|
على مدار بضعة
أيام عاشت الحركة الأسيرة بكل أطيافها السياسية جوّاً محزونا لما شهدته
ساحة قطاعنا الصامد من خلاف بين أبناء الشعب الواحد الشركاء بالأمن
الموحد والدم الواحد والهدف المشترك، بين السلطة الفلسطينية وحركة
التحرير الوطني الفلسطيني فتح من جهة وبين حركة المقاومة الإسلامية حماس
من جهة أخرى ، ضبابة سوداء تمر بسماء الوطن الحبيب تولِّد في القلوب ألم
وأسى ولكنها لم تستطع أن تقتل الثقة لأن قوانا ومناضلينا ومجاهدينا أكبر
من كل الأمواج الهوجاء التي إن استطاعت بلحظة غفلة أن تجرهم قليلا فإنها
بالتأكيد لن تستطيع أن تفرقهم وهذا ما كان بحمد الله عز وجل.
ففي هذه اللحظات
المباركة التي كنت أجلس فيها أضع محاور لمقال حول أحداث القطاع وسبل
تطويقها ووضع الأسس الكفيلة بعدم تكرارها وفي هذه الساعة التي تجاوزت
الواحدة بعد منتصف الليل بقليل توقفت للحظات لتبادل الحديث حول ذات
الموضوع مع أحد الأخوة من قيادة فتح وعدم الرضا عما يجري والثناء على
خطوة الحركة الأسيرة الداعية إلى عدم السماح بانعكاس ما يجري على حياتنا
المشتركة وإصرارنا على ترسيخ هذه الحياة الوحدوية التي نحياها داخل
الأسر، وما هي إلا لحظات حتى جاء أحد الأخوة إلينا بنبأ الاتفاق الذي
توصلت إليه حركتا حماس وفتح فتوجهنا لنستمع معا وفي خيمة الأخوة في فتح
إلى المؤتمر الصحفي الذي عقده الأخوان نزار ريان وسفيان أبو زايده والذي
ما أن انتهى حتى عم التصفيق أوساط الأسرى المستمعين وفي هذه اللحظات
استشعرت حجم الكابوس الذي كان على صدورنا وبتفكيرنا وعشت هذه الفرحة التي
غمرتنا فانطلقت عائدا إلى قلمي لأخط عنوانا جديدا لأكتب فيه وإذا بالقلم
يكتب لا بديل عن وحدتنا ولكن الآن وبعد أن زالت هذه الغمة هل يجوز لنا
بأن نقلب الصفحة دون أن نضع أيدينا على الأسباب التي جعلتنا نقع فريسة
لهذا الدرس القاسي والذي دفعنا فيه ثمنا باهظا من دماء أبناء شعبنا ودون
أن نضع الأسس الكفيلة لحمايتنا من أن نقع مما وقعنا فيه مرة أخرى ولعل
الوقوف عن هذا يحتاج إلى درجة عالية من الموضوعية والشفافية وتقديم ما
يحقق المصلحة العامة على المصالح الخاصة لأنه بدون ذلك لن نستطيع أن نضع
العلاج للخلل الذي يوصلنا للخلاف والاقتتال الذي لا تحمد عقباه وكما يقال
لا تسلم الجرة كل مرة.
ومن أجل ذلك لا
بد أن يتحلى الجميع بالجرأة اللازمة للوصول إلى الحسم المطلوب باتجاه
كافة المسائل الخلافية والتي طالما استخدمت وتستخدم لتبرير هذا الموقف أو
ذاك وأبرز هذه القضايا المطلوب حسمها أن نصل إلى تحديد واضح مفصل لا لبس
فيه لمفهوم الشراكة السياسية بين مختلف القوى الفلسطينية لأنها شراكة
تقوم على إيجاد المؤسسة الجامعة المعبرة عن هذه الشراكة والتي تعكس
الواقع الفلسطيني الحالي بعيدا عن التفرد والاحتواء وإنما تقوم على
برنامج سياسي واضح يشترك الجميع في رسمه ووضع الخطوط العريضة والعمل على
تحقيقه معا وفق آليات متوافق عليها بين الجميع ووفق أولويات معتمدة لا
لبس فيها خاضعة لحساب المصلحة الوطنية والمصلحة الوطنية فقط دون أي
اعتبارات خارجية أو فئوية لأي كان وأن نصل إلى قناعة بأن سيادة القانون
وهيبة السلطة والتعددية السياسية والسلاح الشرعي كلها مفاهيم تحتاج إلى
تأسيس صلب تنطلق منها وهو أن تنطلق من الرؤيا الواضحة لآلية ترتيب البيت
الفلسطيني الداخلي فلا بد للقانون الفلسطيني من مؤسسة قضائية مستقلة ذات
صلاحيات تؤهلها للقيام بمهامها بعيدة عن أي تدخلات أو ضغوط وقادرة على
ضمان سلامتها وحماية ذاتها وقراراتها مؤسسة تحتكم إلى الحيادية مع الجميع
وجعل الجميع أيا كانت مواقفهم أو مسمياتهم أو مستوى نفوذهم هم تحت
القانون الذي يطبق على الجميع والسلطة تقوم بوظيفتها على أكمل وجه كل
همها حماية شعبها وتحقيق الرفاهية والرقي له وتلبية حماية شعبها وتحقيق
احتياجاته ورفع الظلم والاستغلال عنه، سلطة ليس عندها مواطن درجة أولى
وآخر ثانية مؤسساتها ملك جميع أبناء الشعب مفتوحة أمامهم لتحقيق مصالحهم
التوظيفية والخدماتية على السواء، سلطة كهذه لا بد وأن تفرض نفسها
وهيبتها واحترامها على كل مواطن وعندها ستكون التعددية السياسية وتداول
السلطة هو الوسيلة الفاعلة سهلة التطبيق ولن يكون هناك حاجة سوى لسلاح
هذه السلطة التي تقف على الحدود لتدافع عن شعبها وتمنع أي عدوان عليه
ويتصدى لأي محاولة تمس كرامته وسيادته على أرضه أو حقوقه، سلاح يتبع
المؤسسة لتخدم الجميع وتتكون من الجميع وبحجم المشروع الوطني الذي يحدده
البرنامج السياسي المتوافق عليه بين كل قوى الشعب وعندها أيضا ستكون
المحصلة سلطة واحدة موحدة على برنامج وغير مشتتة المحاور حسب الأهواء
والمصالح، وحتى نصل إلى هذه الصورة المطلوبة فلا بد أن نلتزم جميعا مما
تم التوصل إليه من تفاهمات في القاهرة والأخذ بها كرزمة واحدة سواء فيما
يتعلق منها بالشأن المتعلق بالبيت الفلسطيني الداخلي بإعادة بناؤه وهيكلة
المؤسسات الفلسطينية وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية والتهيئة
لتعددية سياسية حقيقية ناجمة عن العملية الانتخابية المقررة بجانب الحفاظ
على مشروعية المقاومة وحق شعبنا في الدفاع عن نفسه وبالتوازي مع الالتزام
بالتهدئة المقررة والالتزام بأن لا تكون أحادية وحق قوى المقاومة بالرد
على الخروقات الاحتلالية، وإذا كانت مسألة الآليات ليس في موضع توافق
سواء آليات وتوقيت العمل المقاوم أو مستوى التعاطي السياسي مع الطروحات
والمبادرات وضبطها وجعلها في سياق الخطوط العامة المحققة للتوافق الوطني
القائم على الثوابت الفلسطينية ويحافظ على حقوقنا المشروعة.
وختاما فإن
اللجوء إلى الحوار الجدي للوصول إلى توافق حول أي قضية تبرز كقضية خلافية
أثناء المسير هو الوسيلة الوحيدة للحفاظ على الوحدة وكذلك عدم السماح لأي
قضية خلافية أن تصبح مادة استغلالية في الإعلام أو من قبل من لا يروق
لهم التفاهم الفلسطيني الفلسطيني وهؤلاء يجب أن يكونوا محط انتقاد بل
مواجهة من الجميع الحريصين على الوحدة.
|