|
من الواضح تماماً أن
المقاومة الإسلامية التي فتحت جبهات عدة مع أعداء الله على اختلاف ألوانهم
السياسية و الأيديولوجية لها خصائصها التي تجعلها متمايزة في كلّ شيء عن
غيرها من حركات التحرّر في العالم ، و ذلك بما تملك من عقيدة راسخة ضاربة
في أعماق التاريخ ، و رصيد حضاري لا يمكن تجاهل أثره في معادلة الصراع
الدائر بين الأمة الإسلامية و أعدائها ، و فكر مستنير ، و مبادئ و قيم
قادرة على إنقاذ البشرية من براثن الحضارة الغربية الفاسدة المفسدة ، كما
أن المقاومة الإسلامية تعرف أعداءها جيداً الذين هم أعداء الله ، تعرف
هويتهم ، و تعرف طبائعهم ، و تعرف أهدافهم ، و تعرف عمق عدائهم لهذه الأمة
و لعقيدتها ، و تعرف خبثهم ، و تلوّنهم ، و كذبهم ، و خداعهم ، و تعرف نقاط
الضعف و نقاط القوة لديهم ، و لذا فهي الأقدر على مواجهتهم و إلحاق الهزيمة
بهم بلا منازع ، و ذلك لما تملكه من مقوّمات تجعلها غير قابلة للانهزام
منها :
أولاً
:
المقاومة الإسلامية
تثق بوعد الله و نصره للمؤمنين المجاهدين في سبيله ، كما تثق بمعيّته لها ،
و هذا يمنحها زاداً من الصبر يؤهّلها لمواصلة المقاومة حتى النهاية ، و
بهذا تكون هي أقدر من أعدائها على تحمّل وعثاء الطريق
.
ثانياً : المقاومة
الإسلامية لا تعتبر قتل فردٍ أو مجموعة من أفرادها خسارة تجعلها تعيد
حساباتها ، فلسان حالها دائما يقول (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا
إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَ نَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ
اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا
مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ) (التوبة:52) ، فقتلاها شهداء تحزَن على فراقهم و
تفرح لفوزهم ، و لكن لا تنهزم بسبب استشهادهم.
ثالثاً :
كلما قدّمت المقاومة
الإسلامية المزيد من الشهداء كلما ازداد رصيدها بين الجماهير العربية و
الإسلامية ، و ازداد الإقبال عليها و الالتفاف حولها ، و ازداد الدعم الذي
يقدّم لها سواء كان دعماً مادياً أو معنوياً ، و هذا يعني أنها بقدر ما
تقدّم من تضحيات بقدر ما تزداد قوة ، و ما من شك أنها كلما ازدادت قوة كلما
استعصت أكثر فأكثر على الكسر ، فلا تستطيع دولة على وجه الأرض مهما ملكت من
عناصر القوة أن تقضي على حركة رصيدها الجماهير .
رابعاً :
المقاومة الإسلامية
تعمل على تحقيق أهداف نبيلة سامية فهي تدافع عن حياض الأمة ، فأبناء
المسلمين يعيشون ذلّ الاحتلال أو الاضطهاد في فلسطين و العراق و كشمير و
الشيشان و الفلبين و غيرها من بقاع الأرض ، و ديار المسلمين مغتصبة ، و
ثرواتها منهوبة ، و ما من شك أن الذي يقاوم من أجل تحقيق الحرية لشعبه و
وطنه ، و من أجل حماية أبناء المسلمين و ثروات الأمة تهون عليه التضحيات
الجسام ، و لا يعرف الانهزام أبداً ، لأنه يفضّل الموت مرة واحدة في ساحة
الشرف على أن يموت ذلاً في كلّ لحظة تحت أقدام المحتلين الذين يسلبونه أرضه
و كرامته و حاضره و مستقبله .
خامساً :
المقاومة الإسلامية أو
الجهاد في سبيل الله فريضة من فرائض الإسلام ، فإذا ما اعتديَ على بلاد
المسلمين يكون الجهاد في سبيل الله فرض عين على كلّ مسلم و مسلمة في البلد
المعتدى عليه ، و ما من شك أن المؤمن يشعر بالراحة و الرضا عندما يؤدّي ما
عليه من فرائض ابتغاء وجه الله ، و لذا فالمقاومة الإسلامية لا تعرف التعب
و لا الكلل لأن ما تقوم به فريضة واجبة ، و لا أكون مبالغاً إن قلت إن
المؤمن يشعر بالمتعة عندما يقوم بواجب الجهاد في سبيل الله ، و لا يعرف ذلك
إلا من ذاق حلاوته .
سادساً :
المقاومة الإسلامية
بما تملك من رصيد عقائدي لا تعرف الصفقات على حساب الحقوق المشروعة ، فهي
لا تعرف الالتقاء في منتصف الطريق الممتدة بين الحقوق الإسلامية المشروعة و
أهداف النزوات العدوانية لقوى الشر ، فالالتقاء في منتصف الطريق يعني
التنازل عن حقوق إسلامية مشروعة لصالح أعداء الله ، و هذا يعني أن المقاومة
الإسلامية لا تنهزم سياسياً أيضاً ، و هذا يضع العدو أمام معادلة جادة و
واضحة إما إعطاء الأمة حقوقها كاملة ، أو استمرار المواجهة و الاستنزاف
الذي لن يتوقّف ، و استقرار هذه المعادلة في وجدان العدو يجعله أقرب
للانهزام منه للثبات .
سابعاً :
لقد أثبتت التجارب
المتكرّرة في أكثر من مكان أن محاولة الالتفاف على المقاومة الإسلامية ، أو
محاولة قطع الطريق عليها بخلق بدائل تقبل بتنازلات خطيرة على حساب الحقوق
المشروعة لن يكتب لها النجاح ، فالمقاومة الإسلامية بما تملك من وعي ، و
بما تشكّل من بؤرة استقطاب جماهيرية ، قادرة على إفشال كلّ محاولات الأعداء
في خلق بدائل قادرة على قطع الطريق عليها .
ثامناً :
كما أن المقاومة
الإسلامية ليست جيشاً نظامياً ، فأعداء الأمة بما يملكون من أسلحة ، و من
جيوش معدة إعداداً جيّداً قادرون على إلحاق الهزيمة بأيّ من جيوشنا العربية
و الإسلامية في وضعها البائس الحالي ، أما المقاومة الإسلامية فهي أمر
مختلف لأنها لا تحتاج إلى قواعد ثابتة ، فلا تشكّل أهدافاً سهلة لأعدائها ،
و هذا بطبيعة الحال يحيّد معظم قوة العدو التي يمكن أن يستخدمها ضد جيش
نظامي مما يعزّز قدرة المقاومة الإسلامية على الصمود و الاستمرار
.
هذه هي أهم المقوّمات
التي تملكها المقاومة الإسلامية و التي تجعل منها قوة لا تعرف الهزيمة ، و
عندما نقول إن المقاومة الإسلامية لا تعرف الهزيمة فهذا يخلق واقعاً صعباً
أمام قوى الشر و العدوان ، الذين يعيشون على العدوان و سفك الدماء و نهب
خيرات الشعوب المستضعفة ، لأن المقاومة الإسلامية ستضعهم في موقفٍ حرج جداً
، فهم لا يستطيعون القضاء على المقاومة و لا يستطيعون التعايش معها
.
فها هي أمريكا تتجرّع
العلقم في العراق و أفغانستان ، تدفع ثمناً باهظاً لعدوانها ، فقتلاها و
جرحاها بالمئات إن لم يكونوا بالآلاف ، و خسائرها المادية بمئات المليارات
من الدولارات ، و خسائرها المعنوية حدّث عنها و لا حرج ، فقد اعترفت أمريكا
أن هناك أعداداً متزايدة من جنودها و ضباطها يفضّلون الانتحار بسبب انخفاض
روحهم المعنوية على الاستمرار في مواجهة المقاومة العراقية ، و أقرّت أن
قتلى الانتحار يشكّلون 10 % من قتلاها في العراق ، كما أن استطلاعات الرأي
تثبت أن أكثر من 50 % من الجيش الأمريكي في العراق يعانون من انخفاضٍ شديد
في المعنويات ، و أخيراً أقرّ وزير خارجية أمريكا "كولن باول" أن حكومته لم
تكن تتوقّع مقاومةً بهذا الحجم و قابلة للاستمرار حتى يومنا هذا
.
و أما في فلسطين
فضربات المقاومة زعزعت ثقة الجندي اليهودي الصهيوني بنفسه و بقادته ، ففي
"عين يبرود" تمكّنت كتائب القسام من قتل الجنود الصهاينة دون أن يحرّكوا
ساكناً ، أو يدافعوا عن أنفسهم و قد جرّدتهم من أسلحتهم بعد قتلهم ، كما
تمكّنت في عملية مشتركة مع سرايا القدس من قتل جنود العدو الصهيوني في
موقعهم المتحصّنين فيه ، رغم تفوّق العدو في العدد و العتاد و الموقع
الحصين ، و ما من شك أن الاحتلال الصهيوني لفلسطين أصبح مكلِفاً جداً و
عبئاً ثقيلاً على المحتلين بسبب المقاومة الإسلامية التي لا تعرف التراجع ،
و لا تعرف الانهزام ، و لا تقبل بالمساومة على حساب الحقوق الوطنية
المشروعة .
و الإرهاب الذي مارسته
العصابات الصهيونية ضد المقاومة الإسلامية في فلسطين لم تمارسه أي قوة
إرهابية في العالم من قبل ، إلا أن المقاومة الإسلامية تواصلت و لم ترفع
راية بيضاء و لن تفعل ذلك ، و أصبح أسطورة الإرهاب في العالم "شارون" في
موقف صعب جداً فهو لا يستطيع القضاء على المقاومة الإسلامية كما وعد و لا
يستطيع التعايش معها .
و نفس الشيء يمكن أن
يقال عن المقاومة الإسلامية في الشيشان ضد الاحتلال الروسي ، و عن المقاومة
في كشمير ضد العدوان و الظلم الهندي ، و عن المقاومة في الفلبين ضد الحكومة
العنصرية التي تضطهد المسلمين في الفلبين و تسلبهم حقوقهم
.
و يبقى السؤال المشروع
: إذا كان العدو المحتل لا يستطيع القضاء على المقاومة أو التعايش معها ..
فما الحل ؟
و لا أرى إلا حلاً
واحداً و هو هروب القتلة و خروجهم من أرض المسلمين ، و توقّفهم عن ممارسة
الإرهاب ضد المسلمين ، فهل يدرك ذلك أعداء الله قبل فوات الأوان ؟
|