|
بعد كل اغتيال أو
محاولة اغتيال لقائد من قادة فصائل الشعب الفلسطيني المقاومة يطفو على
السطح الحديث عن العملاء ، و مما يلفت الانتباه أنه في الآونة الأخيرة ظهرت
محاولات محمومة للمزّ بحركة المقاومة الإسلامية حماس بالذات من خلال
التشكيك في سلامة صفّها و نقائه ، و مما يثير الانتباه أن هذه الحملة
التشكيكية تتزامن مع إعلان الحرب من قبل شارون و العصابات الصهيونية على
الحركة ، و تهديدهم قادتها في قطاع غزة بالإبعاد و الاعتقال و التصفية بعد
أن لاحقوا قادتها في الضفة الغربية و اعتقلوا أو اغتالوا 98 % منهم حسب
تصريحات العدو ، و لكن هذه الحملات التشكيكية كانت تفتقر دائما إلى
الموضوعية ، لأنها اكتفت بإلقاء الاتهامات جزافا بعيدا عن انتهاج الأسلوب
العلمي ، أي أنها اقتصرت على الاتهام و التشكيك لأنها تفتقر إلى الأدلة و
البراهين التي تثبت صدق ما ذهبت إليه من تحليل ، و لكنها كانت تستغل سخونة
الحدث حيث الانفعال من جانب ، و عدم تبيّن الحقيقة لأن التحقيق لا يزال في
بدايته من جانب آخر لتضليل الرأي العام و تأليبه على الحركة المجاهدة .
فبعد استشهاد القائدين
صلاح شحادة و زاهر نصار أعلن الوقائي عن إلقاء القبض على العميل الذي قدّم
المساعدة للعدو مما أدى إلى ارتكاب المجزرة ، ثم قام الوقائي بعقد مؤتمر
صحافي لهذا المتهم و من خلال عرضه لما لديه من معلومات لم يقتنع الصحافيون
بأن هذا المتهم كان من وراء الحدث ، و بدا واضحا حتى للصحافيين أن الهدف من
المؤتمر الصحافي هو الإساءة لحركة حماس ، لأن العميل المتهم دخل في دائرة
التحليل و الاستنتاج ليقول إنه يعتقد أن هناك اختراقا للدائرة الضيقة
المحيطة بالشيخ المجاهد صلاح شحادة ، و اختيار هذا التعبير بالذات (الدائرة
الضيقة) له هدف واحد و خطير و هو التشكيك بالقيادة العسكرية العليا لكتائب
الشهيد عز الدين القسام ، لأن الدائرة الضيقة هي القيادة العليا للجناح
العسكري ، و لكن الأمر لم ينطلِ على الإعلاميين فسألوا المتهم إن كان لديه
معلومات أم أنه فقط يستنتج و يحلّل ، فأقر بأنه لا يملك معلومات و لكنه
يستنتج و يحلل ، و كان واضحا أنه قد لقِّن بعض الكلمات – لا ندري ممن -
التي لم تصمد أمام استفسارات الصحافيين الذين فهموا أبعاد ما يدور .
و مما يثير الدهشة أن
اللواء أمين الهندي قائد جهاز المخابرات العامة الفلسطينية بعد المحاولة
الفاشلة لاغتيال القائد القسامي محمد الضيف يصرّح قائلا : (إن محاولة
اغتيال محمد ضيف مسؤول الجناح العسكري لحركة "حماس" في غزة تؤكد وجود
اختراقات أمنية استخبارية "إسرائيلية" في الدائرة الضيقة للمستهدفين من
كوادر الفصائل الفلسطينية و أن بعض هذه التنظيمات الفلسطينية لا تتعاون
معنا في الكشف عن هذه الاختراقات الخطيرة) ، ثم يضيف قائلا في حديث لـ
"الشرق الأوسط" اللندنية : (من خلال متابعتنا الأمنية لكافة عمليات
الاغتيالات التي استهدفت كوادر الفصائل الفلسطينية توصّلنا إلى وجود
اختراقات في الدائرة الضيقة للمستهدفين ، حيث إن حصول المخابرات
"الإسرائيلية" على معلومات دقيقة عن تحرّكات المستهدفين لا يأتي من عملاء
هامشيين و خارج إطار الحلقة الضيقة) ، و مما يلفت النظر أن تعبير "الدائرة
الضيقة" تكرّر هنا في تصريح اللواء الهندي و أيضا دون أن يسوق الأدلة
اللازمة لذلك ، كما أن التصريح يأتي في بداية الحدث حتى قبل الشروع
بالتحقيق و قبل التوصل إلى العميل الذي كان يتابع الضيف في هذه الجريمة ، و
من حقّ الفصائل الفلسطينية أن ترفض هذه التصريحات خاصة أن صاحبها أحد رؤساء
الأجهزة الأمنية و كان في إمكانه أن يشفع كلامه بالأدلة و البراهين بدلا من
الاعتماد على التحليل و الاستنتاج .
و رغم قناعة الفصائل
الفلسطينية بسلامة الدوائر الضيقة حول قياداتها العسكرية إلا أنها لا تهمل
فحص الصف الداخلي ، فمع كل حادثة اغتيال تشرع حماس بالتحقيق في كل
الاتجاهات بما فيها الصف الداخلي ، و هدفها من وراء ذلك الوصول إلى النتائج
الصحيحة و استخلاص العبر و حماية الحركة و قيادتها ، فنحن ندرك أن العدو
يبذل كل جهده لاختراق الفصائل المختلفة ، و لذلك نبذل جهدا كبيرا في
الانتقاء ثم التربية الإيمانية التي لا يستطيع العملاء الصبر عليها ، و
التحقيقات التي قامت بها الحركة و التي قامت بها السلطة بعد الاغتيالات
لقادة الحركة أثبتت أن العملاء كانوا من خارج الصف ، بل كانوا ممن يعملون
في الأجهزة الأمنية ، فقد كشف اللواء موسى عرفات ، رئيس الاستخبارات
العسكرية الفلسطينية الثلاثاء 24/9 عن اعتقال أكثر من 18 شخصا ممن يعملون
في أجهزة الأمن الفلسطينية في الضفة الغربية و قطاع غزة يشتبه في تعاونهم
مع العدو الصهيوني و من بينهم متورّطون في اغتيال قيادات فلسطينية ، و قال
اللواء عرفات : "بين المعتقلين من تورّط في اغتيال عدد من نشطاء و كوادر
كتائب شهداء الأقصى و حركة حماس من بينهم مهند أبو الحلاوة و رائد الكرمي و
عائلة الأسير حسين أبو كويك" ، و أشار إلى أن عددا منهم خطّطوا لاغتيال
الشيخ حسن يوسف و الشيخ نافذ عزام و آخرين .
إن ما صرح به اللواء
عرفات يتناقض مع ما يستنتجه اللواء الهندي ، و لكن اللواء عرفات قدّم أدلة
مادية ثمانية عشر عميلا جميعهم من الأجهزة الأمنية ، و قد التقت الصحافة
ببعضهم و اعترفوا بجرائمهم التي تمثّلت بمساعدة العدو في اغتيال العديد من
القيادات البارزة ، و لذا كان الأولى باللواء الهندي أن ينقّب في صفوف
الأجهزة الأمنية عن العملاء الذين استخدموا مكانتهم و ما يملكون من حصانة و
تجهيزات لمتابعة القادة صلاح شحادة و محمد الضيف ، فنحن على علم بأن سيارات
الأجهزة الأمنية كانت تلاحق هذين القائدين ، و كانت تتابع تحركاتهما ، و
اليوم تبيّن أن أعدادا كبيرة من العملاء تنخر صفوف الأجهزة الأمنية باعتراف
قادة هذه الأجهزة ، فلماذا لا نبحث إذن في الاتجاه الصحيح للوصول إلى
الحقيقة .
و إذا علمنا أن محمد
الضيف مطارد منذ عام 1992 أي منذ عشر سنوات فهل يعقل أن تكون الدائرة
الضيقة من حوله مخترقة و لم يتمكن العدو الوصول إليه طوال هذه المدة ، و
إذا أيقنا أن مئات العمليات التي خطّط لها تكلّلت بالنجاح فهل يعقل مع ذلك
أن تكون الدائرة الضيقة من حوله مخترقة ، و لذا فإن حملة التشكيك هذه لن
تفلح في النيل من حركة نجحت في ضرب العدو رغم استنفاره الأمني الذي لم يسبق
له مثيل ، و لو كانت قيادة الحركة مخترقة لما حقّقت هذا النجاح الذي أذهل
العالم و أربك الأعداء و نال تقدير و احترام الشرفاء ، كما أن حملة التشكيك
هذه لن تمكّن السلطة من التهرب من مسئوليتها عن كلّ ما يجري خاصة أن هناك
العديد ممن تمّ التحقيق معهم في الانتفاضة الأولى و ثبتت في حقهم تهمة
العمالة يعملون الآن في الأجهزة الأمنية ، و لذا فالواجب الوطني يحتّم على
السلطة أن تطهّر صفوفها من هؤلاء العملاء أولا ، ثم تقوم بدورها في تفكيك
شبكات العملاء الذين ترعرعت شبكاتهم في ظلّ أوسلو ثانيا ، و أن تتحلّل من
قيود أوسلو التي تمنعها من ملاحقة العملاء قبل وقوع الجريمة .
|