|
أرشيف مقالات المرشد العام |
عودة
|
|
|
|
|
ما يجري
في فلسطين ... يجري في كشمير
9/6/2002م
|
|
بقلم
:
فضيلة المرشد
العام لجماعة الإخوان المسلمين
الأستاذ
مصطفى مشهور
|
|
وكالات الأنباء ووسائل
الإعلام قالت منذ أيام قلائل أن الرئيس الأمريكي بوش دعا الأمريكيين
للاستعداد لعمل عسكري وقائي في إطار الحرب على الإرهاب .. وقال في خطاب
ألقاه في إحدى الأكاديميات العسكرية الأمريكية: "إننا سندفع هذا الخطر
الشرير عن بلدنا وعن العالم، ولن نقبل أنظمة ديكتاتورية مختلة قادرة على
تطوير أسلحة الدمار الشامل أو تقديمها لجماعات الإرهاب، ولا يمكن أن نضع
ثقتنا بأقوال طغاة يوقعون بوقار معاهدات حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل ثم
ينتهكونها بشكل منهجي، إن الأخطار لم تنته بعد .. وأمننا يقتضي تحلي جميع
الأمريكيين بالعزم، وعلينا أن ننقل المعركة إلى مواقع العدو، وتفكيك خططه،
ومواجهة التهديدات الأكثر رعبا".
وكالات الأنباء ووسائل
الإعلام التي نقلت الخطاب قالت إن الرئيس الأمريكي يقصد في تلويحه وتهديده
بالحرب أقطارا عربية وإسلامية، يسعى لنقل ترسانات الأسلحة الأمريكية إلى
ساحتها، تحت شعار الحرب على الإرهاب، وإزاحة الديكتاتوريات، والحيلولة
بينها وبين امتلاك أسلحة الدمار الشامل أو تقديمها لجماعات الإرهاب على حد
قوله..
وذلك يعني أن مسلسل
الحرب الأمريكية ضد أقطار العرب والمسلمين والذي بدأ بأفغانستان فأغرقها في
بحار من الدماء وأحال الأرض والديار إلى خرائب وأطلال، وسجل وما زال يسجل
آثاره التدميرية والتخريبية على ساحة فلسطين إبادة وقتلا وتشريدا، هو مسلسل
متواصل يتجه نحو التوسيع، ولا يدفع الثمن أكثر من فادح إلا الشعوب العربية
والإسلامية، ولا يجني الثمار إلا أعداء الإسلام وأعداء أمته.
والدعاوى والمزاعم
الأمريكية لا تختلف، فتحت شعار الحرب على الإرهاب تتعدد وتوجه الاتهامات
وتسير الجيوش إلى عالم العرب والمسلمين، ويجري دعم اليهود الغاصبين بأشد
أسلحة الدمار والهلاك الأمريكية ضد الشعب الفلسطيني الشقيق صاحب الأرض
والديار، كما يجري دعم روسيا في عدوانها الهمجي على أصحاب الأرض والديار في
الشيشان، ودعم الهند في احتلالها الغاشم لكشمير وتشريدها لشعبها المسلم،
وتحرشها العسكري ضد باكستان.
والموقف الأمريكي من
القضية الفلسطينية وانحيازه السافر ضد الحقوق الفلسطينية، يكرر نفسه في
انحيازه إلى جانب الهند ضد حقوق الشعب الكشميري الذي يرزح تحت نير الاحتلال
الهندي على مدى خمسة وخمسين عاما، فأهل كشمير الذين يطالبون بحقهم في
الاستقلال والحرية والأمن هم في المفهوم الأمريكي إرهابيون، يجب أن تقلم
أظافرهم، وأن يحرموا من أي وسيلة من وسائل الدفاع عن أنفسهم، ومن أي دعم أو
تعاطف من شعب باكستان المسلم أو من الشعوب العربية والإسلامية الأخرى.
أمريكا والقرارات الدولية
وأمريكا التي غضت
الطرف وتجاهلت كافة القرارات الصادرة من مجلس الأمن والأمم المتحدة لصالح
حقوق الشعب الفلسطيني .. تغض الطرف وتتجاهل أيضا كافة القرارات الصادرة عن
مجلس الأمن والأمم المتحدة تؤكد حق الشعب الكشميري في تقرير مصيره من خلال
استفتاء حر تحت إشراف جهة دولية محايدة .. وتصدر تصريحات مسئوليها تؤكد أن
من حق الهند أن تستخدم السلاح في قتل وترويع أبناء الشعب الكشميري، بحجة
مواجهة الإرهاب والدفاع عن النفس، كما أن من حق الهند أيضا أن تحشد جيوشها
ضد باكستان، لأن باكستان لم تنهض بواجبها في ملاحقة المجاهدين الكشميريين
وضبط حركتهم وتفكيك جماعاتهم وضرب بنيتهم لأنهم في عرف أمريكا إرهابيون
يهددون أمن وسلام الهند.
والملفت أن أمريكا
تطالب الرئيس الفلسطيني عرفات باعتبار أي مقاومة فلسطينية للاحتلال
الصهيوني أو أي أعمال استشهادية يدافع بها الفلسطينيون عن أنفسهم بأنفسهم
إرهابا ويطالبونه بالتصدي لهذه الأعمال الاستشهادية .. في حين أن جحافل
اليهود تحاصر المدن والقرى الفلسطينية، وتزاول أسوأ وأبشع أشكال الإرهاب ضد
الأشقاء الفلسطينيين العزل.
كما أنها لا تفتأ
تطالب الرئيس الباكستاني بالتصدي للمجاهدين الكشميريين وإسكات صوتهم
وحركتهم، وأن يتحلى بضبط النفس في مواجهة الهند، في الوقت الذي حشدت فيه
الهند الجيوش وأعلنت تحريك الأسطول لحصار باكستان بحريا، كما أعلنت عزمها
على توجيه حرب محدودة ضد باكستان، لأن صبرها قد نفذ، وأنها ترفض كافة
الوساطات.
إن قضية كشمير كأي
قضية من قضايا المسلمين هي قضية أرض إسلامية وشعب مسلم في نظر السياسة
الأمريكية يجب أن تخضع للتجزيء والتفكيك، وأن يحال بين أصحابها والحصول على
حقهم في الاستقلال والحرية، والتواصل والترابط مع باقي العالم العربي
والإسلامي.
والاستعمار الجديد مثل
الاستعمار القديم في لجوئه إلى التحايل والخداع لتضييع حقوق العرب
والمسلمين أو لجوئه إلى العنف والسلاح في نهب ومصادرة حقوق العرب والمسلمين
.. في 1917 صدر وعد بلفور بمنح اليهود وطنا قوميا في فلسطين ومنذ قيام دولة
لليهود الغاصبين سنة 1948 على أرض فلسطين حتى اليوم .. لم يتوان الاستعمار
القديم ثم الجديد عن تقديم الدعم لليهود لالتهام كل فلسطين، وتصفية القضية
وإغلاق الملف، ثم برز أسلوب المواجهة المسلحة مع العرب، والتهديد بشن
الحروب ضدهم، وإعطاء الضوء الأخضر لليهود ليجتاحوا الضفة وغزة، والتهديد
بتوجيه الضربات إلى العرب حول فلسطين.
نفس السياسة طبقها
الاستعمار الهندي ويطبقها في كشمير، حين أعلنت بريطانيا منح شبه القارة
الهندية الاستقلال وقيام دولتين مستقلتين فيها هما الهند وباكستان .. أعلن
أن الولايات ذات الأغلبية الهندوكية ستنضم إلى الهند وأن الولايات ذات
الأغلبية المسلمة ستنضم إلى الباكستان، وكان تلاعب بريطانيا وخداعها أكثر
من واضحين إزاء كشمير، حيث انحاز حاكم الولاية إلى الهند طالبا مناصرته ضد
رغبة شعبها المسلم الذي أعلن الانضمام إلى باكستان، وجاء الاجتياح العسكري
الهندي لكشمير ثم الإعلان الرسمي الهندي عن اعتبارها ولاية هندية، ليهدر
وسط غض الطرف البريطاني والغرب كافة قرارات مجلس الأمن بحق شعب كشمير في
استفتاء حر يقرر فيه مصيره بنفسه، ثم جاء النفوذ الأمريكي ليتولى دعم
الموقف الهندي واستخفافه بكل القرارات الدولية الصادرة لصالح الشعب المسلم
في كشمير، مع مواصلة الضغوط الأمريكية على باكستان لإسقاط قضية كشمير
وشعبها من حسابات السياسة الباكستانية، ثم تضاعفت الضغوط الأمريكية بعد رفع
أمريكا لشعار الحرب على الإرهاب، واعتبارها كافة الحركات الإسلامية
التحريرية حركات إرهابية انفصالية يجب التصدي لها وحصارها، وتفكيك بنيتها.
حقائق
وتساؤلات
إن
ثمة حقائق أكثر من هامة وخطيرة، صارت أكثر من واضحة وملموسة منها:
- أن الموقف الأمريكي
في انحيازه ضد حقوق العرب والمسلمين صار في عدائه أكثر من سافر، كما أنه في
عدائه نحى فيه جانبا القيم والمثل والعديد من شعارات الحرية التي كانت
تتغنى بها أمريكا في وقت من الأوقات، هذا الانحياز الأمريكي السافر ضد
العرب والمسلمين وحقوقهم يمكن أن نلمسه بوضوح في الموقف الأمريكي الذي يدعم
اليهود الغاصبين ضد العرب المغتصبة ديارهم والذي يضرب بقرارات المنظمات
الدولية عرض الحائط، وفي البيان الذي أصدره الرئيس الأمريكي والرئيس الروسي
في موسكو يؤكد دعم موسكو في مصادرة حق الشيشانيين في العيش في ديارهم
أحرارا، ونلمسه في الدعم الأمريكي والغربي لانفصال تيمور الشرقية عن وطنها
الأم إندونيسيا وحصولها على الاستقلال، لأن أغلبية مسيحية تقطن الأرض
والديار.
- أن أمريكا في
انحيازها ضد حقوق العرب والمسلمين ... تسعى لحرمانهم من التقدم العلمي
والتكنولوجي، من خلال حصار علمي أمريكي غربي على العرب والمسلمين، وفي إطار
ذلك يأتي أيضا الحرص الأمريكي على الحيلولة بين العرب والمسلمين، وتحقيق
تقدم على صعيد الأسلحة النووية، هذا في الوقت الذي دعمت فيه أمريكا الهند
في إنتاج قنبلتها الذرية وتغاضت عن ترسانة السلاح النووي اليهودي، بل وعقدت
أكثر من اتفاقية مع العدو الصهيوني .. في المجالات العلمية والتكنولوجية
والتسليحية .. وفي الوقت نفسه تتحين الفرص للقضاء على السلاح النووي
الباكستاني، لأنه أمر يزعج البيت الأبيض، وأصحاب القرار في أمريكا.
- أن أمريكا التي
أصدرت القوانين عبر الكونجرس تؤكد على حرية الممارسات الدينية والعقدية
للأقليات، وهددت بالتدخل في أكثر من دولة، بحجة حرمان أقليات فيها من
ممارسة شعائرهم، لم تحرك ساكنا إزاء مصادرة حق الأقليات المسلمة في
العبادة، وفي الأمن في أكثر من قطر ودولة من بينها الهند حيث يلقى المسلمون
أشد أنواع العنت والاضطهاد .. ومن بينها الصين، حيث يحشد المسلمون في
المعتقلات والسجون، ويعلقون على أعواد المشانق.
- أن الموقف الأمريكي
المعادي للعرب والمسلمين .. لا يقتصر في عدائه على الشعوب العربية
والإسلامية ولكن يمتد ليشمل الحكام، وفي ذلك يطال تهديد بوش في خطابه
الأخير في إحدى الأكاديميات العسكرية الأمريكية الديكتاتوريات العربية
والإسلامية، متهما إياها بالسعي لامتلاك أسلحة الدمار الشامل واحتمال
تسريبها لجماعات الإرهاب، وأنها من ثم تشكل خطرا على أمريكا والعالم يجب أن
يجتث .. ويحزم الأمريكيون أمرهم وقرارهم إزاءه.
إلا
أن هناك في نفس الوقت تساؤلات تطرح وتفرض نفسها:
إذا كانت السياسة
الأمريكية قد أفصحت عن انحيازها ضد العرب ومصالحهم، وصارت تقف موقفا معاديا
للحكام والشعوب، وتسعى لتغيير نظم حكم في المنطقة، أو الإطاحة بها كما أعلن
بوش في خطابه في الأكاديمية العسكرية، ترى لماذا لا يعيد حكامنا النظر في
سياستهم إزاء أمريكا ووضعها في موضع العدو الذي يتربص بهم، ويحيك لهم
المؤامرات، ويجهر بسعيه لإلحاق الضرر ببلادهم وفرض الحصار حولهم.
- وإذا كانت السياسة
الأمريكية تعادي وحدة العرب والمسلمين وتسعى لتجزئ أرضهم وكافة كياناتهم،
ترى لماذا يتوانى العرب والمسلمون في إعادة ترتيب البيت وتوحيد الصف،
وتجذير قواعد الوحدة وإصلاح ما بين الحكام والشعوب امتثالا لقوله سبحانه:
(إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ
فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء:92) وقوله تبارك وتعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ
اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا)(آل عمران: من الآية 103) أن وحدة الأمة
على أساس من إيمانها تمثل حاجزا أكثر من منيع .. يتصدى بفاعلية لكافة موجات
الغزو والعدوان ويحفظ للأوطان منعتها، ويجسد عزتها، ويوفر لها أسباب النصر
ويؤكد دورها الريادي العالمي، وصدق الله العظيم إذ يقول: (كُنْتُمْ خَيْرَ
أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)(آل عمران: من الآية110).
وإذا كانت الشعوب
العربية والإسلامية تملك طاقات الإيمان والجلد والصبر والمثابرة والتصميم
والإصرار، وإذا كانت أقطارهم تمتلك العديد من الثروات والموارد والإمكانات
الفاعلة، إضافة إلى العديد من العقول والأذهان المتفتحة، ترى لماذا لا يكون
السعي جادا لكسر الحصار العلمي والتكنولوجي الأمريكي والغربي المفروض على
العرب والمسلمين امتثالا لقول الرسول عليه الصلاة والسلام وهو يحض المسلمين
على العلم والتفوق فيه : "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة" .. "اطلبوا
العلم ولو كان في الصين".
- وإذا كانت أمريكا
تصر على الفصل بين قضايا العرب والمسلمين في التعامل مع أقطارهم وحكوماتهم،
وتنتهج سياسة واحدة محددة الأهداف والغايات إزاء العرب والمسلمين، ترى
لماذا لا تقف الحكومات من هذا التوجه الأمريكي موقف الرفض، مع حشد قدراتنا
وطاقاتنا لإفشاله، وتأكيد التعامل مع قضايا العرب والمسلمين كحزمة واحدة،
لها مرجعيتها الشرعية وتصورها الإسلامي على صعيد المعالجة والتعامل معها،
وبالتالى تنطلق حلولنا للأزمات والقضايا، من منطلق عربي إسلامي ورؤية
إسلامية، تضع مصالح العرب والمسلمين فوق المصالح الشخصية، والنظرة الخاصة
الضيقة؟..
- وإذا كان هذا هو
الموقف الأمريكي على حقيقته من قضايانا ووجودنا ألا يعتصر المرء الألم
ويطحنه الغضب وهو يرى الموقف العربي الإسلامي الرسمي من أمريكا لا يزال
يلتمس لها الأعذار، ويعلق عليها الآمال ويناشدها الحياد بين الغاصب المعتدي
والعرب والمسلمين المعتدى عليهم، أو الانصراف التام في قطر من الأقطار عما
يجرى في قطر آخر، من عدوان يوشك أن يتعرض له الجميع ؟...
لقد أبلى النظام
الحاكم في باكستان إلى أبعد الحدود في تلبية مطالب واشنطن، والانخراط في
حربها ضد أفغانستان وتجاوب إلى حد كبير مع المطالب الأمريكية إزاء الداخل
الباكستاني فأصدر قرارات بشأن المدارس الدينية، وقرارات في حق جماعات
إسلامية، وأعلن الحرب على اتجاهات دينية في باكستان، واليوم لا يجني إلا
الانحياز الأمريكي السافر إلى جانب الهند، ومواصلة الضغوط الأمريكية إزاء
باكستان؟..
وتبقى حالة الغياب
العربي والإسلامي عما يجري من مذابح في فلسطين وكشمير والشيشان، وغير ذلك
من أقطار إسلامية كثيرة ، مثيرة للألم والحزن .. كإثارتها للاستفهام
والتساؤل، فهي تتنافى مع ما هو مطلوب ومفروض على المسلمين في كافة الديار،
من مسارعة لنجدة الملهوف والمظلوم والمعتدى عليه والمغتصبة أرضه .. إنها
تتنافى مع روح التضامن والتعاطف وروابط وعلاقات الأخوة، وتناقض المسؤوليات
التي أوجبها الإسلام على الإنسان المسلم، والمجتمع المسلم والدولة المسلمة
والحاكم المسلم، وأكد عليها النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: "مثل
المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له
سائر الأعضاء بالحمى والسهر".
|