|
لا يكاد يختلف اثنان من العرب والمسلمين في وصف واقعنا بأنه واقع مزر
ومترد، وربما اختلف الناس بعد ذلك في وصف مظاهر هذا الإزراء والتردي أو
في الرجوع إلى أسبابه. ولكن أخطر ما في هذا الواقع الفاسد هو استسلام
حكام العرب والمسلمين لهذا الإزراء والتردي وكأنه ضربة لازب، وكأن الله
كتب على أمتنا أن تعيش ذليلة إلى الأبد بحيث لا تحاول أن تخرج من هذه
الدائرة أبدا.
إن كل المبادرات التي يطرحها الحكام العرب والحلول التي يقبلون بها
ويحاولون تمريرها على شعوبهم تنطلق من قناعة عميقة لديهم أن إمكانية
النهوض غير واردة في حسابهم. ويبدو أنهم مع عجزهم يعتقدون أنهم خالدون
إلى الأبد، وبذلك يتخلد معهم هذا العجز العربي والإسلامي.
وإذا كان هذا هو حال الحكام فهل يجوز للشعوب أن تستسلم إلى هذا المصير؟
هل وصل الحال لشعوبنا إلى درجة أنها استنامت للهزيمة واقتنعت بها وآمنت
أن إسرائيل حقيقة لا تقهر؟!
إن كل حقائق القرآن ترفض هذا المنطق الذي يطرحه الحكام العرب هؤلاء،
فعشرات الآيات تقرر أنه: "إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم"،
"ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز". ولكن يبدو أن هؤلاء الحكام
لا يضعون في حسابهم أبدا أن يكونوا من أنصار الله حتى لا تغضب عليهم
الإدارة الأمريكية وتصفهم بالإرهاب.
وكل
حقائق التاريخ تؤكد على عكس منطق الحكام العرب اليوم حيث أن التاريخ
يحدثنا أننا كأمة نهضنا نهضة شاملة باتباعنا لرسول الله صلى الله عليه
وسلم فصرنا خير أمة أخرجت للناس وانطلقت جيوشنا تحمل العدالة والحرية
والإيمان إلى شعوب العالم قاطبة شرقا وغربا فدخل الناس في دين الله
أفواجا. وكذلك تقول لنا حقائق التاريخ أنه في كل مرة ضعفت فيه الأمة
وتخاذلت أمام أعدائها كان هناك دوما نهوض بعد الكبوة بالرجوع إلى دين
الله عز وجل ورفع شعار "وا إسلاماه" من جديد؛ حدث هذا مع صلاح الدين في
وجه الصليبيين وحدث مع الأتراك العثمانيين والسلاجقة من قبلهم وحدث مع
المماليك في مواجهة التتار، ولكن يبدو أيضا أن حكامنا لا يقرؤون التاريخ
وربما لا يريدون أن يقرؤوه حتى لا يصنفوا أنفسهم مع المتخاذلين، وربما
قرؤوه ولكن اختاروا دور السلاطين المهازيل الذين فضلوا التعامل مع
المحتلين على الركون إلى أمتهم وتطلعاتها.
وكل حقائق الواقع أيضا الذي يستند إليه هؤلاء الحكام في تبرير تنازلاتهم
تؤكد عكس ما ذهبوا إليه، فإن إسرائيل التي لا تقهر في نظرهم قد أعجزها
أطفال الحجارة. أما عناصر المقاومة فقد أثبتت أن جنود الجيش الذي لا يقهر
ليسوا أكثر من وهم صنعه حكامنا بأنفسهم ثم صدقوه. ففي كل يوم يتساقط جنود
الاحتلال صرعى وفي كل المحاور، وأثبت المقاتل الفلسطيني حين يتسلح
بالإيمان أن كل تحصينات العدو تتهاوى أمام إرادته وها هي إسرائيل نفسها
تعي أكثر من أي وقت مضى أن لا إمكانية لقهر هذا الشعب. وها هي إسرائيل
بأشرس ما عندها وهو الجنرال الدموي شارون الذي وعد أن يقضى على الانتفاضة
خلال مائة يوم... ها هو يمر عام كامل على حكمه والمقاومة تتصاعد لتقضى
عليه كما قضت على سلفه. فكل حقائق الواقع ترينا أننا حين نتسلح بالإيمان
لا يقف في مواجهتنا إسرائيل ولا غيرها.
إن هؤلاء فيما يبدو يشغلهم المحافظة على الكرسي قبل أي شيء آخر، فالواحد
منهم يريد أن يبقى على كرسيه إلى أن يموت وهو لا يريد أن يزعج نفسه بأي
تفكير إيجابي في مصلحة الأمة، إنه يظن أن الفارق التكنولوجي بيننا وبين
الغرب لا يستطيع جسره في حياته وحتى إذا أراد فإن أمريكا وإسرائيل ستقف
له بالمرصاد فأهون الخيارات عنده وأصلحها أن يتفاهم مع أمريكا وإسرائيل
حتى لا تهدد هذا الكرسي. أما مستقبل الأمة ومصيرها فشيء آخر ليس من شأنه
التفكير فيه. ماذا سيكتب عنه التاريخ؟ لا يهم… وماذا سيقول لله غدا؟ أيضا
لا يهم…
إن التفكير في المستقبل يجب أن يكون من شأن هذه الشعوب نفسها لأنها هي
صاحبة المصلحة في التغيير، وإن قبول هذه الشعوب الاستسلام للأمر الواقع
أمر لا يتفق مع المنطق في شيء فلن يهبط التغيير عليهم من السماء بدون عمل
منهم، ولن يقبل حكامهم بالتغيير من أنفسهم إن لم تجبرهم هذه الشعوب على
التغيير "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
إن فارق التكنولوجيا بيننا وبين الغرب لا يمكن جسره في سنوات قليلة، ولكن
هذا لا يعني أن نقبل بالذل حتى نقلص هذا الفارق في الوقت الذي يسعى فيه
أعداؤنا إلى زيادة هذا الفارق لصالحهم. إن قوة الإيمان وإرادة الجهاد وحب
الشهادة تقلص الفارق إلى حد بعيد وكذلك فإن قوة الإيمان تدفعنا نحن إلى
الاجتهاد في تقليل الفارق التكنولوجي من خلال التركيز والجهد الدؤوب على
التكنولوجيا والعلوم بدلا من توافه الأمور.
إن الأمة العربية والإسلامية استيقظت على الفارق التكنولوجي بيننا وبين
الغرب في نفس الوقت وربما قبل اليابان ولكن معظم الذي ذهبوا لدراسة
العلوم والهندسة من أبنائنا رجعوا لنا بشهادات في المسرح والسينما
والموسيقى وما إلى ذلك ونسوا واجبهم الذي ذهبوا إليه لأنهم خرجوا بدون
عقيدة ولم يكن يحدوهم دافع الإيمان بربهم والحرص على مستقبل أمتهم فوقعوا
أسرى الانبهار بمتع الحياة الأوربية ونسوا الواجب الذي ذهبوا من أجله إلا
قليلا ممن رحم الله. ولا أزال أذكر قصة أستاذ جامعي مصري قصها على طلابه
حيث عمل مع زميل له ياباني في بريطانيا طيلة ستة أشهر عملا متواصلا تمكنا
خلاله من اكتشاف فيروس عكف على دراسته علماء بريطانيا ست سنوات ولم يصلوا
إلى شيء، قال ذلك الأستاذ إنه لم يكن يترك المختبر إلا ليذهب للنوم في
بيته أما زميله الياباني فقد اشترى فرشة من الإسفنج ووضعها في المختبر
حتى لا يضيع وقتا في الذهاب والإياب إلى البيت. بمثل هذه الروح نستطيع أن
نقلص فارق التكنولوجيا وهذه الإرادة إنما نستمدها من الإيمان الذي يَعتبر
اجتهادنا في هذه الأمور هو ضرب من ضروب الجهاد بل هو ألزمها لنا اليوم.
فالسهر والتعب والبحث والتنقيب هو جهاد المستقبل ورهان المستقبل وما لم
تقم شعوبنا وتحمل على عاتقها إصلاح حكامها ليفتحوا الباب على مصراعيه
للاجتهاد والبحث العلمي فإن لم يصلحوا فعليها أن تبادر بإبعادهم من طريق
نهضتها وإلا فإن المستقبل أمامهم مستقبل قاتم والعياذ بالله.
إن مصير الشعوب يجب ألا يتحكم فيه أصحاب المصالح الضيقة، والمسئولية تقع
على عاتق كل فرد في المجتمع في التغيير.
إن القمع الذي تمارسه الأنظمة ليس مبررا أمام الشعوب لإظهار خنوعها
ورضوخها للمهانة، ولولا أنها استكانت للذل والشهوات لما تمكن هؤلاء من
السيطرة عليها، وقديما قال الله عن فرعون وقومه "فاستخف قومه فأطاعوه
إنهم كانوا قوما فاسقين" الزخرف 54.
إن الأمة التي تحترم الممثلين والممثلات والمغنين والمغنيات أكثر مما
تحترم علماءها هي أمة بحاجة إلى تصحيح مفاهيمها حتى يصحح الله حالها.
وإذا ما قارنا ما يتقاضاه ممثل أو ممثلة مقابل تمثيل فيلم واحد سنجد أنه
أضعاف ما يتقاضاه أكبر أستاذ جامعي طيلة حياته، وإذا ظلت هذه المعادلة
كما هي فإن مستقبلنا لن يكون زاهيا جدا، يجب تغيير النفس في الشعوب لكي
تعلن لحكامها أنها لن ترضى بالظلم ولن ترضى بالفساد وحينها لن يجد الحكام
أمامهم إلا الرضوخ لإرادة الجماهير وسلوك طريق التغيير، أو أن تعصف بهم
ريح التغيير التي لا تبقي ولا تذر.
إن الصبر على آلام التغيير والعمل للمستقبل هو صبر عظيم دون شك ولكنه صبر
ممتع إذ فيه لذة الكفاح ومعنى الجهاد، والبديل لذلك هو صبر العاجز الذي
يسمع كل يوم في أخبار الصباح ما يجعل يومه ذلا ومهانة ويسمع أخبار المساء
ليبيت ليله ساخطا مقهورا من حالة العجز التي تردينا فيها.
ولا يقيم
على خسف يراد به
إلا
الأذلان عيرُ الحي والوتدُ
فذا على
الخسف مربوطا برمته
وذا
يُشجُّ فلا يَرثى له أحدُ
وويل لنا إن رضينا بالخسف وأقمنا عليه، حينها نستحق الاستبدال وصدق الله
العظيم حيث يقول: "وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم"
|