|
أعلم أن السلطة
الفلسطينية التي قامت على قاعدة نبذ "الإرهاب"
لن تقوم في يوم من الأيام بالثناء العطر على العمليات الاستشهادية و
مباركتها ، بل على النقيض من ذلك و كما هو متوقع ستسارع إلى التنديد بها و
استنكارها و إدانتها و اتهامها و رفضها كما يحدث في كلّ مرة ، و لكن هل هذه
العمليات في واقع الأمر تضر بمصلحة السلطة الفلسطينية ؟ أم أنها فضلاً عن
أنها تشكل مصلحة وطنية عليا للشعب الفلسطيني و لقضيته العدالة ، تشكّل
أيضاً مصلحة ذاتية للسلطة نفسها لكي تخرج من مأزقها التي وضعت نفسها فيه ؟
و لا أدلّ على مأزق السلطة من قرارها الأخير المتمثّل بتشكيل حكومة طوارئ و
إعلان حالة الطوارئ ، و كأن الأزمة أزمة فلسطينية فلسطينية و ليست صراعاً
بين شعب يتطلع إلى الحرية و التحرر و عدو يسلبه ذلك .
كلّ المعطيات على أرض
الواقع تشير إلى أن السلطة قد وصلت فعلاً إلى طريق مسدود ، و مثلها في
دخولها جحر أوسلو كمثل الدب الذي ابتلع منجلاً فلا هو قادر على إدخاله إلى
جوفه و لا هو قادر على قذفه إلى الخارج ، فقد فشلت في تحقيق حلمها الذي هو
أدنى بكثير من تطلعات الشعب الفلسطيني ، الذي لن يقبل بحال التفريط في شبر
واحد من وطنه ، فقد وصلت السلطة إلى قناعة تامة خاصة بعد مفاوضات كامب
ديفيد أنها لن تتمكن من تحقيق ما تصبو إليه ، و الذي أطلقت عليه الحد
الأدنى من حقوقنا الوطنية المشروعة ، و هي أيضاً لا تستطيع التحلّل من
كارثة أوسلو التي فارقت الحياة منذ زمن بعيد ، و من هنا باتت ثؤمن أن
الخيار الوحيد أمام الشعب الفلسطيني هو خيار الانتفاضة أو باختصار شديد
خيار المقاومة ، و إن كانت لا تستطيع أن تبوح بقناعتها بذلك لأن البوح بذلك
يتناقض مع المكتسبات الشخصية .
لقد باتت السلطة
الفلسطينية على يقين أن الصهاينة لن يتزحزحوا عن تعنتهم ، و رفضهم للوجود
الفلسطيني ، و إصرارهم على التنكر لكافة الحقوق الوطنية المشروعة للشعب
الفلسطيني ، و ذلك لأن قيام دولة فلسطينية ذات سيادة ، و عودة اللاجئين
الفلسطينيين إلى ديارهم التي شردوا منها ، و إزالة المستوطنات التي زرعت في
الضفة الغربية و قطاع غزة بهدف ابتلاع الأراضي تدريجياً و كذلك بهدف
التضييق على الشعب الفلسطيني ، كل ذلك يتناقض مع المشروع الصهيوني الرامي
إلى تحقيق دولة الكيان الصهيوني العظمى من النيل إلى الفرات ، و الذي لا
زال محفوراً في تلافيف العقلية الصهيونية .
كما أن السلطة
الفلسطينية أيقنت أن الموقف الأمريكي لا يمكن أن يكون محايداً ، بل إن
الموقف الأمريكي في عدة نقاط ذهب في تطرّفه أبعد مما ذهب إليه الموقف
الصهيوني في تناقضه مع المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني ، فالضمانات
الأمريكية ذهبت أدراج الرياح ، و الوعود الأمريكية تبخرّت في الهواء و قد
اتضح أنها لم تكن إلا وعوداً تضليلية سرابية هدفها الضحك على الذقون ليس
إلا ، أما الموقف الأوروبي فهو موقف انتهازي رخيص ، موقف لا يبنى على مبادئ
و قيم ، و لكنها المصلحة هي التي تحدّد المواقف لديهم ، و ما من شكٍ أن
مصلحتهم في قضية فلسطين تقتضي وقوفهم إلى جانب الكيان الصهيوني ، فيجب
علينا ألا ننسى أن الكيان الصهيوني ابتداء هو مشروع أوروبي .
كما أن السلطة
الفلسطينية باتت تدرك بما لا يدع مجالاً للشك أن الموقف العربي الرسمي لا
يمكن الاعتماد عليه و هو أضعف من أن يقدّم دعماً فاعلاً لإخراج السلطة
الفلسطينية من ورطتها ، فقد أثبتت الأيام أن الموقف العربي كان على الدوام
موقفاً عاجزاً هزيلاً ، مما شجّع على مزيد من التعنت الصهيوني ، و ساهم في
تنامي الانحياز الأمريكي لصالح العدوان الصهيوني ضد الصالح الفلسطيني ..
و أمام كلّ ذلك أصبحت
السلطة الفلسطينية - بيدها لا بيد عمرو - أمام خيارات صعبة أحلاها مر ، و
ألخصها في النقاط التالية :
·الإعلان الصريح عن
نهاية أوسلو ، و هذا يعني نهاية السلطة التي قامت بناء على مشروع أوسلو ، و
لهذا الإعلان تبعات كبيرة و استحقاقات خطيرة ، لأن خطوة كهذه من شأنها أن
تضرّ بالمصالح الشخصية لكلّ من حضر من الخارج مع قدوم السلطة و ربط مصيره
بمصير أوسلو ، كما أن هذا الإعلان يعني انحياز السلطة إلى خيار المقاومة و
هذا ما لا تريده .
·تأقلم السلطة مع
الوضع القائم حالياً و هو استمرار الاحتلال الصهيوني دون أن يتحمّل هو
تبعات احتلاله ، فالشعب الفلسطيني يرزح تحت وطأة الاحتلال ، و السلطة
الفلسطينية في ظلّ استمرار الاحتلال تقوم هي بإدارة شؤون الشعب الفلسطيني
الحياتية مما يخفّف العبء عن الاحتلال ، و هذا الأمر لا تستطيع السلطة أن
تتأقلم معه طويلاً ، فالسلطة تعيش حالة تآكل جماهيري مستمر ، و إذا استمر
الحال على ما هو عليه الآن فستجد السلطة نفسها معزولة تماماً عن الجماهير
بعد فترة وجيزة .
·إنشاء قيادة وطنية
موحدة ، و هذا الأمر لا يمكن أن يتحقق إلا على قاعدة مقاومة الاحتلال و
التمسك بكامل الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني ، و هذا ما لا يمكن
أن تقبل به السلطة لأنها بذلك ستتناقض مع ما التزمت به في أوسلو ، كما أن
الجانب الأمريكي و الجانب الصهيوني سيتصديان بقوة لخطوة كهذه ، و هذا يعني
أن السلطة الفلسطينية ستضع نفسها في موقف المتحدي للأمريكان و العدو
الصهيوني ، و لا أتصوّر أنها يمكن أن تتخذ هذا الموقف .
و أمام هذه الخيارات
الصعبة ترى السلطة أن المخرج الوحيد يتمثّل في ممارسة الضغط على الجانب
الصهيوني ، و لكن أصبح يقيناً أن أمريكا لن تمارس هذا الضغط ، كما أن
الاتحاد الأوروبي لا يتناقض على الإطلاق مع الموقف الأمريكي من القضية
الفلسطيني ، فالفرق بين الموقف الأمريكي و الموقف الأوروبي كالفرق بين
شارون و بيرز أي وجهان لعملة واحدة أدوارهما تتكامل و لا تتناقض ، و أما
الموقف العربي فكما بيّنا أعجز من أن يمارس ضغطاً على الجانب الصهيوني ، أو
أن يدفع الجانب الأمريكي لممارسة هذا الضغط .
و لا يختلف اثنان أن
العمليات الاستشهادية هي الوحيدة القادرة على ممارسة الضغط المطلوب على كلّ
من الكيان الصهيوني و زعيمه شارون ، و على الجانب الأمريكي و الأوروبي ،
فكلاهما ينظر إلى العمليات الاستشهادية على أنها سلاح فعال في مواجهة
النفوذ الغربي في المنطقة ، و أن العمليات الاستشهادية أصبحت تشكّل ثقافة
جهادية تسري في أوصال الأمة الإسلامية ، و هذا ما من شكّ يهدّد مستقبل
الهيمنة الغربية على مقدرات الأمة العربية و الإسلامية .
فهل
تجد السلطة ضالتها في العمليات الاستشهادية ؟
الواقع أنني أرى أن
العمليات الاستشهادية التي تقدّم اليوم خدمة جليلة للقضية الفلسطينية ،
تقدّم أيضاً و في نفس الوقت طوق النجاة للسلطة الفلسطينية إن هي أحسنت
إدارة الصراع .
|