|
نقاش
صريح لمنتقدي العمليات الاستشهادية
شمس
العمليات الاستشهادية لا يغطيها غربال النداءات الغريبة ذات التمويل
المشبوه
مؤمن بسيسو
من جديد، تطفو
على ساحة الأحداث الملبدة بالوقائع الساخنة والتنازلات الجسام، نداءات
ومناشدات، ذات تمويل غربي مشبوه، تتخذ من صفحات الصحف ووسائل الإعلام
منبرا لترويج أفكارها وتسويق تصوراتها، التي تتمحور حول إدانة العمليات
الاستشهادية، ورمي أصحابها والداعين لها بالجهالة السياسية وضرب المصالح
الوطنية، وما لذّ وطاب من اتهامات ممجوجة وانتقادات مكرورة، أضحى وهنها
وتهافتها مثار سأم واستخفاف الغالبية الساحقة من المواطنين الفلسطينيين،
بحيث بات أمر تداولها ينحصر – فحسب- في إطار النخبة وأروقة الساسة
والمثقفين ، دون أن تترك مثل هذه النداءات أدنى أثر على المواطن
الفلسطيني البسيط ، الذي تسحق آلة الحرب الصهيونية الشرسة عظامه، ويسرق
الحصار الظالم قوت أطفاله، وسط إصرار عجيب وعزم رائع على استمرار
المقاومة والصمود الأسطوري مهما بلغت التضحيات.
ولعل أخطر
السقطات التي انزلق إليها أصحاب النداءات والمناشدات، ما كان من تزامن
نشرها وإطلاقها على وقع الموجة الجديدة من الحرب الصهيونية الشاملة، التي
صبت حممها وجام حقدها لتطال مختلف مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية، فكانت
نداءاتهم بالغة السوء في توقيتها، وبدت أشبه ما تكون بالجائزة "الكريمة"
والمكافأة "الأصيلة" للهجمة الصهيونية الجديدة، أو الانهزام النفسي
والاستسلام الداخلي والإفلاس الفكري أمام سطوة وبطش الاحتلال على أقل
تقدير.
المنتقدون .. فئة هامشية وأهداف خبيثة
بقراءة سريعة
لمضمون تلك النداءات والمناشدات، ومطالعة لأسماء الموقعين عليها، وبقليل
من الفهم والذكاء، يمكن الخروج بالاستنتاجات السريعة التالية:
أولا :
أن أيّا من
الموقعين لم يتذوق مرارة القمع الصهيوني، أو يتحسّس بنفسه ثقل وآلام
وضخامة الجرائم الصهيونية المرتكبة، أو يرى آثارها ونتائجها وتطبيقاتها
في نفسه وأهله وعمله وبيته، فهم – عمليا – خارج دائرة الاستهداف الصهيوني
المباشر، ويتحركون بعيداً عن وهج ونيران المعاناة الهائلة التي تدكّ
المواطنين الفلسطينيين، مما يحررهم من أية مصداقية فعلية، ويفقد نداءاتهم
قيمة التماس المباشر والمعايشة المطلوبة مع آلام ومعاناة المواطنين،
ويجعل منها " فانتازيا فكرية " وترفا فلسفيا لا مبرر له في نظر الغالبية
الساحقة من الفلسطينيين، الذين ينامون ويستيقظون ويتوقفون ويتحركون
ويأكلون ويشربون، على وقع مشاهد الموت والخراب والدمار، التي يزرعها
الصهاينة في حياتهم. لذا فإن موضوعة العمليات الاستشهادية، ومحاولات
البعض إثارتها جماهيريا وتأليب الرأي العام الفلسطيني الداخلي ضدها، لا
تحتل ذيل قائمة الأولويات الخاصة بالشارع الفلسطيني فحسب، بل نكاد نجزم
بأنها لا تعنيه على الإطلاق.
ثانيا :
أن عددا كبيرا من
الموقعين على هذه النداءات ينحدرون من أصول فكرية يسارية، أو ينتمون إلى
أحزاب يسارية فلسطينية لا تؤمن – أصلا – بأحقية الفلسطينيين في استعادة
فلسطين المحتلة عام 48م ، وبالتالي ممارسة أشكال الكفاح الفاعلة
والمطلوبة لتحريرها، بل إن الجزء الأكبر من هؤلاء لا يؤمنون – أصلا –
بضرورة المقاومة المسلحة العنيفة للاحتلال الصهيوني، حتى في المناطق التي
احتلت عام 67م ، وتتبلور أفكارهم وسياساتهم وبرامجهم على أساس المقاومة
السلمية أو الانتفاضة الجماهيرية غير العنيفة، التي لا تخرج عن نطاق
الحجر والمقلاع، بزعم الرغبة في كسب واستدرار عطف المجتمع الدولي والرأي
العام العالمي، غير أنهم اضطروا – اضطرارا- لمسايرة بعض جوانب المسيرة
الكفاحية لشعبنا الفلسطيني إبان انتفاضة الأقصى الراهنة، ومحاولة التباهي
مع شعارات المقاومة بشكل عام ، خوفا من الوقوف بموقف التضاد الحاد
والمباشر مع الجماهير الفلسطينية، ونأيا بأنفسهم عن حالة التهميش
والانعزال التي ضربت أطنابها في عمق الفكر المسالم والمهادن جراء تصاعد
الجرائم الصهيونية ، فيما يتوزع الآخرون على بعض ساسة يحملون وفاء مزمنا
للاحتلال ويتاجرون بقضايا الوطن خدمة له ، كذلك الذي دعا إلى تصفية حق
العودة للاجئين، وساسة آخرين يأملون أن تشكل هذه النداءات كفارة لمواقف
سابقة بدعم المقاومة اضطروا لاتخاذها جراء ضغط الجمهور الفلسطيني، وعربون
صداقة للمرحلة المقبلة المصبوغة بالاحتلال لمناطق السلطة الفلسطينية ،
وبعض رجال الأعمال وذوي المصالح والمنافع المعروفة، وشخصيات وشخوص أخرى
تبغي طاعة وولاء للسلطة ووفاء لسياساتها، مع قلة من الشخصيات العامة ذات
التاريخ النضالي المعروف ، والمعروفة بمواقف مبدئية حيال العمل
الاستشهادي ، فضلا عن رهط من الكتاب والصحفيين، ذوي الولاءات المتغيرة
بحسب الحاجة السلطوية، الذين يلوكون السطحية والتفلسف والاستعلاء في
التعاطي مع القضايا الهامة والمصيرية، دعا أكثر من واحد منهم بكل وقاحة
وانحطاط إلى إخراج حركة حماس ومن يتبنى خطها الاستشهادي من الصف الوطني،
بعيدا عن أي شعور بأمانة الكلمة أو إحساس بالمسئولية الوطنية.
ثالثا :
أن أصحاب هذه
النداءات يعيشون حالة عزلة حقيقية وانفصام كامل عن الشارع الفلسطيني، رغم
احترام الفلسطينيين لبعض الشخصيات ذات التاريخ النضالي المندرجة تحت
إطارهم، ولا يلقون أي دعم وتأييد جماهيري، أو يمثلون طموح الجماهير
المكلومة التائقة للحرية والاستقلال، ولا يتوقع – مطلقا – خروجهم عن هذه
الوصفة البائسة في ظل المعطيات الراهنة، حتى لو تمكنوا من تفريخ
توقيعاتهم، وبذل الجهود المشروعة وغير المشروعة أملا في تكاثرها، لتصل
إلى ألف أو ألفين.
رابعا :
الترابط الوثيق
والتزامن الواضح، الذي ميز ميعاد انطلاق حملة أصحاب التواقيع والمناشدات
مع الخطة الأمريكية التي أعدتها وكالة المخابرات الأمريكية ( CIA
)، لوقف الانتفاضة وضرب المقاومة، وكشف عنها مؤخرا،
وهو ما تبدى بجلاء في الحملة الأمنية التي شرعت أجهزة الأمن الفلسطينية
في تنفيذها في قطاع غزة، وشملت اعتقال عدد من عناصر وكوادر وقيادات حركة
حماس، ووضع الشيخ أحمد ياسين قيد الإقامة الجبرية.
ولا شك أن ذلك
يوحي بحقيقة الدوافع الكامنة وراء حملة المناشدات و التواقيع ، ويبرز
محركها السلطوي والأجنبي الخارجي غير المعلن، مما ينزع عنها أية مصداقية،
ويضفي عليها نزعة سوداوية تمس بجوهر الوحدة الوطنية الفلسطينية والعلاقات
الداخلية، وتجعل من أصحابها وسدنتها والداعين لها – ولو كان بعضهم بحسن
نية - معول هدم لأحد أهم أساليب وصروح المقاومة، وأداة طيّعة بيد البعض
تمهد لخلق تشويشات وتشويهات لوجه المقاومة الناصع، وعلى رأسها العمليات
الاستشهادية، على طريق إحداث فتنة داخلية، لا يعلم مداها وعاقبتها إلا
الله ، ولا تسعد سوى المحتل الصهيوني وشركائه الأمريكان والأوروبيين.
"المدنيون الصهاينة" .. جنود بلباس مدنية
تبدو النقطة
الأكثر حسما، التي يروج أصحاب التواقيع والمناشدات انتقاداتهم حولها، وهي
العمليات الاستشهادية ضد ما يسمى المدنيين اليهود، خاوية على عروشها،
ومتهاوية حتى النخاع، فالكيان الصهيوني الذي يشفق البعض على أبنائه
"المدنيين"، هو مجتمع عسكري كامل من الطراز الأول، ولا يوجد فيه مدنيون
على الإطلاق، إذ يكفي اتصال هاتفي سريع من قبل الجهات الأمنية المختصة،
كي ينتقل "الإسرائيلي" من حالته المزيفة المضللة إلى حالته الواضحة
الحقيقية، وينزع رداءه المدني المؤقت ليتسربل برداءه العسكري "الأصيل"،
وينطلق في عمق الأراضي الفلسطينية، قتلا وتدميرا وعبثا وإفسادا وسفكا
للدماء، مما وجد تطبيقه العملي خلال حملة "السور الواقي" الأخيرة، وحملة
"الطريق الحازم" الحالية، التي شهدت استدعاء الاحتياط في ظرف قياسي لا
يتعدى عدة ساعات.
ويكفي معرفة -
أيضا- أن مخيم جنين قد دكّت بيوته وهدّمت على رؤوس أهلها بفعل جنود
الاحتياط الصهاينة، أو ما يسمى بالمدنيين اليهود، بل إن قائد البلدوزر
الصهيوني الذي قاد عملية الهدم والتدمير في مخيم جنين – وهو أحد جنود
الاحتياط- قد اعترف بأن الحسرة لم تفارق قلبه، كونه هدم أجزاء من المخيم،
ولم يهدمه بشكل كامل على رؤوس ساكنيه!!.
ولا ريب أن مثل
هذه الحقيقة كافية، بمفردها، لنسف شكل وجوهر الانتقادات البلهاء الموجهة
للعمليات الاستشهادية تحت زعم استهدافها لمواطنين "مدنيين"!!.
"البغض والكراهية" .. انقلاب الصورة والمنطق والمفاهيم
استهلت نداءات
المناشدة أفكارها بخطيئة كبرى لا تغتفر، حينما ألبست العمليات
الاستشهادية لبوس الجرائم المدانة والأعمال المشينة، وألصقت بها من
المساوئ والاتهامات ما لا يتصوره عقل أو يقبله منطق، بتحميلها العمليات
الاستشهادية مسئولية تكريس البغض والكراهية بين الشعبين: الفلسطيني
و"الإسرائيلي"، والدفع باتجاه تحطيم إمكانية التعايش المشترك للشعبين
جنبا إلى جنب في سلام بين دولتين متجاورتين!!.
وبكل إنصاف، لم
يكن أي فلسطيني في أي يوم من الأيام، يتوقع أن تنقلب الصورة وينعكس
المنطق وتختل المفاهيم، كما هو الحال اليوم، وأن يحصل الاحتلال على صكّ
براءة لقاء جرائمه الفادحة ومجازره التي لا توصف، بأيد فلسطينية انهزمت
نفسيا أمام الاحتلال، وتشربت ثقافة الغرب المتواطئ، وآثرت الاستقواء على
أبناء شعبها، بتحميلهم مسئوليات وتبعات وتداعيات ليسوا طرفا فيها، ولا
تمتّ لهم بأية صلة.
فالمنطق السليم،
وقبله الحق الساطع والحقائق الدامغة، ينكر مثل هذه الترهات والخزعبلات
التي تحمّل الشعب وقواه الحية مسئولية احتلاله من قبل جلاديه وقاتليه!!،
وتمعن في تقريعه حال انتفاضه في وجه قاتله، ورده على جلاديه، وكأنه يراد
له أن يقتل بصمت، ويذبح بصمت، دون ردّ أو انتفاض.
من المحزن حقا أن
يتهم هؤلاء العمليات الاستشهادية ، بإثارة الحقد والبغض والكراهية بين
الشعبين، وهي التي لم تنطلق – أصلا- إلا ردعا للمحتل وكسرا لحدة عدوانه ،
فيما الدبابات الصهيونية ومروحيات الأباتشي تجتاح معظم مدن وقرى ومخيمات
الضفة الغربية، وتجثم على صدور أهلنا المرابطين هناك، فتقتل من تشاء ،
وتعتقل من تشاء ، وتدمر كيفما تشاء ، ثم تجد بعضا من شعبنا يسوّغ لها
عدوانها الغاشم ، ويحيطه بكل الحجج والتبريرات ، ولا ينطق بكلمة إدانة
ضده ، أو حتى يصمت – على الأقل - في مواجهته.
وقد يكون مفيدا،
بل ومطلوبا، تذكير أولئك الذين يمنون أنفسهم بحلم التعايش بين
الفلسطينيين والصهاينة، ببعض استطلاعات الرأي "الإسرائيلية" التي أكدت
وجود غالبية ساحقة ترفض مبدأ حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وتقسيم
القدس!!، وإقامة الدولة المستقلة ذات السيادة والصلاحيات المعروفة، وتؤيد
حملات القمع المتواصلة، والمجازر المتعاقبة، وعمليات الاغتيال والتصفية
الجسدية، وإبعاد القيادات والنشطاء الفلسطينيين وعائلاتهم، وكل الجرائم
الصهيونية بحق الإنسان والحجر والشجر الفلسطيني، فعن أي تعايش – بعد ذلك-
يحلمون؟!.
الصهاينة.. مخطط متكامل لاجتثاث المقاومة وسحق كيان الفلسطينيين
درج المشككون في
جدوى العمليات الاستشهادية، على ملأ الدنيا صراخا وعويلا، حيال ما
يسمونها الأضرار التي تلحقها العمليات الاستشهادية بالمصلحة الوطنية
العليا، وتسببها بتعطيل المشروع الفلسطيني الداعي للحرية والاستقلال،
وتوحيد وزيادة اصطفاف الشعب "الإسرائيلي" وراء حكومته العدوانية المتطرفة
بقيادة شارون، وإعطائها الذرائع والمبررات للاستمرار في شن حربها
المستعرة ضد الفلسطينيين، متوجين مزاعمهم بالقول بأن المصير الوطني يعيش
أخطر مراحله، جراء حمى التطرف والمغامرة الكامنة في تنفيذ العمليات
الاستشهادية، وأن الشعب الفلسطيني أقرب إلى الهزيمة منه إلى النصر أكثر
من أي وقت مضى.
ومما هو واضح
تماما، فقد أثبت هؤلاء المنتقدون جهلا مركبا، ليس بحقائق الصراع الدائر
على أرض فلسطين، وطبيعة وخلفيات المواقف والسياسات والصراعات المعتملة
داخل المجتمع الصهيوني فحسب، بل بسنن الكون والإنسان والحياة، وقوانين
ونواميس الحياة البشرية، بتاريخها المديد وتجارب شعوبها المختلفة، من لدن
آدم عليه السلام وحتى لحظتنا الراهنة.
فالدفاع عن
النفس سنة بشرية عامة منذ خلق المعمورة، وبمختلف الأشكال والأساليب التي
تحقق هذا الهدف وتردع المعتدين وتحمي الأوطان، ولم يدون التاريخ في سفر
من أسفاره، أن شعبا من الشعوب، تخلى عن حقه في الدفاع عن ذاته وكيانه
وأرضه ومقدساته، بما يمتلك من أساليب قوة وردع في مختلف المجالات، أو
أسقط وسيلة من وسائل كفاحه والدفاع عن نفسه، قبل تحرير أرضه واستقرار
كيانه وشعوره بالأمن الكامل والأمان التام.
ما يثير
الاستغراب حقا، أن البعض يصلون الليل بالنهار، جهدا دؤوبا وحركة متواصلة،
لإسقاط وسيلة الدفاع الأكثر جدوى وفاعلية في تاريخ الشعب الفلسطيني دون
مقابل ملموس أو حتى ثمن سياسي زهيد، تحت ذريعة انتفاء جدواها السياسي
والإعلامي والأخلاقي!!، ويفردون لغايتهم من الأوقات والجهود والأموال، ما
يكفي لإشباع حاجات كثير من الأسر الفلسطينية المعدومة، وسد رمق أطفالها،
ورفع معنوياتها، توطئة لمزيد من الصمود الفلسطيني النبيل.
ولعل القول بإن
الحملات العسكرية الصهيونية الكبرى التي شنت مؤخرا، ما كانت إلا ردا على
العمليات الاستشهادية التي اتخذت كذريعة مناسبة لها، هو القول الأخطر
والأكثر خداعا وتضليلا على الساحة الفلسطينية اليوم، إذ يكفي حصر عدد
وحجم ومستوى العمليات العسكرية الصهيونية الممارسة يوميا كي نتبين زيف
هذه الأكاذيب والأباطيل التي تستهدف تلويث عقول الفلسطينيين والعرب
والمسلمين، وتشويه صورة المقاومة الناصعة في أنظارهم، وتقليل جدوى
النتائج الهامة والخطيرة التي تحققها.
إن الحقيقة
الأكثر بروزا أن العمليات الاستشهادية، وعمليات المقاومة بشكل عام، وخاصة
المؤثرة منها، ليست عمليات يومية، كثيرة العدد، تنفذ على مدار الساعة،
وكأن الفلسطينيين قد استحالوا جيشا منظما، أو تحولت أرضهم إلى جبهة حربية
مفتوحة تحفل بالمعارك التي لا تتوقف، فيما تستمر العمليات العسكرية
الصهيونية ليلا ونهارا، وعلى مدار الساعة، وبوتائر مختلفة، ضد أبناء وأرض
ومقدرات ومقدسات الفلسطينيين، بحضرة العمليات الفلسطينية أم بدونها، مما
يشير بجلاء إلى حقيقة المخطط العسكري الصهيوني، ذا الفصول والمراحل
المتعددة، الذي يتواصل ويأخذ مداه بمعزل عن أية مقاومة فلسطينية.
وقد يكون في
عمليات القصف والتجريف التي طالت قطاع غزة في الأشهر الأولى لاندلاع
الانتفاضة دون أي عمليات فلسطينية، ومثلها في بعض مناطق الضفة،
والاغتيالات الخطيرة في أوقات الهدوء وفترات وقف إطلاق النار التي استهدف
بعضها قادة ومسئولين سياسيين، نوعا من الأدلة والبراهين على المنحى
العسكري المتواصل صهيونيا، وغير المتصل بالمسار البياني والفاعلية
الميدانية لعمليات الفلسطينيين، حتى اجتثاث المقاومة الفلسطينية، وكسر
إرادة الجهاد والمقاومة، وروح الفداء والصمود في نفوس أبناء الشعب
الفلسطيني.
وتأسيسا على ذلك،
تبدو الذرائع المعلنة حيال ارتباط الحملات الصهيونية الكبرى ضد
الفلسطينيين بعمليات استشهادية كبرى، أكثر تهافتا و اهتراء، وخاصة حين
يفضح الصهاينة نفسهم بأنفسهم، فيؤكد بعض مسئوليهم الأمنيين أن حملة
"السور الواقي" المنفذة نهاية شهر آذار الماضي قد خطط لها مسبقا في سياق
المخطط الصهيوني لضرب المقاومة الفلسطينية، وتحطيم الكيان السياسي
الفلسطيني، وهو ما أكدته الصحف العبرية، وصحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية،
ومجلة "فورين ريبورت" البريطانية، قبل تنفيذ عملية السور الواقي
الصهيونية بعدة أسابيع، فيما أكد وزير الدفاع الصهيوني نفسه "بنيامين بن
أليعازر" أن عملية اجتياح قطاع غزة التي تقررت عقب عملية ريشون لتسيون
الاستشهادية شهر أيار الماضي، قد أعدت سلفا، ولم ترتبط بأية علاقة
بالعملية الاستشهادية، وليس أدل على ذلك من توعد شارون نفسه، بشن حملة
عسكرية واسعة في قطاع غزة، لضرب بنى وقواعد وخلايا وقيادات حركة حماس
فيه ، دون أن تسجل أية عملية استشهادية كبيرة في القطاع في الآونة
الأخيرة.
ومن هنا، فإن
الحملات العسكرية الصهيونية لن تتوقف حتى استكمال بنود وفصول المخطط
المرسوم، حتى لو أوقف الفلسطينيون إطلاق النار إلى الأبد، وتنازلوا عن
عملياتهم الاستشهادية وكافة أشكال النضال الوطني، فالبلدوزر الصهيوني ماض
في تحقيق أهدافه ومخططاته حتى النهاية.
توازن الرعب .. حقيقة لا وهم
مغالطة أخرى، بل
تضليل كبير يسوقه هؤلاء، حين يستخفون بإنجازات المقاومة وآثارها العميقة
ونتائجها البالغة على المجتمع الصهيوني، بكل شرائحه وأنشطته وصناعاته
ومجالات نهوضه، ويدّعون أن توازن الرعب والردع الذي حققته العمليات
الاستشهادية، ما هو إلا وهم كبير ومبالغات خاطئة.
ولئن كان هؤلاء
قد أعمت ثقافة الاستسلام أبصارهم، وختمت فيروسات الانهزام على عقولهم
وقلوبهم، فإن الواقع الصهيوني المعاش بكل تجلياته يفضح زور ادعاءاتهم،
بدءا من الرعب القاتل الذي يجتاح كافة زوايا وأركان الدولة العبرية،
مرورا بالرغبات الكبيرة للصهاينة في مغادرة دولتهم اللقيطة والهجرة إلى
الخارج أكثر من أي وقت مضى، وصولا إلى التطور النوعي في تقنيات المقاومة
وبنيتها التسليحية ، والردود المزلزلة ذات المستوى الرفيع التي تميزت بها
المقاومة مؤخرا، وتمكنت من خلالها استهداف الوزراء الصهاينة ردا على
استهداف القادة الفلسطينيين، في مشاهد أصيلة تعبر عن توازن حقيقي في
مستوى الرعب والردع مع الصهاينة، بل ويجزم الكثيرين أن معادلة توازن
الرعب قد اختلت لصالح الفلسطينيين، بالنظر إلى حالة الهلع الواسع والفزع
غير المسبوق الذي يعم الصهاينة، وينغص عليهم حياتهم، ويمنعهم من ركوب
الحافلات وارتياد المطاعم والأسواق والأماكن العامة.
المجتمع الصهيوني .. وحدة مؤقتة لن تصمد طويلا
تعتبر الحجة
القائلة بمسئولية العمليات الاستشهادية عن توحد واصطفاف المجتمع الصهيوني
خلف حكومة شارون، ذات البرنامج الأمني، أحد أهم الحجج التي يرددها دعاة
نحر العمليات الاستشهادية، في سياق تضليلي، ينتهز قلة إدراك عدد كبير من
المواطنين الفلسطينيين، لطبائع وخلفيات وحقائق سياسات المجتمع الصهيوني.
ولا ريب أن
الطبيعة العسكرتارية للدولة الصهيونية، والتركيبة المجتمعية المؤسسة على
مفاهيم العسكرة و الجاهزية للحرب في مختلف الظروف، قد تركت آثارها
البالغة التي لا يمكن أن تتبدل على فهم وسلوكيات الصهاينة، وجعلت منهم
مجتمعا شكّل الأمن غاية مناه، والسلامة همه الأكبر، بعيدا عن أي استقرار
مدني كما بقية الشعوب الأخرى، وسط الهواجس الكثيفة التي تنتابهم ، منذ
تأسيس دولتهم وحتى اليوم، حول رغبة العرب في طردهم وإلقائهم في البحر،
مما أعطى مفاهيم الأمن وتطبيقاته أولوية قصوى في الحياة الفكرية والعملية
للصهاينة، انعكست – بشكل تلقائي- على قراراتهم واتجاهاتهم، و إحالتهم إلى
كتلة واحدة إزاء القضايا ذات البعد الأمني الذي يمس حياتهم المباشرة.
لذا، يخطئ من
يعتقد بأن العمليات الاستشهادية كانت السبب الأساس والمباشر في توحد
المجتمع الصهيوني خلف برنامج أمني يعدهم بالأمان ، فهذه طبيعتهم ، وتلك
تركيبتهم ، ولن تجد "إسرائيليا" واحدا مهما كانت مواقفه، من أقصى اليمين
إلى أقصى اليسار، يقبل بأي نوع من أنواع المقاومة المسلحة، أو أي شكل من
أشكالها، ولو بلغت حدها الأدنى ذا الخطر الضئيل والمحدود.
ومع ذلك، فإن
التركيبة المجتمعية الصهيونية، واتجاهاتها العسكرتارية والأمنية، ليست
عقيدة مطلقة غير قابلة للاختراق، أو جدارا فولاذيا يستعصي على التذويب،
فقد أثبتت المقاومة اللبنانية، رغم الفروقات والتباينات، قدرتها على
تطويع العقيدة الصهيونية المجتمعية، وزلزلة تماسكها، عبر سنوات من الكفاح
المتواصل والجهاد الدائم والجلد على مواصلة درب المقاومة رغم كافة
العراقيل والصعوبات، مما يمكن أن يتكرر – بشكل أفضل وأكثر سرعة- على
الساحة الفلسطينية، بحكم قوة العمليات الاستشهادية، واختراقها للعمق
الصهيوني، واقتحامها لحياة الصهاينة في كل الميادين.
لذلك، فإن التوحد
الصهيوني خلف قيادة شارون يمكن أن ينكسر، ويشق طريقه نحو التحلل
والذوبان، بمزيد من الضربات الجريئة والاستمرار في العمليات الاستشهادية
النوعية، لا بوقفها والدعوة للتخلي عنها، علما بأن آخر استطلاع للرأي
نشرته صحيفة معاريف الصهيونية بتاريخ 21/6/2002 قد أكد وجود نسبة 54% من
الصهاينة تعتقد بفشل شارون في مواجهة المقاومة الفلسطينية وعجزه عن إيجاد
الحلول للتصدي لها، بعيدا عن الوهم القائل بأن تركيز عمليات المقاومة في
حدود مناطق الـ 67 سيشق المجتمع الصهيوني، ويقوي شوكة دعاة "السلام"،
الذين لم يرتفع لهم صوت حقيقي في وجه جرائم الاحتلال المتعاقبة، ولم
يكلفوا أنفسهم عناء أي إدانة حقيقية لممارسات الاحتلال حين كانت العمليات
الاستشهادية غائبة في الأشهر الأولى لانتفاضة الأقصى المباركة، ناهيك عن
مواقفهم المعروفة، الرافضة لحق الفلسطينيين في القدس، وحق عودة اللاجئين،
والقضايا الأخرى.
العمليات الاستشهادية .. طريقنا إلى الحرية والاستقلال
ومن أشد المضحكات
المبكيات ما يرميه هؤلاء من تهم باطلة للعمليات الاستشهادية ، بتعطيل
إنجاز المشروع الوطني ، وقطع الطريق أمام مساعي "السلام" وإمكانية إقامة
دولة فلسطينية.
وتشكل هذه
الاتهامات، حقيقة، استخفافا بعقول المواطنين الفلسطينيين، فهي تتجاهل
البواعث الحقيقية لاندلاع الانتفاضة الراهنة عقب فشل كل محاولات "السلام"
والتسوية مع الصهاينة، التي انطلقت منذ مؤتمر مدريد عام 1991م، وعجزها عن
تأمين الحد الأدنى من الحقوق والتطلعات الفلسطينية، كما تخدع الشعب
الفلسطيني بالزعم بإمكانية تحقيق قيام دولة فلسطينية بوعود ورعاية
أمريكية، في الوقت الذي وجهت لهم فيه الإدارة الأمريكية لطمات متوالية
وصفعات قاسية، حين اشترط الرئيس الأمريكي بوش تغيير القيادة الفلسطينية
الحالية، وتنفيذ إصلاحات جدية في بنية وهيكلية ومؤسسات السلطة، ومحاربة
"الإرهاب"، لدعم إمكانية قيام دولة فلسطينية "مؤقتة"!!، لا حدود لها ،
وإن كان من المرجح قيامها في قطاع غزة وأريحا، دون سيادة أو جيش أو
صلاحيات أو سيطرة على المعابر أو قدس – ولو كانت القدس الشرقية- أو عودة
اللاجئين.
الرأي العام العالمي .. إشكالية الدعم والإسناد
ويمثل الرأي
العام العالمي، إشكالية معقدة في فهم ومطالبات منتقدي العمليات
الاستشهادية، إذ تلهج ألسنتهم بذكره، والدعوة لمراعاته، وضرورة كسب
تعاطفه وتأييده، والنأي عن كل ما يمكن أن يزعجه أو يقلق راحته، حتى جعلوا
منه صنم الأصنام، ونصبوه حكما لمسيرة النضال الفلسطيني، وكرسوه معيارا
لتحديد أفضل وأجود أساليب المقاومة في مواجهة الاحتلال الصهيوني.
لا ينكر أحد مدى
أهمية الرأي العام العالمي، وضرورة السعي لكسبه وضمان تأييده، في سياقه
الطبيعي، دون أي يعني ذلك تنصيبه قاضيا على مسيرة مقاومة الفلسطينيين، أو
محددا لوجهتهم وسياساتهم، ولو كانت في الطريق الخاطئ والاتجاه المعكوس،
غير أن الإشكالية الكبرى التي تقف حجر عثرة في وجه تحقيق هذا الهدف، أن
الرأي العام العالمي يقع تحت تأثيرات إعلامية خطيرة، يقودها اللوبي
الصهيوني، الذي يملك مؤسسات إعلامية كبرى، ويؤثر على مؤسسات ضخمة أخرى،
تملك وسائل التوجيه على مستوى العالم قاطبة، فضلا عن التوجيه الإعلامي
غير المتوازن الذي تمارسه كثير من دول العالم حيال القضية الفلسطينية،
والواقع تحت ضغط الابتزاز الصهيوني، مما يجعل من التعويل على أي تعاطف
دولي كامل أمرا مشكوكا فيه ، وغير قابل للتحقيق.
وتثور تساؤلات
جدية حول دور الرأي العام العالمي حيال العدوان الصهيوني، وقمعه
اللاإنساني بحق الشعب الفلسطيني، وسر عجزه عن فرض قرارات الشرعية الدولية
الكثيرة التي أدانت ممارسات الاحتلال منذ عشرات السنين، وسر ثورته حيال
مشاهد القتلى الصهاينة، فيما يسقط الفلسطينيون شهداء بالمئات دون إدانة
أو ضجيج.
لذلك، ليس صحيحا
أن العمليات الاستشهادية قد بددت التعاطف الدولي، أو منعت الإسناد
العالمي للقضية الفلسطينية، فالقضية الفلسطينية التي تجاوز عمرها الأربعة
وخمسون عاما لم تعرف العمليات الاستشهادية إلا في السنوات الأخيرة، فيما
بقي العالم بأسره صامتا على وقع المعاناة الفلسطينية المتصاعدة أكثر من
ثلاثة وأربعين عاما لم تحدث فيها عملية استشهادية واحدة، دون أن يحرك
ساكنا لنصرة وإنقاذ الفلسطينيين.
النصر .. أكثر اقترابا من أي وقت مضى
تكمن مشكلة
منتقدي العمليات الاستشهادية في سطحية تفكيرهم وعدم فقههم لتاريخ الأمم
وتجارب الشعوب - ولو كانوا من المحسوبين على طائفة "المثقفين"-، واعتماد
معايير النتائج الفورية، ومقاييس اللحظة الراهنة، لتحديد موقفهم تجاه
القضايا المختلفة.
ولا شك أن تبني
مثل هذه المعايير والمقاييس، يسئ إلى النضال الوطني الفلسطيني، ويصمه
بالفشل دون وجه حق، فلم تكن مشاهد اللحظة الراهنة نقطة النهاية في حياة
أي شعب من الشعوب المحتلة أو المضطهدة، بل كانت حافزا على مضاعفة العمل
والبذل والعطاء، وتطوير النضال والكفاح، في سبيل نيل الحرية وطرد
الاحتلال وتحقيق التغيير المنشود.
ومن دواعي العجب
والاستغراب أن يطالب هؤلاء المنتقدون المقاومة الفلسطينية، والعمليات
الاستشهادية ذروة سنامها، بتحقيق الأهداف الوطنية ودحر الاحتلال في غضون
فترة زمنية موجزة وقياسية، فيما يعقدون ألسنتهم ولا يطالبون أنفسهم
ونهجهم التسووي بأي شئ، رغم الفرصة الزمنية المديدة التي منحت لهم،
وامتدت إلى أكثر من عشر سنوات، فيما تحرم المقاومة من إثبات نفسها وجدارة
برنامجها، عبر مطالبتها بتحقيق نتائج فورية ونهائية، دون أي مراعاة زمنية
يقتضيها منطق التاريخ وظروف المواجهة.
ومع ذلك، تبدو
المقاومة، بعملياتها الاستشهادية القوية والمتصاعدة، في طريقها لتحقيق ما
فشل فيه عقد من زمن التسوية الهزيلة، وما الاجتياحات الأخيرة والحملات
العسكرية الصهيونية الكبرى، التي تستهدف إعادة احتلال المناطق
الفلسطينية، وتدمير الكيان السياسي للفلسطينيين، إلا المحاولة الأخيرة في
جعبة الاحتلال، والسهم الأخير في كنانته لمواجهة المقاومة، والتي لن
يتوقع لها – كسابقاتها من الحملات والمحاولات وآخرها السور الواقي- إحراز
النجاح المطلوب، وتحقيق الغاية المرجوّة.
وتبدو السطحية
أكثر وضوحا، بالربط بين حجم الدمار الذي خلّفته همجية ووحشية الاحتلال،
وبين مدى القرب أو البعد من تحقيق الأهداف الوطنية، أو الاقتراب من النصر
أو الهزيمة، دون أي إدراك لطبيعة الثمن وحجم التضحيات ونوع الضريبة التي
يتوجب دفع فاتورتها، مهرا للحرية، واستحقاقا لتنسّم عبير الاستقلال، بشكل
يؤكد نهج هؤلاء – الفاشل- الذي يرى في الاتصالات والمفاوضات السياسية –
التي يرفضها الاحتلال إلا بشروطه الخاصة- السبيل الأوحد لحل مشكلة
الفلسطينيين دون أي نضال مسلح، أو كفاح عنيف يمس ببنية الاحتلال ويجبره
على إعادة الحسابات، ومن ثم الرحيل عن مناطق الـ 67، كحل مرحلي.
إن أخطر ما
يواجهه الاحتلال هذه الأيام، يتمثل في وجود أجيال كاملة من الاستشهاديين،
ذوي الجاهزية الكاملة لدكّ العمق الصهيوني، والتشبّع التام ببغض الاحتلال
وكراهية وجوده، وقدرتها على تنفيذ مخططاتها والوصول إلى أهدافها، رغم كل
الحملات العسكرية الصهيونية، وكل الإجراءات والاحتياطات والتعزيزات
الأمنية التي قلبت الدولة العبرية إلى ثكنة عسكرية، دون أي جدوى.
وباستشراف بسيط
لآفاق المستقبل، يمكن القول بأن الصراع لن يتوقف، ولو سالت الدماء
مدرارا، ولو طبقت الإدارة الأمريكية أسوأ سيناريوهاتها على الساحة
الفلسطينية، حيث سيتحول الشعب الفلسطيني، عما قريب، إلى شعب من
الاستشهاديين الذين لن يفلح أحد في التصدي لهم ومواجهة عنفوانهم وإصرارهم
وقوة اندفاعهم، وهو ما يقصّر عمر الاحتلال، ويضطره تحت ضغط الاستنزاف
الهائل والرعب الكبير إلى الرحيل عن حياة الفلسطينيين.
وانطلاقا من ذلك،
فإن الأمل عامر والتفاؤل كبير بقرب انجلاء الاحتلال، رغم شدة القتل
والقمع والبطش والاعتقال، في ظل الصمود الرائع للشعب الفلسطيني المجاهد،
وسلامته من أي طعنات غادرة قد تضربه من الخلف، أو تمكر به وتلتف حول
جهاده ومقاومته وتضحياته.
"التناحر الوجودي" .. حرب صهيونية من طرف واحد
مغالطة أخرى تطفح
بها ألسنة وأقلام ونداءات هؤلاء المنتقدين، حين يتهمون العمليات
الاستشهادية بالدفع نحو التناحر الوجودي والمواجهة الحاسمة دون أية
مسوغات منطقية أو إنسانية أو سياسية؟!.
ومما هو واضح،
فإن فطرة المواطن الفلسطيني العادي البسيط أكثر نقاء من فطرة بعض
"مثقفيه"، وعقله أكثر وعيا من عقولهم، فأي تناحر وجودي ذلك الذي يصمون
العمليات الاستشهادية بالتسبب فيه، وأي مواجهة حاسمة تلك التي يتحدثون
عنها؟؟!!، بما يعنيه ذلك من إدانة كاملة للفلسطينيين، وتبرئة تامة
للاحتلال المجرم.
لقد كان من
الأجدر بهؤلاء أن يحترموا عقول الفلسطينيين الذي سحقت دبابات وطائرات
وآليات الاحتلال أجسادهم، وهدمت منازلهم، ودمرت حقولهم ومزارعهم، في سياق
مخطط استئصالي واضح ومرسوم، وكأن هؤلاء - مدّعي الثقافة الذين يرغبون في
حرمان الشعب الفلسطيني من مجرد حقه في الدفاع عن نفسه- يعيشون في عالم
آخر، بعيدا عما اقترفته قوات الاحتلال في مخيم جنين ونابلس وكافة مدن
وقرى الوطن المحتل.
من المستغرب جدا،
أن يتحدث هؤلاء عن بعض العمليات الاستشهادية، التي ينفذها مواطنون فقدوا
أهلهم وأعزاءهم، ودمرت منازلهم وأرضهم ومزارعهم، وحوربوا في أرزاقهم،
وانتهكت كرامتهم، بمثل هذا المنطق المقلوب، نافين أية صفة منطقية أو
إنسانية أو سياسية تجاه أعمالهم البطولية الرائعة، وكأنّ من مقتضيات
الإنسانية والسياسة والمنطق أن يبقى الفلسطيني تحت نار المحرقة
الصهيونية، يموت ويسحق ويذل وتتحول حياته إلى جحيم، دون أن يحرك ساكنا،
أو يبادر بالدفاع عن نفسه، ودفع - ولو جزء من الأذى- عن أهله وأبناء
شعبه.
ورغما عن ذلك،
فقد أثبتت قوى المقاومة الحية، وخاصة حركة حماس، نضجا كبيرا في إدارة
المعركة مع الاحتلال، فكانت عملياتها بقدر مرسوم، وبخطة محددة، وبتنظيم
دقيق، بعيدا عن أية فوضى أو ارتباكات ، فلم يشهد الواقع عمليات استشهادية
متعددة في وقت واحد، رغم القدرة المتوفرة، ولم تشهد ساحة الفعل
الاستشهادي المقاوم عمليات متتابعة بصورة دراماتيكية ، بل انطلقت
عملياتها بقدر محدد وميقات معلوم وفق رؤية واضحة تستجيب لكافة المعطيات
والظروف المحيطة.
*****
وأخيرا .. تبقى العمليات الاستشهادية أمل
الفلسطينيين، في ظل تخلي الأصدقاء والأشقاء عن نصرتهم ودعم قضيتهم، بل
وتآمرهم عليهم، وتحالفهم مع الأمريكيين لضرب مقاومتهم، وتفتيت وحدتهم،
وترحيل تجاربهم الأمنية البشعة سيئة الصيت في قمع شعوبهم إلى المناطق
الفلسطينية، وتبقى الحاجة أكثر إلحاحا لدعم العمليات الاستشهادية، وضمان
ديمومتها و استمراريتها، في ظل حرص كامل على تفعيل الصمود الشعبي،
وتهيئته لمزيد من تكاليف المواجهة، التي ستسبق - حتما- انبلاج فجر
الحرية، وستشكل المدخل الوحيد لنيل الحقوق الوطنية، واسترداد الأرض
المغتصبة.
|