على
أوتار تشكيل حكومة خبراء " تكنوقراط " بدل من حكومة الوحدة الوطنية كما
يقترح بذلك السيد نبيل عمرو وآخرون, وهي أيضا تأتي في سياق المبررات
والأعذار الملفقة لترك الحكومة وحدها في الميدان والمضي قدما لإسقاطها,
صدقوني حتى و لو قبلت حماس بهكذا حكومة سيقولون إن أبو مازن سيقوم
بتعينها وأن عليها القبول ببرنامجه الفتحاوي وليس بما تم الإجماع عليه
سابقا في وثيقة الوفاق الوطني, والأمر كذلك بالنسبة لحكومة الفصائل التي
نادى بها البعض مؤخرا, فعباس سيطلب منها العمل وفقا لبرنامجه, إذن
مبرراتهم لا طائل من انتهائها كما يبدو.
باختصار شديد بعض
قيادات فتح المعروفة بتنازلاتها وفسادها ومن والاهم وتبعهم من رموز
مصطنعة لا تمثل شيئا في الساحة الفلسطينية يريدون شيئا واحدا من حماس
سواء أكانت في حكومة شكلتها حماس لوحدها أو مع غيرها "حكومة وحدة وطنية "
أو حكومة خبراء أو حكومة فصائلية هو أن تعترف بإسرائيل وتقبل بالشروط
والالتزامات التي قبلت بها فتح وغيرها سابقا, حتى وإن لم تعد هذه
الالتزامات قائمة.
لاشك أن الحصار
المفروض على الشعب الفلسطيني وحكومته الشرعية المنتخبة قد تم إحكامه من
أطراف دولية وإقليمية وحتى محلية, وأن التآمر واضح منذ البداية وليست
نهايته حملة الإضراب المسيس ضد الحكومة التي لا ذنب لها سوى أنها لا تريد
التنازل عن حقوق وثوابت الشعب الفلسطيني خاصة والأمة عامة, نعم كل الظروف
المحيطة بالمقياس المادي البحت تشير أنه لا مخرج من هذا الحصار, إلا أن
الحقيقة تقول أن الكيان الصهيوني واهن وضعيف جدا أكثر مما نتصور, فمن أجل
جندي أسره رجال المقاومة ها نحن نسمع بتسريبات هنا وهناك بأن إسرائيل
تبدي استعدادا لكي تفرج عن مئات الأسرى الفلسطينيين وعن مئات الملايين من
الأموال المحتجزة للشعب الفلسطيني, ومن يدري ماذا تخبأ لنا المقاومة في
قادم الأيام من مفاجآت قد تضطر الصهاينة جبرا برفع الحصار المفروض عن
الشعب الفلسطيني, هذا عدا عن التطورات الإقليمية المقبلة التي ربما أصبحت
قريبة على مرمى حجر, من المهم جدا أن تتحرر إرادة الشعب الفلسطيني من هذا
الاحتلال المالي البغيض الذي ورطه في إساره أبطال "أوسلو" الميامين
والذين لا يزالون يستطيبون بل ويدافعون عنه طالما أن بهذا الإسار تتحقق
مصالحهم التافهة والحقيرة.
|