|
فوز حماس في التشريعي.. قراءة في الأسباب والمهام
المستقبلية
د. حسن محمد أبو
حشيش/ صحفي وكاتب فلسطيني
مارس الشعب
الفلسطيني في القدس والضفة وقطاع غزة يوم الأربعاء 25-1-2006م، أهم عملية
انتخابية عاشها حيث تم اختيار ممثليه في المجلس التشريعي.
لقد تابعت بدقة
كافية مجريات الدعاية الانتخابية وأدواتها، وخطابها، وأساليبها، وعشتُ
قلقاً كجميع المراقبين يوم الاقتراع ليس على من يفوز ومن لا يفوز بالقدر
الذي هو: هل ننجح في إتمام هذه العملية وسط كتلة مزعجة من التكهنات
والمراهنات بل ومن الدسائس والتوترات الممنهجة وغير الممنهجة؟!
لقد تمكنا جميعاً
كشعب فلسطيني أن ننظم عملية ديمقراطية شورية نظيفة وسط تنافس حر سياسي
وفكري من حقنا أن نفتخر به أمام العالم كله، الذي يمارس ويتشدق بالحضارة
والديمقراطية والحريات.
نتائج الانتخابات
لقد أفرزت هذه
النتائج جملة من النتائج من أبرزها:
1. قدرة الشعب
الفلسطيني على الإدارة السليمة، والتنظيم الدقيق، وقبول الآخر، الأمر
الذي لمسناه جيداً في الإصرار على تنظيم الانتخابات وحسن إدارتها.
2. قوة أداء لجنة
الانتخابات المركزية وشفافيتها، وصمودها أمام أي محاولة ابتزاز أو تجبير،
الشيء الذي كان من أهم عوامل تهدئة العملية وجعلها تمر بسلام. لذا أعتقد
أن هذه اللجنة تستحق التكريم والشكر والتقدير من الجميع بشكل يظهر
حضارتنا، ويضع أساساً صحيحاً للعمل الجيد السليم في كل قطاعات الحياة.
3. حجم المشاركة
السياسية الواسعة للأحزاب والفصائل والشخصيات، وكذلك حجم المشاركة
الشعبية الواسعة في ممارسة حق الاقتراع والاختيار مما يؤشر على عمق الوعي
السياسي لدى الفلسطينيين، وإشارة مهمة من إشارات الحياة السياسية
الفلسطينية المبنية على الإدراك والوعي والفهم للواجبات والحقوق.
4. فشل كل
التدخلات الأجنبية التي مارستها إسرائيل والاتحاد الأوروبي
والإدارة الأمريكية من حيث العراقيل، وحملات الاعتقال، وسياسة التهديد
والوعيد، وممارسة ضغوط عاطفية أخذت شكل مقايضات علنية ومساومات: إمّا
الدعم والتأييد المالي والسياسي والأمني أو انتخاب حماس وأنصارها، الشيء
الذي يجب أن نتعلمه وندركه في مرات لاحقة على اعتبار أن هذه أساليب
مستمرة ولا تنقطع طالما وُجد الاحتلال والاحتكار والاستبداد.
5. الأثر العكسي
والسلبي لحملة التشويه والحرب الإعلامية القذرة، والحرب النفسية السيئة
التي شنها البعض على حركة حماس والتي تجلت في البيانات المدسوسة، وقلب
الحقائق، واختلاق قصص وهمية وخيالية، وإصدار الصحف الخاصة دون تحديد جهة
الإصدار... ولقد قلتُ في مقالتي السابقة أن هذا الأسلوب عديم القيم
والأخلاق... سينقلب على صاحبه ولن يجدي نفعاً... ولكنني أطالب بعدم
المسامحة أمام هذه الخسة التي طالت سمعة الأشخاص والعائلات وخواص حياتهم،
وأشدد على زيادة الوعي، والمحاسبة... لوقف هذه المهاترات التي لولا حكمة
الحكماء لأدخلت الشعب الفلسطيني في دوامة من العراك والحرب الفعلية
والإعلامية. وإنني كمراقب وإعلامي لم أتوقع أن تصل الأمور إلى هذا الحد
لدى البعض في التعامل لأنها تعدت كل الأعراف.
6. الاستمرار في
تغيير الخارطة السياسية حيث جاءت النتائج لتؤكد استمرار صعود حركة حماس
الذي بدأ يظهر بوضوح في البلديات، وذلك بحصولها على الغالبية من أعضاء
التشريعي ليصل عددهم إلى تسعة وسبعين عضواً، كما أكدت النتائج تراجع
الحزب الحاكم على مدار السنين الطويلة الماضية، وكذلك أكدت ضعف اليسار
الفلسطيني حيث بات منهكاً فكرياً وميدانياً.
7. التأكيد
مجدداً على فشل استطلاعات الرأي التي أزكمت الأنوف وأصمت الآذان، وملأت
الأجواء ضجيجاً، وكانت من عوامل الإرباك والتوتر النفسي والميداني
والإعلامي، ويعود هذا الفشل إلى سوء إعداد الاستمارات، وخطأ في اختيار
شرائح المجتمع المختلفة وخطأ في تفريغ النتائج... كذلك إلى سوء النية في
الاختيار والإعداد والتفريغ. رغم أن هناك استطلاعات لأول مرة تتقارب حماس
وفتح في نتائجها. إلّا أن جميع الاستطلاعات التي تم إجراؤها على مستوى
الوطن لم تفلح في الاقتراب من النتيجة وإن كان استطلاع بيرزيت أقلها
بعداً عن الواقع. وهذا يتطلب إعادة النظر في أداء الهيئات التي تجري هذه
الاستطلاعات إن أرادت أن تقنع الرأي العام بحياديتها ومهنيتها.
أمام كل ما سبق
فإنني أُجزم أن ما حدث هو أمر كبير ومهم على كافة الصعد، نقلنا من مرحلة
إلى أخرى، ومن فكر وسلوك إلى آخر، مما يدفعنا إلى الوقوف أمام الأسباب
الحقيقية التي قد تكون وراء وضع القوى والأحزاب في الساحة الفلسطينية.
أسباب تراجع "فتح"
قبل الولوج بوضوح
في أسباب تراجع حركة "فتح"
نقول أن فتح مارست العمل السيادي، وقدمت وناضلت، وحققت إنجازات وإخفاقات،
وحين نتكلم عن السلبيات بالتأكيد لا ننفي إطلاقاً ما أنجزته فتح على مدار
أربعين عامً. ومن أبرز الأسباب التي أعتقد أنها جعلت فتح تتراجع ما يلي:
1. غياب الناظم
الفكري للحركة حيث أن فتح لا تستند إلى قواعد فكرية وفلسفية، والذي يحكم
العلاقات التنظيمية هو أنظمة إدارية بحته، وجدناها تعطلت مع استمرار
الاهتزازات التي تعرضت لها فتح، مما أثر على طبيعة بنية الأفراد لديها
فوجدنا فيها الإسلامي، والوطني، والشيوعي، والقومي... وكل له منطلقاته
الخاصة التي يعبر عن مواقفه من خلالها، ولم نجد وحدة في الفهم والمنطلق
الفكري.
2. غياب المؤسسة
الدستورية كاملة الفهم والمعنى، والاعتماد الأساسي على الولاء للشخص
والقائد أكثر من الولاء للتنظيم، من هنا وجدنا شرائح فتحاوية ولاؤها
للرئيس الراحل عرفات، أو لأبي إياد، أو لأبي جهاد، أو... واستمر هذا
التعزيز حتى وصل إلى وجود تشكيلات عسكرية تحمل نفس اسم كتائب الأقصى، كل
واحد من هذه التشكيلات يتبع لزعيم سياسي، أو قائد جهاز أمن معين.
3. التناقض بين
البرامج الفتحاوية المعلنة ففريق يعلن خياره التفاوض فقط، وآخر يعلن
المقاومة المسلحة خياره فقط، وثالث ينادي بالمزاوجة، فوجدنا وزير فتحاوي
محدد أو حتى رئيس السلطة نفسه يقف أمام الإعلام ليعلن أن العملية المسلحة
التي نفذها شاب مقاتل من فتح هي (إرهابية) ولا تخدم مصلحة الشعب
الفلسطيني، فكيف سيثق هذا المقاتل الذي يحمل روحه على أكفه بذلك الزعيم
الذي يذمه ويستنكر عمله، فبات الشعب لا يعرف نهجا موحدا لحركة فتح في
السنوات الأخيرة.
4-استفراد حركة
فتح بتوقيع اتفاقيات سيئة تحت شعار (هذا أقصي المكن)،
وبالتالي تحويل هذه الاتفاقيات إلي مشاريع
شخصية، وربحية لا تمت بصلة لفتح، ولا للسلطة، ولا للشعب، ولا لفلسطين.
5- فشل فتح في
إدارة السلطة وعجزها عن وقف الفساد والمفسدين الذين يعتبرون من ابرز
قادتها ورموزها، فلقد حول جزء من قادة فتح باسمها السلطة إلى مرتع للفساد
السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي... وذاق الشعب مرارة هذا الفساد
وسط تدهور في أحواله. المختلفة.
6- فتح ظلمت
ومارست كافة أصناف الظلم على جزء غير يسير من أبنائها، وعلى أبناء
الفصائل وخاصة حماس، وفتحت السجون، ومارست أقسى أنواع العذاب على الشعب.
ونواميس الكون الربانية تتعارض مع هذا الأمر حيث حددت أن الظالم مصيره
إلى تراجع وزوال.
أسباب تقدم حماس
وقبل الولوج في
توضيح أسباب تقدم حماس في المجلس التشريعي والبلديات فإننا نؤكد على أن
حماس حركة غير ملائكية تجتهد وتعمل وتسدد وتقارب وتصيب وتخطئ، ولكن
إنجازاتها وبذلها أكبر بكثير من أخطائها التي تأتي من سلوكيات فردية غير
منهجية. ومن أبرز عوامل تقدمها ونجاحها ما يلي:
1- تعتبر حماس
حركة فكرية، لها أدبياتها ومناهجها ومرجعياتها المستمدة من الإسلام،
وتحتكم في كل تحركاتها لهذه الأدبيات التي تشكل المنطلق والفلسفة والناظم
والمتحكم في قراراتها المرحلية والإستراتيجية.
2- الواقع
والتجربة أثبتت أن حماس تنظيم شوري ومؤسساتي لا يرتبط بأشخاص مهما كانوا
أقوياء ولهم نفوذ، ولا يوجد الرجل الأوحد والقرار الوحيد، بل اتضح أنها
تملك هياكل إدارية وتنظيمية تنظم وتضبط حركة وممارسة القادة والأفراد
وتوضح طبيعة العلاقة مع الدول والهيئات والأحزاب، الأمر لمسناه حين غاب
عنها خيرة قادتها ومؤسسيها كالشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز
الرنتيسي وغيرهم على صعيدي السياسة والمقاومة المسلحة. وجدناها أكثر
التحاما ووحدة ووضوحا.
3- شكلت حماس
امتدادا طبيعيا لجهود الحركة الإسلامية الآم (الإخوان المسلمون) منذ أكثر
من سنتين عاما فهي لم تخرج علينا فجأة، ولم يكن 14-12-1987م سوى يافطة
ولافته جديدة، وإعادة صياغة الأمور والمواقف والسلوكيات بناء على مقتضيات
المصلحة العامة، وكتطور طبيعي لعمل وزرع عقود طويلة، لذا وجدناها تتعرض
لمحاولات وضربات قاضية سواء في سجون الاحتلال أو سجون السلطة، أو
الاغتيالات أو الإبعاد إلى مرج الزهور... ولكنها كانت تخرج كل مرة من
أزمتها أشد وأصلب وأقوى عودا، وأكثر إصرارا.
4- إتباعها نهج
الصبر والحوار والكتمان في التعامل مع سياسة السلطة ضدها فلم تتخذ قرارا
بالصدام أو بالرد على الإساءة التي وصلت إلى فتح السجون للآلاف من
قادتها وشبابها، وضرب وتعذيب وحلق لحى قادتها، وفرض الإقامة الجبرية على
إمامها وقائدها الشيخ المجاهد احمد ياسين بل وفي مرات عدة تسليم بعض
خلاياها العسكرية بشكل غير مباشر للاحتلال كما حدث مع خلية
"صوريف"
التي كانت محتجزة في إحدى سجون السلطة بالضفة الغربية.
5- حسن أدائها
المؤسساتي والخدمي حيث تمكنت حماس من النجاح في إدارة عشرات المؤسسات
التعليمية والاجتماعية والرياضية والطبية والتي تمكنت من تقديم الخدمات
لشرائح كبيرة من الشعب الفلسطيني كما أنها نجحت في إدارة الكثير من
اتحادات الطلبة
والنقابات وقدمت نموذجا حيا ومباشرا على نظافة اليد، وحسن الإدارة.
6- قوة أدائها
العسكري، ونجاحها في خلق حالات من توازن الرعب من خلال العمليات
الاستشهادية الكبرى أو تطوير الصواريخ، وتصديها للاجتياح المتكرر، وفي
نفس الوقت إجادتها لفن إدارة الصراع من خلال التهدئة في أوقات والتصعيد
في أوقات أخرى وصبرها على ذلك.
ما
هو المطلوب من "حماس"
لا اعتقد أن
النسبة الكبيرة التي حققتها حماس في المجلس التشريعي تترك مجالا للاجتهاد
حول هل تشكل حماس الحكومة أم لا؟ لقد بينت هذه النسبة العالية مدى تعلق
الجماهير بحماس ورغبتها في إحداث تغيير، الأمر الذي تعظم معه مسئوليات
هذه الحركة وتثقل مهامها.
وإنني كمراقب
أنظر للأمر وكأنه حملا كبيرا من الهم والمسئولية، ولكن لا مناص ولا فرار
من التصدي له، وان كانت الحنكة السياسية التي بانت فيها مؤخرا حماس
مطلوبة في أي وقت فإنها اليوم أكثر إلزاما، واعتقد بضرورتها الدينية
والبشرية، فحماس على مفترق طرق إما أن تحقق نجاحا وتقنع الرأي العام
بأدائها، أو تحقق فشلا وهذا له مردود سئ ليس عليها فحسب بل على الجميع،
ومن هنا أجد من واجبي الوطني أن أوجه مجموعة من النصائح العلنية لحركة
حماس مساهمة مني كإعلامي ومراقب للمشاركة بهذا الحدث الكبير،
داعيا جميع المحللين والإعلاميين أن يقدموا النصح والإرشاد والرأي في هذا
المفترق المهم والثقيل على القضية الفلسطينية.
1- مطلوب من حماس
أن تكثف لقاءاتها واتصالاتها مع كافة الأطراف المحلية والعربية والدولية
وبث الطمأنينة في نفوس الجماهير،
وأعتقد أنها بدأت في ذلك ويأتي مطلبنا هذا تعزيزا وتوثيقا للأمر.
2- على جميع
أنصار حماس أن يدركوا أهمية المرحلة ويتواضعوا مزيدا أمام هذا الفوز الذي
يجعلهم خداما للشعب والقضية لا حكاما عليه،
وأن هذا الأمر يشكل أمانه سيحاسبهم عليها الله ثم الناس والتاريخ فعليهم
زيادة ضبط سلوكهم وأقوالهم ونظراتهم تجاه غيرهم.
3- من الضروري أن
تدرس حماس تجربة فتح على مدى أربعين عاما وتحدد جملة الأخطاء والسلبيات
والايجابيات والاستفادة منها بشكل كبير في الفكر والسلوك والأداء.
4- نؤكد على
الشراكة بدلا من الاستفراد وان كانت موازين القوى داخل المجلس التشريعي
لا تشجع على ذلك، إلا أنني أقول إن
حكومة متخصصة تعتمد على الكفاءة والرجل المناسب في المكان المناسب مهما
كان الانتماء والحزب باتت مؤكدة وضرورة اليوم، ولتبحث حماس عن الرجال
الأكفاء وذوي الأيادي البيضاء وهم كثر ومتواجدين في صفوف كل التنظيمات،
ونحتاج لحنكة في اختيار الملفات الوزارية بما يحقق المصلحة العامة،
وعلينا الإدراك أن هناك الكثير من المتربصين ينتظرون فشل حماس في الريادة
والحكم والشراكة.
5- إن الموضوع
السياسي والعلاقة مع الاحتلال فيما يخص الشأن اليومي الخدمي، ومع الاتحاد
الأوروبي والدول المانحة... من الأمور الغامضة لدى الشعب ومن المداخل
التي يدخل الكثير ممن لا يرغبون لحماس السيادة والريادة إلى نقدها
والهجوم عليها، ولقد سمعنا كلاما واضحا في أحيان وغير ذلك في أخرى، لذا
أرى من المهم حسم الأمر وطمأنة وإقناع الناس لأن المصلحة هي خدمة
الجماهير وتحقيق تطلعاتهم.
6- يجب أن تركز
حماس في خطابها الجماهيري على صعوبة الأمر، ومرحلية الانجازات، وكثرة
الصعوبات، لأن العديد من الناس يعتقدوا أن الحل السحري جاهز، وحتى لا
تكون صدمة، فعلى حماس أن تثقف الجماهير أنها ستبدأ بالتغيير فورا ولكن
الأمر يحتاج وقت حتى يلمس المواطن هذا التغيير.
أخيرا نقول
للجميع علينا التسلح بالوعي والإدراك بأهمية المرحلة، وأن جزء كبيرا من
المسئولية علينا، ومهما كان القائمون على الأمر مخلصين وجادين في الإصلاح
فإن مساعدتنا لهم مهمة جدا ومن عوامل النجاح.
في محصلة الأمر
نجحنا جميعا في نهجنا الديمقراطي والتعددي وسننجح جميعا حين الوقوف وراء
من فاز ويريد مصلحتنا وعلينا جميعا دراسة أسباب الإخفاق والتقدم بعقلانية
وهدوء حتى تتم الفائدة ويكون الرابح الأول هو الشعب وفلسطين... وألف
مبروك لنجاح الممارسة الديمقراطية والشورية.
|