|
حتى لا يفهمني قراء
هذا المقال خطأ وهم يقرءون عنوانه، أقول بأنني لا أفرق بين اليمين الصهيوني
واليسار الصهيوني، فأنا ممن يؤمن بأن فلسطين بلد إسلامي، وأن أرضها وقف على
المسلمين إلى يوم القيامة، وممن يؤمن بأن القدس مدينة إسلامية، وفيها مسرى
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا حق سياسيا كان أم دينيا لليهود في
فلسطين أو القدس، وما ينبغي لمن يؤمن بذلك أن يصدق أن هناك ثمة فرق بين
الليكود والعمل، فكلاهما يصر على اغتصاب فلسطين، وتدنيس القدس، بل وهدم
الأقصى من أجل بناء الهيكل المزعوم، وإذا تساوى اليسار واليمين في ذلك فأي
فروق بينهما يمكن أن نقيم لها وزنا، وإذا أضفنا لما سبق أن من القواسم
المشتركة بين الحزبين تاريخ حافل بالإرهاب : القتل، والإبعاد، والاعتقال،
وإهلاك الزرع، وتدمير البيوت، وهدم المساجد، وإذلال الشعب الفلسطيني، فماذا
بقي لأولئك حتى يبتهلوا إلى الله أن ينصر اليسار على اليمين في مملكة
الإرهاب العالمي؟!!
ولكن اختياري لهذا
العنوان لأنني أردت أن أخاطب دعاة الاستسلام بما يزعمونه ويروجون له، خاصة
أنهم ما فتئوا يهاجمون حماس بدعوى أن مقاومتها للاحتلال هي التي تسببت في
فوز اليمين المتطرف، ومن وجهة نظرهم أيضا أن فوز اليمين يعني حدوث كارثة
سياسية في المنطقة، حيث أنهم يطلقون على اليسار الصهيوني رغم ممارساته
الإرهابية أنه معسكر السلام، والآن في ظل وجود معسكر الشر فماذا هم
فاعلون؟؟ هل سينحازون إلى خيار المقاومة ويسلمون بأن فرص السلام قد ولت إلى
غير رجعة؟ أم أنهم سيعتبرون أن فرص السلام لا زالت قائمة فيذكروننا بأن
الذي وقع اتفاقية السلام مع مصر "الليكود" وليس "العمل" وأن الذي هدم
مستوطنة "يميت" "شارون" وليس "متسناع"؟
من الواضح تماما أن
دعاة الاستسلام قد عقدوا العزم على ألا يستسلموا لخيار المقاومة، وأن
يجهدوا أنفسهم فيما لا طائل من ورائه وهو محاولة إقناعنا بأن "شارون" حمامة
سلام ليس إلا، وأن الحكومة الصهيونية اليمينية التي شكلها هي في واقع الأمر
حكومة سلام، وسيكثفون نداءاتهم لنا بوقف المقاومة حتى وإن واصل "شارون"
ذبحه المنظم لأطفالنا، أو هدم البيوت على رؤوسنا، أو أصر على التنكر
لحقوقنا المشروعة، ولكن يبقى السؤال المشروع لماذا يصرون على طريقهم ذلك
رغم المعطيات السياسية الصهيونية الجديدة التي لا تحمل في جعبتها برنامجا
سياسيا؟ وأي حجة يمكن أن تسعفهم خاصة أن الشعب لم يعد يؤمن بما يسمى "عملية
السلام"؟
إن أقوى حجة يتذرعون
بها هي أنه قد أصبح للمقاومة مردود سلبي على الشعب، فهناك بيوت هدمت ومخارط
دمرت، وأرواح أزهقت، وهناك حصار وبطالة أرهقت كاهل الناس، وقائمة ما يطلقون
عليها سلبيات المقاومة لديهم طويلة طويلة، ولكن هل هذا يعتبر اكتشافا جديدا
لم يكونوا على بينة منه من قبل؟ بمعنى هل كانوا يعتقدون أننا سنضرب العدو
ثم لا نصاب بأذى؟ فإن كان الأمر كذلك فلماذا قادوا الناس للمقاومة حتى
أوردوهم المهالك في أيلول الأسود في الأردن؟ ولماذا كرروا التجربة في
لبنان؟ أم أن تبعات المقاومة تصبح سلبيات إذا تمسك بخيار المقاومة غيرهم
وعلى غير رغبة منهم؟ أم لأنهم أصبحوا دعاة سلام كما يزعمون ولذلك أصبحوا
يرون المقاومة كتلة من السلبيات فقط؟ لماذا لم يقولوا أن الذي حققته
المقاومة من دمار للعدو لم تحققه المقاومة من قبل والتي دفع الشعب بسببها
ثمنا باهظا في بيروت وعمان؟ ولماذا لم يذكروا المواقف السياسية الخاطئة
التي أثقلت كاهل الشعب الفلسطيني وأرهقته ومنها الموقف الغير متوازن من
احتلال الكويت، ومنها نفق أوسلو المظلم، إن كانوا مشفقين على الشعب؟ وإن
كانت معاناة الشعب الفلسطيني هي التي تؤرق مضاجعهم فلماذا يسكتون على
الفساد الذي امتص دماء الشعب الفلسطيني؟ بل لماذا قبلوا لأنفسهم أن يقيموا
قصورا في غزة ورام الله وأريحا وغيرها وجميعها من دماء المواطن الفلسطيني؟
ثم لماذا احتكروا كل شرايين التجارة؟ ومن أين لهم رؤوس الأموال مع أننا لم
نعهد عليهم أنهم كانوا يوما من أصحاب الملايين؟ ولماذا جعلوا من احتكارهم
ذاك سوطا يجلدون به ظهر الشعب الفلسطيني عبر الغلاء المتصاعد؟ أسئلة عديدة
تجعل ذريعة الحرص على مصلحة الشعب أوهى من بيت العنكبوت، خاصة إذا علمنا أن
القرآن يطالبنا أن نقدم الجهاد في سبيل الله على الأرواح والأموال ومنها
البيوت، وينهانا أن نجعل من الخسارة في الأرواح والأموال سببا لتعطيل
الجهاد في سبيل الله "قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم
وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم
من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي
القوم الفاسقين"، وإني لأناشدهم أن يتدبروا معنى هذه الآية حتى يتوقفوا عن
المطالبة بوقف المقاومة حرصا على مصلحة الشعب، فمصلحة الشعب في الدنيا
والآخرة إنما تكون في الجهاد في سبيل الله وليس في تعطيله، ومصلحته العليا
في اتباع القرآن وليس في تهميشه.
ولكني أرى رغم ذلك
أنهم سيواصلون المطالبة بتعطيل الجهاد، وسيصرون على السير في النفق المسدود
الذي هم فيه الآن وذلك لأسباب عدة ينبغي ألا نغفلها، فوجودهم في فلسطين
إحدى ثمار قبولهم بالدخول في ذلك النفق، ومستقبلهم السياسي بل ومستقبل
استثماراتهم الخاصة بات رهينة لاستمرارهم في السير فيه، كما أن التزاماتهم
التي قطعوها على أنفسهم أمام الصهاينة وأمريكا وأوروبا والعرب لا زالت
تلاحقهم، ثم الصراع الذي يدور في الخفاء يدفع البعض للسباق في سلم
التنازلات، كما أن خشيتهم من تقدم الحركة الإسلامية في قلوب الشعب يعتبرونه
للأسف الشديد ورقة لغير صالحهم رغم أن الحركة أكدت في السر والعلن أنها لا
تنافسهم على السلطة، وقالت بأننا لا زلنا في مرحلة التحرر التي تسبق مرحلة
بناء الدولة والتنافس على الكراسي.
على أية حال رغم أن
عدونا تقوده حكومة صهيونية يمينية متطرفة فلا أظن ولا أعتقد أن حمى
الاستسلام ستهدأ.
|