الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

ارشيف مقالات الأستاذ عماد صلاح الدين

عودة

 

في نقض مزاعم الذين يطالبون الحكومة بالرواتب!!

 

أ. عماد صلاح الدين

 

كاتب وباحث في الشؤون القانونية والسياسية

مؤسسة التضامن الدولي لحقوق الإنسان

 

يشهد الله عز وجل كم أنني أحاول في كل ما أكتب أن أتوخى الحقيقة العلمية التي تدعمها وتؤكدها الوثائق والأرقام والحقائق المختلفة باعتبارها مسلمات متوافق عليها من جميع من يحترم المصداقية والحقيقة والعقلانية والمنطق, إلا من أراد غير ذلك فهذه معضلته التي عليه أن يتخلص منها, إذ كما يقولون: "إن الشمس لا تغطى بغربال".

 

على أية حال, و قبل أن أدخل مباشرة بموضوع ما بات يعرف في هذه الأيام على الساحة الفلسطينية بأزمة رواتب الموظفين والمعلمين الحكوميين, علينا أن ندخل في الأسباب الحقيقية والكامنة وراء هذه الأزمة, فلكل مشكلة أو حادثة منطلقاتها الأساسية أو الأم, أما الاقتصار على مظاهر المشكلة وآثارها, والتي هي في جزء منها في هذه الأيام أزمة أو مشكلة الرواتب فهذا ما يتعارض بالكلية مع مقتضيات البحث العلمي في طرح وعلاج أية مشكلة مهما كانت, صغرت أم كبرت. وفي هذا السياق لابد من التعريج والحديث عما يلي:

 

أولا: الوضع الطبيعي لحركات التحرر الوطني في ظل الاحتلال.

 

تخبرنا معظم وجل تجارب الحركات الوطنية في العالم وبالتحديد في منطقتنا العربية على وجه العموم, أنه لا يمكن على الإطلاق أن يكون هنالك حالة من الجمع والتوفيق ما بين مقاومة وطنية وسلطة أو إدارة حكومية كحال السلطة الفلسطينية لدينا في سياق منطلقها الفلسفي والهيكلي المعروف وما بين الاحتلال نفسه ما دام أن هذا الاحتلال لا زال مستمرا, فالحديث عن وجود سلطة ذات طابع رسمي مكشوف مؤسساتيا سواء في الجانب الأمني أو الإداري الخدماتي لا يمكن أن يكون جزءا من مشروع وطني للتحرر وإقامة دولة ذات سيادة, إذ هو والحالة هذه سيكون سهلا لأن تقضي عليه وتدمر بناه التحتية والخدمية قوة الاحتلال التي تصول وتجول في ذلك البلد المحتل.

 

فبلد المليون شهيد " الجزائر" كانت هنالك مقاومة عسكرية ومدنية لطرد المحتل الفرنسي وإجلائه, ولم تكن بحال من الأحوال سلطة حكم ذاتية جزائرية مكشوفة والفرنسيون محتلون واقعيا وفعليا للجزائر, لأن هنالك اختلاف وتناقض واضح بين ما يسعى إليه الاستعمار الفرنسي من سيطرة واحتلال وبين ما يسعى إليه الجزائريون وحركات المقاومة لديهم من تحرير لبلدهم ونيل سيادته واستقلاله وكرامته الوطنية, وهذا يعني أنه لو كانت لديهم سلطة أو إدارة حكومية ذاتية فهذا يعني أنها ستكون تحت سيطرة ومرمى اعتداءات المستعمر في كل لحظة وحين, وهذا الأمر لا ينطبق على الجزائريين بل على كثير من الشعوب العربية والأفريقية والآسيوية التي تعرضت بلدانها للاحتلال.

 

ثانيا: مرجعية عملية السلام وشروطها وأثرها على الشعب الفلسطيني.

 

تقوم مرجعية السلام الفلسطينية الإسرائيلية التي بدأت مع مؤتمر مدريد للسلام سنة 1991 على القرارين الصادرين عن مجلس الأمن الدولي 242, 338. هذان القراران يدعوان إسرائيل إلى الانسحاب من "أراض" احتلتها عام 67 دون تحديد ما هي هذه الأراضي بإبعادها وحدودها, وهذا القرار بالمناسبة لا يتحدث عن حقوق للشعب الفلسطيني وإنما هو يتحدث عن الدول صاحبة السيادة في المنطقة وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بأمن دولة إسرائيل, وبالنسبة للاجئين الفلسطينيين فهو يتحدث على وجه العموم بحيث لا نستطيع أن نحدد من خلاله هل هم اللاجئون الفلسطينيون أم هم يهود الدول العربية الذين جلبهم الكيان الصهيوني إلى أرض فلسطين, وبالفعل فإن إسرائيل تجادل بأن اللاجئين في هذا القرار يقصد بهم أيضا اللاجئين اليهود على حد زعمهم وأن القرار يتحدث بالتالي عن حالة من المقاصة والتبادلية بين الفلسطينيين ويهود الدول العربية بحيث يستقر كل منهم في المكان الذي انتقل إليه لاحقا.

 

هذا بالإضافة إلى جملة من الشروط الأمريكية والإسرائيلية التي تتعلق بنبذ العنف والإرهاب وبالاعتراف بإسرائيل. وبهذا فإن القرار 242 و 388 الذي يعتبر تكرارا وتأكيدا لما ورد في القرار الأول مدخل ممتاز جدا لتنفيذ المشروع الصهيوني وشرعنته بسم السلام والشرعية الدولية على ما تبقى من أرض فلسطين المحتلة فعليا.

 

ثالثا: صورة السلطة الفلسطينية الحقيقة في ضوء المرجعية السابقة التي تحدثنا عنها آنفا.

كما هو مفهوم من القرار 242 أنه لايتحدث عن حقوق الشعب الفلسطيني كشعب لا من قريب ولا من بعيد وبالتالي فهو لا يتكلم عن حقهم في دولة على حدود الرابع من حزيران عام 67 ولا عن عودة اللاجئين ولا غيرها من الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني, ولذلك كان السر الأمريكي والإسرائيلي حول التمسك بهذا القرار إزاء منظمة التحرير لكي تعترف به حتى يمكن الجلوس معها للمفاوضات.

 

بناء على ما سبق جاءت السلطة الفلسطينية انعكاسا واضحا وتاما لما أرادته الرؤية الأمريكية والإسرائيلية لها, والتي نجد تجليها "هذه الرؤية" من خلال القرار 242 والشروط الأخرى المتعلقة به, فالسلطة الفلسطينية والحالة هذه هي عبارة عن كيان يقوم بوظائف البلديات والمجالس القروية بمعنى أنها تعنى بالجوانب الخدماتية والمدنية ولا علاقة لها من قريب أو بعيد بممارسة دور سياسي يقود بالتالي إلى التمتع بالسيادة والاستقلال بإقامة الدولة المستقلة, بالإضافة إلى ضبط السكان المحليين أمنيا والقيام أيضا بدور شرطي الأمن لحماية الأمن الإسرائيلي, وهذا ما جرى ويجري حتى الآن وإن كان بوتيرة أخف, والجميع بذلك يعرف وليس أدل على ذلك ما جرى مؤخرا مع الإخوة في كتائب الأقصى رمزي عبيد ورفاقه من حالة تسليم للعدو نددت بها كتائب الأقصى التابعة لحركة فتح ووصفت من قام عليها بالخائن المارق.

 

إذن السلطة من يوم أن عرفناها وحتى اليوم لم نجد أنها صبت في مشروع التحرر الوطني ولا رأيناها منذ ذلك الوقت وحتى الآن قد وصلت إلى مرحلة الدولة الكاملة السيادة على جميع أراضي أل67, فهل يعقل هذا ؟!!.

 

رابعا: مصادر السلطة الفلسطينية المالية هي الحصار عينه على الشعب الفلسطيني.

 

وجود السلطة الفلسطينية في إطار الهدف والغرض الأمريكي منها كحلقة وجزء من استراتيجية أمريكية وإسرائيلية واضحة لمزيد من شرعنة الاحتلال على ما تبقى من أرض فلسطين وما يرتبط بذلك بالاستراتيجية الكلية للسيطرة على المنطقة بشكل لم يسبق له نظير عبر تاريخ الاستعمار الغربي الحديث بتحويل المنطقة إلى ما يسمى بالشرق الأوسط الجديد أو الكبير أيا كانت التسميات بناء على الرؤية الأمريكية والإسرائيلية,  يعني ولا شك أنه لا بد وأن تكون هذه السلطة تابعة لمن أوجدها وكانت انسجاما مع رؤيته, وإحدى أدوات التبعية المهمة هو الاقتصاد الذي يعتبر حساسا بالنسبة للشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال, وبهذا فإن الاقتصاد الفلسطيني ربط بالاقتصاد الإسرائيلي عبر اتفاقية باريس المعروفة ومن خلال ربط لقمة العيش بالدول الأوروبية المانحة, ومعنى ذلك ضمان أن تكون لقمة العيش الفلسطينية ثمنها التنازلات السياسية عن حقوق الشعب الفلسطيني, ولذلك فالمعادلة والحالة هذه أن من يريد البقاء في السلطة مستقرا لابد له أن يستجيب لمقتضياتها وشروطها التي وضعتها أمريكا وإسرائيل بأن تبقى هذه السلطة محددة الغرض في الإطار الذي وجدت فيه, حيث لاهي دولة ولا هي مشروع يقود مقاومة وهذه الاستجابة للشروط المحددة سلفا تضمن وصول أموال الضرائب والجمارك التي هي حق للشعب الفلسطيني وكذلك العلف الأمريكي والغربي ليتم ذبحنا أو طردنا لنذبح في مكان آخر لاحقا.

 

لذلك من يريد أن يتمسك بالثوابت الوطنية لا بد وأن يلاحق من أمريكا وإسرائيل والغرب والأنظمة العربية صاحبة المصالح الإقطاعية, لهذا رأينا ولا زلنا كيف أن حماس حينما أرادت الدخول في العملية السياسية وما تمخض عن ذلك من فوزها كاسح وتشكيلها للحكومة فرض عليها الحصار لأنها حركة مقاومة حقيقية تتمسك بالثوابت الوطنية وبالتالي استخدمت بحقها أدوات الحصار المعدة سابقا وهي اتفاقية باريس وأموال الضرائب والجمارك وغيرها من أمراء الفساد والزعرنات والتنازلات الداخليين, وما تمخض عن ذلك من عدم قدرة بفعل الحصار المحكم والتآمر الداخلي المفبرك على صرف رواتب الموظفين وبالتحديد منهم قطاع المعلمين.

 

لذا فإن السلطة القائمة على فلسفة التفاوض من أجل التفاوض لا لشيء آخر, سوى كسب الوقت من الجانب الأمريكي والإسرائيلي لتحقيق أهدافهما, وتحديد وحصر هذه السلطة في سياق صلاحيات لا تمس ولا تتناول الحقوق الأساسية المتعلقة بالشعب الفلسطيني, بالإضافة إلى رهن هذه السلطة واستمرارها ماليا على الإرادة الأمريكية والإسرائيلية والغربية, لا تصلح بالمطلق أن تكون هذه السلطة إطارا لمشروع وطني يراد تحقيقه, ولذلك على الذين يقيمون الآن الأرض ولا يقعدونها داعين إلى إضراب مفتوح عن الدخول في العام الدراسي الحالي حتى توفر لهم حكومة حماس رواتبهم أن يوجهوا هذا الإضراب سوية ومع كل الفصائل والمؤسسات الفلسطينية ضد من يفرض الحصار على الشعب الفلسطيني, ثم بعد ذلك ليتخذوا استراتيجية وطنية وعربية للتخلص من هذا الاحتلال المالي الذي تمارس من خلاله أطراف عديدة وعلى رأسها أمريكا وإسرائيل عملية الابتزاز ضد الشعب الفلسطيني لتكون لقمة خبزه ممزوجة ومجبولة بالذل والهوان والتنازل عن الحقوق.

 

وإن أرادوا أن يصروا على الاستمرار في غيهم وتآمرهم على الحكومة التي اختارها الشعب الفلسطيني من أجل مصالح ذاتية وفردية, فعليهم أن يتدبروا تدبير الرواتب لأنهم هم من وضعوا القيود في يدي الشعب الفلسطيني عبر الاتفاقيات المذلة السياسية منها والاقتصادية, لكن ومع ذلك كله على حماس والحكومة الفلسطينية أن لا تستسلم لهكذا قيود ومؤامرات وعليها أن تبدع الاستراتيجيات الوطنية المطلوبة مع كل المخلصين الشرفاء لإنهاء كل هذه المهازل وعلى رأسها تلك الاتفاقيات المقيدة سواء منها السياسي أو الاقتصادي, لأن الإرادة الحرة واليد الطليقة من كل هي التي تعمل وتنجز, والتاريخ أبدا لا يخذل أصحاب الحقوق وذوي المواقف الوطنية الشريفة الطاهرة ولو بعد حين.