الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الشيخ مصطفى شارور

عودة

 

يحيا العدل؟!

 

الشيخ مصطفى شارور

 

المحاضر بجامعة الخليل – سجن النقب 

 

 

 فجأة وبعد العصر جاء اسم أبي زياد مشعل المرشح لرئاسة بلدية سلواد في قضاء رام الله ليٌنقل إلى سجن عوفر من سجن النقب الذي هو فيه الآن، مع أن العادة جرت أن يعلم السجين قبل ليلة ليتجهز للرحيل، وقد  سبق لهم أن نقلوه إلى عوفر قبل أقل من شهر وأقام هناك أقل من أسبوع وأعيد لينزل في قسمنا المرقوم بقسم "ج6"، وسعدنا به لكمال خلقه وعلمه وعقله، وعفة لسانه، وخدمته لإخوانه، وكذلك لوفور تجربته الحياتية إذ عمل بالإمارات العربية المتحدة في شركة للنفط لمدة زادت عن خمسة عشر عاما وكذلك عمل في دولة الكويت قبل الاجتياح العراقي لها في شهر آب من عام 1990 من القرن الماضي، وعاد ليستقر في أرض الوطن ملتمسا الرزق بفتح محال تجارية له في بلدته سواد.

 

وحدثنا عن تجربته مع زملاء له كلهم مدخنون إلا ثلاثة من اثنين وعشرين، وبقي يُذكر ويشجع هؤلاء حتى أقلع الجميع عن أسوأ عادة اجتماعية ابتلي بها البشر، وقد جاء هذا الكلام في سياق حديثنا مع شيخ المعتقلين في قسمنا أبي مالك -والذي ينوف عمره عن الستين عاما- عن الدخان ورحلته المرة والمريرة مع هذا اللعين، وإذ به يقول لنا عن نفسه بأنه كان مدمن تدخين حتى عام 1984، ووقتها دعا الله صادقا بأن يكرهه في الدخان، فيقول: شعرت بخروج شيء من جسمي حقيقة لا توهما، وفسرته بأنه الرغبة في الدخان، ومن وقتها وأنا لم أدع لسيجارة أن تمس شفتيّ بعد رحلة طويلة معه زادت عن الثلاثين سنة.

 

ويرى أبو مالك هذا أن العلاج الآن ينبغي أن يتوجه فيه إلى الصغار تنفيرا منه، وتحذيرا من شره حتى لا ينزلقوا فيما انزلق فيه الكبار، وما أشق تغيير عادة إنسان، إذ العادة للإنسان طبيعة ثانية.

ومن أخبار حرب البشرية الجديرة بالتسجيل على هذه العادة الاجتماعية السيئة أن دولة  بين الهند والصين أصدرت تشريعا يقضي بتحريم بيع الدخان في هذه الدولة تحت طائلة الغرامة الباهظة، فهو في حكم المخدرات يمنع زرعه وصنعه وبيعه وترويجه وشربه... فمتى يصحو المسلمون وهم أكبر سوق مستهلك لهذا الخبيث؟ وهنا في دولة إسرائيل بدأ العمل من الأول من شهر كانون الأول من العام المنصرم بفرض غرامة باهظة على من يبيع دخانا لقاصر، ومعروف أن مصطلح القاصر يشمل كل من هو دون سن الثمانية عشرة من عمره، والمبلغ المفروض يصل إلى ثلاثة عشر ألف شاقلا إلا مائة.

 

ونرجع لأبي معاذ الذي يصدق عليه قصة الحجاج مع سُليك بن السُلكة عندما عدى عاد من عُرب العشيرة فإذا بالعدل بالرعية من قبل الحاكم أن أخذ سُليك بجريرة أحد أفراد العشيرة، فجاء سليك إلى الحجاج وقال:  لقد حُلّق على اسمي، ومنعتُ عطائي، وهدمت داري، وأنا لا ذنب لي ولا جريرة، فيا حجاج أخذك لي بذنب غيري كبيرة لا صغيرة. فقال الحجاج هيهات.. هيهات، أما سمعت قول الشاعر:

 

جانيك من يجني عليك وربما                    يُعدي الصحاح مَبارك الجُرب

ولرُب مأخوذ بذنب عشيرة                     ونجا المقارِف صاحب الذنب

 

ولكن السليك يرد على الحجاج قائلا: ولكني سمعت الله يقول غير هذا على لسان يوسف عليه السلام عندما قالوا له اخوته "يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين، قال مَعاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون". فما كان من الحجاج إلا أن وقف عند حدود الله لما ذُكر بها، ودعا كاتبه يزيد بن مُسلِم وأملى عليها قائلا افكك لهذا عن اسمه وأعطه عطاءه وابن له داره، ومر مناديا ينادي في الأسواق بين الناس: أن صدق الله وكذب الشاعر.

 

وأبا معاذ هذا معتقل إداري، والذنب ما هو؟ لأنه من عرب عشرية خالد مشعل، وهاهم ينقلونه كابن القطة، من سجن لآخر، حتى لا يعرف أو يذوق طعم الاستقرار وإن كان في السجن، وتعيش بعد ذلك حقوق الإنسان التي سمعنا بالأمس القريب عن طرف منها في سجن غوانتنامو وأبي غريب، كإطفاء السجائر وهي مشتعلة في آذان المعتقلين، وتقييدهم بالسلاسل بالأيدي والأرجل مُقرنين، وإجبار المعتقل على تلطيخ جسمه بفضلاته  من العذِرة، ونقول بسخرية: "اللهم طَولَك زاد وزاد يا تمثال الحرية في بلاد العام سام".

 

والأوجع من كل خذا والأشد مرارة على نفوسنا نحن المعتقلين ما سمعته أذناي منسوبا لوزير خارجية أكبر دولة عربية أبو الغيط بأنه يثمن عاليا ما سيقدم عليه شارون من إفراج عن أقل من اثنين في المائة من المعتقلين الفلسطينيين والذين يزيد عددهم على ثمانية آلاف معتقل أمني غير الاعتقال المدني على خلفية عدم وجود تصريح في الدخول إلى مناطق الخط الأخضر.

 

والأنكى والأمر أن معظم الذين يفرج عنهم –وقد أفرج- هم من لون واحد، والكل منهم لم يتبقى له أو عليه إلا أياما معدودات "فواأساه على هيك زعامات خيخات"، فهذا كما قال:  المصطفى زمان الرويبضات، ولما قيل من الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه الحقير يتكلم في شأن العامة.. وصدقت العجايز عندما قالت: "في آخر الزمان تنصب الرجال الهَفيّة، وتَنفُق البنت الغازية، أي المتبرجة، وتُثمن الأرض المنسية".

 

ولا نقول في ختام مقالنا هذا إلا ما يرضي ربنا: واشوقاه لأحمدَ جبريلَ جديد يجدد الإفراج العزيز عن الأسرى والمعتقلين، كما حصل عام خمسة وثمانين من القرن الماضي، فاللهم نصرا لأوليائك، وإفراجا عاجلا قريبا عزيزا لهم من لدنك وحدك يا فارج الهم، ويا كاشف الغّم ، ويا مجيب دعوة المضطرين، ويا رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما ارحمنا وارحم أمهات المعتقلين وزوجاتهم وأبناءَهم وبناتهم، وآباءهم رحمة تغنيهم بها عن رحمة من سواك.