|
لم يكن في تفكير
حركة المقاومة الإسلامية حماس و لا في حساباتها عندما أطلقت مبادرتها في
تعليق العمليات العسكرية أن تسمح للصهاينة بقتل أبنائنا في فلسطين ثم يكتفي
شعبنا الفلسطيني من جانبه بأن يبشّ في وجوه القتلة ، كما لم تكن المبادرة
تعني أبداً أن تذبحنا العصابات الصهيونية ثم تبقى بعد ذلك آمنة مطمئنة
مستقرة لا يمسّها سوء ، و لا تعني أبداً أن تواصل العصابات النازية - مع
كامل اعتذاري للنازيين – عدوانها الغاشم عبر بناء الجدار الذي يكرّس اغتصاب
الصهاينة لفلسطين المحتلة عام 1948م ، و يضيّق الخناق على شعبنا حتى في
لقمة العيش عبر حرمانه من فلاحة أرضه ، و يعزل أهلنا في الضفة الغربية في
معتقل ضيق شبيه بمعتقل قطاع غزة ، و يفرق بين أبناء القرية الواحدة بل و
الأسرة الواحدة بطريقة لا تنتمي للإنسانية بصلة ، كما أن الشهر الأول
للمبادرة سجّل عشرات الخروقات من الجانب الصهيوني ، و لقد أريقت دماء اثني
عشر فلسطيني على يد القتلة بدم بارد ، كما اجتيحت مدن و قرى ، و دمِّرت
بيوت و شرد أهلها في العراء ، و لا زال الحصار قائماً يضرب طوقاً على المدن
و القرى في الضفة الغربية و قطاع غزة ، هذا و لم تتوقف الاعتقالات في معظم
مدن و قرى الضفة الغربية ، كما قام الصهاينة بفرض حظر التجوّل على أكثر من
موطن في الضفة الغربية ، أما على صعيد المعتقلين الفلسطينيين فحدّث و لا
حرج فبدلاً من أن تقوم عصابات القتل و الإرهاب بالإفراج عنهم وفقاً للشروط
التي وضعتها حماس نراهم يواصلون الاعتقال من جانب و يعتدون على المعتقلين
بأساليب قمعية أدّت إلى إصابة العشرات منهم في معتقل عسقلان من جانب آخر ،
ثم لا يفوتهم أن يقوموا بعملية تظاهرية إعلامية بالإعلان عن استعدادهم
للإفراج عن بعض المعتقلين الفلسطينيين 190 ممن شارفت محكوميتهم على
الانتهاء ، و 190 ممن وضعوا رهن الاعتقال الاحترازي لكي يتم الإفراج عنهم
في مناسبات سياسية يقدّمها الصهاينة على أنها مبادرات حسن نوايا بينما هي
في حقيقة الأمر تمثّل قمة سوء النوايا ، و من العجيب أن 160 من المفرج عنهم
هم من الجنائيين .
و لا أرى تفسيراً
لهذا التصرّف الأخرق من قبل الصهاينة إلا أنهم فهموا الخطوة التي اتخذتها
حماس و الفصائل الوطنية و الإسلامية المقاومة فهماً بعيداً كل البعد عن
واقع الحال ، "فشارون" مثلاً يتغابى في واشنطن فيقول إن الفصائل الفلسطينية
لم تقبل بالهدنة إلا بسبب الإجراءات الأمنية التي قامت بها حكومته ، مع أن
"شارون" لا زال يذكر أنه قد عبَّر بوضوح عن حالة الخوف و الإحباط التي
يعيشها هو و كيانه الزائل بإذن الله عندما استجدى الهدنة من الفصائل
الفلسطينية بعد العملية الاستشهادية التي زلزلت أركان القدس ، و فرضت على
الصهاينة حظر التجوّل ، كما أن "شارون" يدرك طبيعة هذا الشعب الفلسطيني
المجاهد الذي تُردّد عجائزه بكلّ اعتزاز المثل القائل "الموت و لا المذلة"
، فهذا الشعب لا يعرِف الخوف لأنه يدرك فضل الشهادة في سبيل الله ، و لا
يعرف الذل لأنه تشرّب معاني العزة و الكرامة ، و لكن لا غرابة أن يقوم
"شارون" بتضليل شعبه بهدف تحسين وضعه في الشارع الصهيوني بعد فشله الذريع
في توفير الأمن لشعبه كما وعدهم من قبل مراراً و تكراراً ، و لكن وعوده
ذهبت أدراج الرياح .
و إمعاناً في
الهروب من الالتزام بشروط المبادرة الفلسطينية ، و محاولة منهم تحويل
الصراع من صراع فلسطيني - صهيوني إلى صراع فلسطيني - فلسطيني أكّد الصهاينة
رفضهم تسليم السلطة الفلسطينية مدناً في الضفة الغربية حتى تعمل علي تفكيك
فصائل المقاومة ، و هذا شاؤول موفاز وزير الحرب الصهيوني يقول في تصريحات
نقلها عنه راديو العدو الصهيوني : «لن نسلّم السلطة مدناً أخرى حتى يتعامل
الفلسطينيون مع "الإرهاب"» ، و قد عمل الصهاينة في الوقت نفسه علي إعادة
حصار مدينة بيت لحم بعد أيام من انسحاب جيش الاحتلال منها ، و قد منعت قوات
الاحتلال الصهيوني المواطنين الفلسطينيين من دخولها أو الخروج منها ، و
كثّفت من تدابيرها و إجراءاتها الأمنية علي كافة مداخلها الرئيسية .
لقد بات من الواضح
تماماً أن العقلية الصهيونية لا تتغيّر أبداً ، فهي عقلية تقوم على الإرهاب
و العدوان ، و سيبقى الهدف الصهيوني كما هو متمثلاً في تصفية القضية
الفلسطينية و الوجود الفلسطيني ، و سيستمر العدو الصهيوني في استخدام
أساليبه الإرهابية و على رأسها الاغتيالات و المذابح الجماعية لتحقيق
أهدافه الخبيثة ، و من هنا تأتي تصرّفات هذا العدو وفق المخطّط الصهيوني
الذي يرى الحلّ في إبادة الشعب الفلسطيني ، فبينما نرى أن المعركة بالنسبة
للعدو الصهيوني هي معركة وجود ، نراها بالنسبة لمن لا يدرك طبيعة هذا العدو
و غرائزه الوحشية ليست إلا معركة حدود ، و من هنا فلن يتوقّف العدو
الصهيوني عن مواصلة عدوانه على شعبنا الفلسطيني ، و لن تمنعه المبادرات
التي يطلقها الجانب الفلسطيني عن مواصلة عدوانه ، كتلك المبادرة المتمثلة
بتعليق العمليات العسكرية من قبل الفصائل الفلسطينية ، كما لن تمنعه
المفاوضات مما يجعل خيار المقاومة خياراً وحيداً للجم هذا العدو و ردعه ، و
سبيلاً وحيداً لتحقيق الأهداف الوطنية المشروعة .
و إزاء هذا الوضوح
في الموقف الصهيوني العدواني و الذي لم يقِم وزناً للمبادرة الفصائلية دعت
حركة حماس في بيانٍ لها جميع الفصائل الفلسطينية لرفع حالة التأهب
استعداداً لمواجهة جديدة و ساخنة مع العدو الصهيوني ، مضيفة في بيانها أن
صبرها تجاه الانتهاكات الصهيونية لن يستمر طويلاً ، قائلة إن التزامها
بمبادرتها التي أطلقتها إنما يعكس أخلاقها كحركة إسلامية تحترم كلمتها ، و
لا يعني ذلك ضعفاً أمام العدو الصهيوني الجبان ، مؤكّدة أن التزامها
بكلمتها لا يعني أبداً إلغاء حقها في الرد على خروقات العدو الصهيوني ، و
هذا يعني أن مبادرة تعليق العمليات العسكرية توشك أن تلفظ أنفاسها الأخيرة
.
|