الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الدكتور إبراهيم المقادمة

عودة

أم نضال

 

 بقلم : الدكتور إبراهيم المقادمة

في أوائل أيام سجننا في عام 1984م كنت مع الشيخ أحمد ياسين في غرفة واحدة و كنت أعطي محاضرة للأخوة في الغرفة و كان من ضمنها أننا بحاجة إلى إحداث تغيير جذري في نفسية الإنسان الفلسطيني بشكل خاص و المسلم بشكل عام ، تنقله من حياة الاتكالية على الغير و الركون إلى الحياة الدنيا و الأنانية إلى حياة المبادرة و الإيجابية و التضحية ، و كنت أضرب مثلا لذلك بالنساء و الأطفال المسلمين في المدينة المنورة الذين تلقوا جيش مؤتة و هم يعثرون عليهم التراب و يقولون لهم فررتم من الجهاد في سبيل الله ، رافضين فكرة عودتهم من المعركة سالمين بدون أن ينالوا الشهادة أو النصر حتى لو كان العدو أكبر منهم بعشرات المرات ، و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لهم : "بل هم الكرار غدا إن شاء الله" . و كيف أننا بحاجة إلى تربية عميقة لشعبنا للوصول بهم إلى هذه الروح التي تجعل الشعب بأكمله مجاهدا شيبا و شبابا و نسائه.

ضحك الشيخ و قال لي : "متى ستعمل ذلك" ، قلت بالجد و المثابرة نستطيع رغم أننا في بداية الطريق ، إلا أننا حققنا بعض الإنجازات ، فقال الشيخ بهدوئه المعروف و حكمته المعهودة : "يا بني لن تصل إلى ذلك إلا من خلال الجهاد ، ابدءوا الجهاد و سترى تحقق ذلك على الأرض" و كانت لفتة جميلة من هذا الشيخ المجرب الذي آمن دائما أن العمل الصالح هو مفتاح التوفيق و الهداية ، و العلم و التطوير .

كانت فترة السجن هذه هي المحضن لتطوير فكرة المقاومة و نفسية المقاومين التي تعتمد على الإنسان المؤمن أولا و قبل كل شيء ، فالإنسان المؤمن هو الأساس و إذا وجد فستأتي الإمكانيات و ستأتي الخطط و ستأتي كل أسباب النصر بعد ذلك .

كانت فترة السجن هذه نعمة على كل إخوتنا و على حركتنا ، تطور على أثرها العمل الجهادي و أخذ طريقه صعدا و بشكل مطرد ، تطور فيه الرجال و نوعيتهم و تطورت فيه الوسائل و الأساليب و دار الزمن دورته ، و إذا نحن في الانتفاضة الأولى التي غرسنا بذرتها طويلا من خلال العمل الدؤوب السابق الذي نقل شعبنا كله و ليس حركتنا فقط إلى روح جهادية لم يسبق لها مثيل في تاريخ الشعب الفلسطيني الحديث . و تأكدت كلمات الشيخ "ابدءوا الجهاد و سترون التغيير الذي تريدونه" .. و انتهت الانتفاضة الأولى و كتائب عز الدين القسام حقيقة واقعة في حياة الشعب الفلسطيني و الأمة الإسلامية رغم اتفاق أوسلو و ما أريد له من إنهاء حالة المقاومة في الشعب الفلسطيني ، إلا أن الإصرار على العمل الجهادي كان  متجذرا في نفوس أبناء الإسلام و كانوا في أعماق أعماقهم يشعرون بمدى الغبن الذي تعرضوا له من خلال قطع طريق الجهاد لتحرير كامل التراب الفلسطيني و دحر الاحتلال . كان لا بد من الاستمرار في الجهاد رغم كل الجراح و الغدر و طعنة الظهر و كان شعارنا "آلام الصبر على الجهاد أهون ألف مرة من آلام الذل و الهوان الذي نتجرعه صباح مساء" .. يكفي أنك مع آلام الجهاد تذيق أعداءك من نفس الكأس و لا تشعرهم بلذة التسلط عليك و الهيمنة ، بدلا من معاناة الذل من طرفنا وحدنا و أعداؤنا يصولون و يجولون و يتبجحون ، فلا بد أن يشعروا بالرعب في أعماق أعماقهم فلا يهنأ لهم بال و لا يطمئن لهم عيش ، فلا بد أن يشعر هؤلاء الغاصبون بأنهم لصوص و اللص يجب ألا يعرف الراحة .

شارك النساء و الأطفال في الانتفاضة الأولى و ذكرونا بأولئك الصحابة الذين رفضوا أن يرجع جيش مؤتة بدون أن ينتصر أو يستشهد ، و قد قدم الكثير من أبناء شعبنا نماذج من البذل و العطاء رغم ميراث الذل و التخاذل ، و استمرت هذه الخميرة رغم أنف أوسلو و رأينا بأعيننا الأمهات اللواتي يستقبلن نبأ استشهاد أبنائها بالزغاريد ، و الآباء الذين يذكرون و هم يحدثونا عن أبنائهم الشهداء : "أتذكر يوم عرس فلان ( يعني يوم استشهاده) ، كنا كذا و كذا" و رأينا الآباء الذين يبدون استعدادهم للتضحية ببقية أبنائهم فداء لدين الإسلام و إعلاء كلمة الله عز و جل .. كان الأبناء و دوما حريصين أن لا يشعروا آبائهم و أمهاتهم حين يذهبون إلى ساحة الجهاد و بالذات إلى العمليات الاستشهادية حرصا على الأمن من جانب و خوفا أن يحزنوهم من جانب آخر ، أو لعل الآباء و الأمهات يحاولون إثنائهم عن طريقهم .. و لكن و نتيجة استمرار الجهاد بدأت الظاهرة تتغير إلى الأفضل ، فرأينا الأبناء الذين أقنعوا آبائهم و أمهاتهم بطريقهم و طلبوا الدعاء منهم و التوفيق و النصر لهم قبل أن يخرجوا إلى ساحة المعركة ، و رأينا الآباء و الأمهات الذين يدفعون أبنائهم دفعا إلى الجهاد و الشهادة . و لإن كان هؤلاء أخفياء و أدى الحرص الأمني إلى عدم إظهار ما يعملون ، إلا أننا أمام ظاهرة "أم نضال فرحات" أمام ظاهرة جديدة ، هذه المرأة المجاهدة التي أوت في بيتها ذات مرة درة فلسطين الشهيد عماد عقل و التي كانت تستشعر أمومتها لكل مجاهد فلم تؤثر الصمت و ظهرت في شريط الفيديو و هي تودع ابنها المجاهد و هي تعلم أنه لن يعود إليها . هل كان ظهورها على الشريط حبا في الظهور ؟ ، معاذ الله لقد بدت متواضعة جدا و لم تكن متباهية ، بل كانت جادة .

ظهرت في الشريط و هي تعلم أن هذا قد يعرضها للأذى ، و لكن ظهورها أمر ضروري ليكشف عن حياة هذه الأمة و حيويتها . إن هذه الأمة التي أنجبت الخنساء و نسيبة بنت كعب و أم سعد بن معاذ قادرة على أن تنجب خنساوات كثيرات في كل عصر طالما أن المحرك هو نفسه الذي حرك الأوائل ، ألا و هو الإيمان .

هذه المرأة العظيمة مدرسة بأكملها بإيمانها ، بتواضعها ، بصبرها ، و ثباتها و رباطة جأشها.. إنه حجة على الأمة جميعها وقفت شامخة بكل تواضع تدعوا إلى الجهاد ، تدعو الأمهات و تدعو شعب فلسطين و تدعو المسلمين جميعا ، و الأخطر من ذلك توجه الدعوة إلى حكام المسلمين للجهاد إنها لا تقول لهم "وا معتصماه" ، فهي لا تستنجدهم و لكنها تستنهض فيهم نخوة أم نضال .. أيتها المجاهدة العظيمة لقد أفحمت الجميع و أقمت الحجة على الجميع . هكذا فلتكن الأمهات و إلا فلا .

سألت امرأة هل عندك استعداد أن تكوني أم نضال قالت بأسى : "ما أقوى قلبها . أستوعب أن يأتي خبر استشهاد ابني و أحب أن يجاهد ابني و لكن أن أودعه و هو ذاهب للموت فهذا ما لا أقدر عليه" .

أم نضال أيتها المجاهدة العظيمة ، إن صوتك الواهن أوقع في قلب شارون و زمرته ، أشد أثرا من كل أصحاب الفخامة و الجلالة و ....... الخ .

أم نضال أيتها العظيمة ، أنت عنوان هذه الأمة و رمز عزتها و كرامتها .

أم نضال ، لم تكوني الأولى على هذا الطريق .. فقد أنجبت حماس قبلك أم يحيى عياش و أم محمود أبو الهنود و أمهات كثيرات ، و لن تكوني الأخيرة فالأمة التي أنجبت أمثالك و أمثال محمد ابنك أمة ليست عظيمة بل إنها أمة ودود ولود .

أم نضال ، بوجود مثلك نكون قد قطعنا نصف الطريق إلى الانتصار ، و طريق الجهاد طريق اختاره الله لنا و لا خيار لنا غيره و بنا أو بغيرنا فهو ماض إلى يوم القيامة و لن توقفه المبادرات و لا المفاوضات ، فهو خيار رب العالمين .

أم نضال ليتقبل الله جهادك و تضحيتك و صبرك و يتقبل ابنك في الصالحين و جمعك به في مقعد صدق عند مليك مقتدر .

و سلام عليك و رحمة الله و بركاته

ابنك الدكتور / إبراهيم المقادمة