|
في أوائل أيام
سجننا في عام 1984م كنت مع الشيخ أحمد ياسين في غرفة واحدة و كنت أعطي
محاضرة للأخوة في الغرفة و كان من ضمنها أننا بحاجة إلى إحداث تغيير جذري
في نفسية الإنسان الفلسطيني بشكل خاص و المسلم بشكل عام ، تنقله من حياة
الاتكالية على الغير و الركون إلى الحياة الدنيا و الأنانية إلى حياة
المبادرة و الإيجابية و التضحية ، و كنت أضرب مثلا لذلك بالنساء و
الأطفال المسلمين في المدينة المنورة الذين تلقوا جيش مؤتة و هم يعثرون
عليهم التراب و يقولون لهم فررتم من الجهاد في سبيل الله ، رافضين فكرة
عودتهم من المعركة سالمين بدون أن ينالوا الشهادة أو النصر حتى لو كان
العدو أكبر منهم بعشرات المرات ، و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم
يقول لهم : "بل هم الكرار غدا إن شاء الله" . و كيف أننا بحاجة إلى تربية
عميقة لشعبنا للوصول بهم إلى هذه الروح التي تجعل الشعب بأكمله مجاهدا
شيبا و شبابا و نسائه.
ضحك الشيخ و قال
لي : "متى ستعمل ذلك" ، قلت بالجد و المثابرة نستطيع رغم أننا في بداية
الطريق ، إلا أننا حققنا بعض الإنجازات ، فقال الشيخ بهدوئه المعروف و
حكمته المعهودة : "يا بني لن تصل إلى ذلك إلا من خلال الجهاد ، ابدءوا
الجهاد و سترى تحقق ذلك على الأرض" … و كانت
لفتة جميلة من هذا الشيخ المجرب الذي آمن دائما أن العمل الصالح هو مفتاح
التوفيق و الهداية ، و العلم و التطوير .
كانت فترة السجن
هذه هي المحضن لتطوير فكرة المقاومة و نفسية المقاومين التي تعتمد على
الإنسان المؤمن أولا و قبل كل شيء ، فالإنسان المؤمن هو الأساس و إذا وجد
فستأتي الإمكانيات و ستأتي الخطط و ستأتي كل أسباب النصر بعد ذلك .
كانت فترة السجن
هذه نعمة على كل إخوتنا و على حركتنا ، تطور على أثرها العمل الجهادي و
أخذ طريقه صعدا و بشكل مطرد ، تطور فيه الرجال و نوعيتهم و تطورت فيه
الوسائل و الأساليب و دار الزمن دورته ، و إذا نحن في الانتفاضة الأولى
التي غرسنا بذرتها طويلا من خلال العمل الدؤوب السابق الذي نقل شعبنا كله
و ليس حركتنا فقط إلى روح جهادية لم يسبق لها مثيل في تاريخ الشعب
الفلسطيني الحديث . و تأكدت كلمات الشيخ "ابدءوا الجهاد و سترون التغيير
الذي تريدونه" .. و انتهت الانتفاضة الأولى و كتائب عز الدين القسام
حقيقة واقعة في حياة الشعب الفلسطيني و الأمة الإسلامية رغم اتفاق أوسلو
و ما أريد له من إنهاء حالة المقاومة في الشعب الفلسطيني ، إلا أن
الإصرار على العمل الجهادي كان متجذرا في نفوس أبناء الإسلام و كانوا في
أعماق أعماقهم يشعرون بمدى الغبن الذي تعرضوا له من خلال قطع طريق الجهاد
لتحرير كامل التراب الفلسطيني و دحر الاحتلال . كان لا بد من الاستمرار
في الجهاد رغم كل الجراح و الغدر و طعنة الظهر و كان شعارنا "آلام الصبر
على الجهاد أهون ألف مرة من آلام الذل و الهوان الذي نتجرعه صباح مساء"
.. يكفي أنك مع آلام الجهاد تذيق أعداءك من نفس الكأس و لا تشعرهم بلذة
التسلط عليك و الهيمنة ، بدلا من معاناة الذل من طرفنا وحدنا و أعداؤنا
يصولون و يجولون و يتبجحون ، فلا بد أن يشعروا بالرعب في أعماق أعماقهم
فلا يهنأ لهم بال و لا يطمئن لهم عيش ، فلا بد أن يشعر هؤلاء الغاصبون
بأنهم لصوص و اللص يجب ألا يعرف الراحة .
شارك النساء و
الأطفال في الانتفاضة الأولى و ذكرونا بأولئك الصحابة الذين رفضوا أن
يرجع جيش مؤتة بدون أن ينتصر أو يستشهد ، و قد قدم الكثير من أبناء شعبنا
نماذج من البذل و العطاء رغم ميراث الذل و التخاذل ، و استمرت هذه
الخميرة رغم أنف أوسلو و رأينا بأعيننا الأمهات اللواتي يستقبلن نبأ
استشهاد أبنائها بالزغاريد ، و الآباء الذين يذكرون و هم يحدثونا عن
أبنائهم الشهداء : "أتذكر يوم عرس فلان ( يعني يوم استشهاده) ، كنا كذا و
كذا" … و رأينا الآباء الذين يبدون استعدادهم
للتضحية ببقية أبنائهم فداء لدين الإسلام و إعلاء كلمة الله عز و جل ..
كان الأبناء و دوما حريصين أن لا يشعروا آبائهم و أمهاتهم حين يذهبون إلى
ساحة الجهاد و بالذات إلى العمليات الاستشهادية حرصا على الأمن من جانب و
خوفا أن يحزنوهم من جانب آخر ، أو لعل الآباء و الأمهات يحاولون إثنائهم
عن طريقهم .. و لكن و نتيجة استمرار الجهاد بدأت الظاهرة تتغير إلى
الأفضل ، فرأينا الأبناء الذين أقنعوا آبائهم و أمهاتهم بطريقهم و طلبوا
الدعاء منهم و التوفيق و النصر لهم قبل أن يخرجوا إلى ساحة المعركة ، و
رأينا الآباء و الأمهات الذين يدفعون أبنائهم دفعا إلى الجهاد و الشهادة
. و لإن كان هؤلاء أخفياء و أدى الحرص الأمني إلى عدم إظهار ما يعملون ،
إلا أننا أمام ظاهرة "أم نضال فرحات" … أمام
ظاهرة جديدة ، هذه المرأة المجاهدة التي أوت في بيتها ذات مرة درة فلسطين
الشهيد عماد عقل و التي كانت تستشعر أمومتها لكل مجاهد فلم تؤثر الصمت و
ظهرت في شريط الفيديو و هي تودع ابنها المجاهد و هي تعلم أنه لن يعود
إليها . هل كان ظهورها على الشريط حبا في الظهور ؟ ، معاذ الله لقد بدت
متواضعة جدا و لم تكن متباهية ، بل كانت جادة .
ظهرت في الشريط و
هي تعلم أن هذا قد يعرضها للأذى ، و لكن ظهورها أمر ضروري ليكشف عن حياة
هذه الأمة و حيويتها . إن هذه الأمة التي أنجبت الخنساء و نسيبة بنت كعب
و أم سعد بن معاذ قادرة على أن تنجب خنساوات كثيرات في كل عصر طالما أن
المحرك هو نفسه الذي حرك الأوائل ، ألا و هو الإيمان .
هذه المرأة
العظيمة مدرسة بأكملها بإيمانها ، بتواضعها ، بصبرها ، و ثباتها و رباطة
جأشها.. إنه حجة على الأمة جميعها وقفت شامخة بكل تواضع تدعوا إلى الجهاد
، تدعو الأمهات و تدعو شعب فلسطين و تدعو المسلمين جميعا ، و الأخطر من
ذلك توجه الدعوة إلى حكام المسلمين للجهاد …
إنها لا تقول لهم "وا معتصماه" ، فهي لا تستنجدهم و لكنها تستنهض فيهم
نخوة أم نضال .. أيتها المجاهدة العظيمة لقد أفحمت الجميع و أقمت الحجة
على الجميع . هكذا فلتكن الأمهات و إلا فلا .
سألت امرأة هل
عندك استعداد أن تكوني أم نضال قالت بأسى : "ما أقوى قلبها . أستوعب أن
يأتي خبر استشهاد ابني و أحب أن يجاهد ابني و لكن أن أودعه و هو ذاهب
للموت فهذا ما لا أقدر عليه" .
أم نضال أيتها
المجاهدة العظيمة ، إن صوتك الواهن أوقع في قلب شارون و زمرته ، أشد أثرا
من كل أصحاب الفخامة و الجلالة و ....... الخ .
أم
نضال أيتها العظيمة ، أنت عنوان هذه الأمة و رمز عزتها و كرامتها .
أم نضال ، لم
تكوني الأولى على هذا الطريق .. فقد أنجبت حماس قبلك أم يحيى عياش و أم
محمود أبو الهنود و أمهات كثيرات ، و لن تكوني الأخيرة فالأمة التي أنجبت
أمثالك و أمثال محمد ابنك أمة ليست عظيمة بل إنها أمة ودود ولود .
أم نضال ، بوجود
مثلك نكون قد قطعنا نصف الطريق إلى الانتصار ، و طريق الجهاد طريق اختاره
الله لنا و لا خيار لنا غيره و بنا أو بغيرنا فهو ماض إلى يوم القيامة و
لن توقفه المبادرات و لا المفاوضات ، فهو خيار رب العالمين .
أم نضال ليتقبل
الله جهادك و تضحيتك و صبرك و يتقبل ابنك في الصالحين و جمعك به في مقعد
صدق عند مليك مقتدر .
و
سلام عليك و رحمة الله و بركاته
ابنك الدكتور /
إبراهيم المقادمة |