الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

إرشيف مقالات الأستاذ رأفت ناصيف

عودة

 

الأسرى يبنون الدولة النموذج

 

الأسير رأفت ناصيف

سجن النقب الصحراوي

  

إن كل متابع للشأن الفلسطيني والمشهد الراهن في الأرض الفلسطينية لاسيما بعد الانسحاب من قطاع غزة لا بد أنه يتوقف طويلا أمام تساؤلات تتكرر باستمرار وبأكثر من صيغة حول إمكانية نجاح الفلسطينيين بإدارة أنفسهم ورعاية شؤونهم بمفردهم دون أن يكون عليهم أية وصاية أو سيادة خارجية.

 

 هل يستطيع الفلسطينيون فعلا بناء مؤسسة قوية تشرف على كل مفردات حياتهم؟ ويمكنهم أن يؤسسوا دولتهم القوية الديمقراطية متجاوزين فصائلهم وتوجهاتهم المختلفة والمتنوعة الأيدولوجيا والمنهج السياسي وخلافاتهم هذه ومصالحهم الضيقة في صالح المصلحة العامة والأهداف الكبيرة المشتركة والتي تعود على عموم الشعب الفلسطيني بالخير؟

 

هل من إمكانية لالتقاء قوى الشعب الفلسطيني حول أسس وتفاهمات وبرامج تشكل ضمانة حقيقية لأي نظام فلسطيني يراد له النجاح والاستمرار؟

 

هذه التساؤلات المشروعة بجانب ما يشاهده المتابع للمشهد الفلسطيني على أرض الواقع حيث الهوة الواسعة بين القوى الوطنية الفلسطينية على اختلافاتها بالسياسات والمواقف والوسائل فضلا عن رؤيته ........مؤلمة محزنة في ذلك المشهد كالتي سادت فلسطين عشية  وعقب الانسحاب من القطاع وشدة التنافس بين هذه القوى على اختلافها على الأرض أحزنت وأدمعت القلوب قبل العيون.

 

يصل المتابع أمام كل ما سبق لدرجة قد توصله لفقدان الأمل وغسل الأيدي من أي إمكانية لنجاح الشعب الفلسطيني في قيادة المركب لبر الأمان وقدرته على إدارة أموره بتفصيلاتها وحاجاتها المعقدة والكثيرة وهذا استنتاج قد يكون بدر لمن يصل إليه وخاصة بعد عدم ترجمة ما تم ويتم خلال اللقاءات والتفاهمات التي تعقد بين الفلسطيني والفلسطيني كواقع على الأرض ، إلا أن هذه الرؤية الاستنتاجية التشاؤمية رغم أن لها ما يبررها وربما يدعمها إلا أنها رؤية لم ترى الصورة إلا من خلال زاوية واحدة زاوية السلبيات التي تحدث في الساحة دون البحث أو النظر في الزوايا الأخرى التي تعكس الصورة والمثالية لشعبنا العظيم، فهنالك العديد من المحطات والصور التي تثبت أن شعبنا قادر على قيادة نفسه وتسيير أموره دون أن يكون بحاجة لوصي عليه وما نجاحه في تحقيق استقلاليته وتحريره لجزء من أرضه إلا دلالة على ذلك وما أنا بصدده هنا هو تركيز الضوء باتجاه إحدى هذه الصور الإيجابية التي تؤكد هذه الحقيقية اختاري لهذه الصورة لأنني عشت في ظلالها عدة مرات وها أنا أعيش في ظلالها في أحلك الظروف وأرى قدرة أبناء شعبنا على إدارة كافة الأمور إنها الصورة التي أدعو إلى اعتمادها كنموذج مصغر لهدف كبير نسعى كشعب قوي للوصول إليه انه الدولة الفلسطينية المستقلة، هذه الصورة التي أقصدها هي صورة الدولة التي يؤسسها ويبنيها الأسرى في سجون ومعتقلات الاحتلال ومن خلالها يديرون كل شؤونهم بصورة راقية تشهد بكفاءة وقدرة أبناء شعبنا على القيادة والإدارة حتى في أصعب الظروف وفي ظل شح الإمكانيات إنها الدولة التي أدعو  لتكون نموذجاً يحتذى به لبناء دولتنا المستقلة المنشودة التي تقوم على البرنامج الواضح الأهداف من الوسائل المضبوطة بالقانون العادل الذي يطبق على الجميع دون استثناء، دولة تؤمن بوحدانية السلطة وتداول السلطة والتعددية السياسية وتحترم القانون انها الدولة التي أرضها مساحات من أرضنا المحتلة حولها الاحتلال لتكون سجنا لأبناء شعبنا أما مجتمعها فهم مجموعة من الأسرى الفلسطينيين والعرب الذين أسرهم الاحتلال لأنهم يسعون للانعتاق من هذا الاحتلال على اختلاف انتماءاتهم السياسية حيث الديمقراطية والعملية الانتخابية هي الحاكمة في المراتب لفرز الهيئات المسؤولة سواء على مستوى الفصائل أو على مستوى عموم الساحة الاعتقالية فكل فصيل يفرز هيئاته عبر الانتخابات الداخلية والتي بدورها تشكل المرجعية العامة للكل الاعتقالي. دولة لها نطاقها الذي يحكم كل تفصيلاتها فهي ذات برنامج متوافق عليه له أهدافه القريبة والبعيدة وله وسائل وآليات القرار متوافق عليها لا أحد يتجاوزها يتم فيها تداول المسؤوليات العامة والفرعية بناء على هذا النظام المتوافق عليه والذي يعتمد على النسبية بحيث كل فصيل يمثل في هذه الدولة بحسب نسبته بعد أن يحفظ لكل فصيل الحد الأدنى من المشاركة بمعزل عن النسبة حتي يصبح الجميع مشاركين في رسم السياسات واتخاذ القرارات وهذه الدولة التي أدعو لاتخاذها كنموذج للدولة المنشودة لا أدعي أنها وحدت الرؤيا السياسية لجميع الفصائل المشاركة وصهرتهم في رؤية واحدة ولا أدعي أنها حولت العلاقة بين الفصائل إلى علاقة خالية من الإشكالات والخلافات والمناكفات ولكن في المقابل دولة تحتكم للقانون والنظام المتوافق عليه عند حدوث أي إشكال بحيث يخضع فيه جميع أطراف أي إشكال لهذا القانون الذي يطبق على المخطئ ويقبل بحكمه الجميع إنها دولة لم تذهب بها قناعات القوى الذاتية ولكنها قامت على الأمور المجمع عليها بين القوى وتركت الهوامش للقوى للتعبير عن قناعاتها كما تشاء ما دامت لا تخل بالمصلحة العامة نعم انني أطرح الدولة التي يقيمها الأسرى داخل السجون والمعتقلات لتكون نموذجا يؤخذ له لأنه أثبت بالتجربة أن شعبنا قادر على تجاوز خلافاته مقابل تحقيق المصلحة العامة وأنه رغم خلافنا بالوسائل للوصول إلى هدفنا المنشود فإنه لا يقدح بصدقية الجميع في الوصول لهذا الهدف. ان هذا النموذج كمثل يحل كل الأمور التي يدور حولها النقاشات والحوارات وربما المناكفات بين القوى انه نموذج يؤكد أن الأساس الأول للنجاح هو التوافق على برنامج الحد الأدنى الذي تقدم فيه المصلحة العامة على المصالح الفئوية برنامج يحافظ عل الثوابت العامة ويحدد أهدافه العامة والمرحلية وفعاليات الوصول إليها. وانه النموذج الذي تتدوال في السلطة بكل يسر وسهولة دون معيقات ويرضى الجميع ويتم الاستلام والتسليم بكل رحابة صدر. انه النموذج الذي يحتكم فيه للقانون من النظام والحوار لحل أي إشكال أو خلاف بعيدا عن المظاهر الأخرى المسيئة لشعبنا. انه النموذج الذي تتجلى فيه الشراكة الحقيقية في إدارة الأمور بعيدا عن التفرد والتعصب وسيادة الأمر الواقع .إنها الدولة النموذج التي تعمل فيها الهيئات العامة للجميع دون استثناء وجميع مواطنوها متساويين في الحقوق والواجبات وقبل الختام يأتي إخراج هذا النموذج في الوقت الذي تستعر فيه المواجهة بين قوى شعبنا فقط لأحيي ذاكرة كل أبناء شعبنا وكل القوى ورموزها بأنه يمكنهم تعميم هذا النموذج وتطويره وإسقاطه على الساحة الكبيرة وانه يمكنهم أن يكونوا شركاء حقيقيون في البناء كما كانوا في التحرير ويمكنهم أن يديروا الجولات القادمة وأيديهم بأيد بعض وفي برنامج واضح الأهداف والوسائل والآليات والمراحل.

 

وهذا هو ما ينتظره شعبنا أولا وهذا ما يجب أن يراه العالم أجمع بأن شعبنا رغم السنوات العجاف التي مرت عليه والقهر والاحتلال والظلم الذي وقع عليه إلا أنه لم يفقد يوما القدرة على صناعة الحدث وإدارته وترتيب بيته وإدارته كذلك.