|
مختارات من ديوان: "رسالة إلى العيون الجريحة"
للشاعر / أبو ريم عبد الله – مصر
هي
القدس
|
هي القدس
تسبيحة في السحرْ
|
|
وزقزقة
الطير فوق الشجرْ
|
|
هي الليل
يعشقه السامرون
|
|
ونجم رشيق
يحب السهر
|
|
هي البدر
يحرسه العاشقون
|
|
ويرعاه
بالفكر من يدَّكر
|
|
هي البحر
في لحظات الغروب
|
|
به الشمس
في خدرها تستتر
|
|
هي الورد
والفل والياسَمِين
|
|
هي
الزنْبَقات وكل الزَّهَر
|
|
هي القدس
خلقٌ كريمٌ نبيل
|
|
ومن كل شيء
جميل فُطِر
|
|
هي القدس
لو أنكم تعقلون
|
|
هي القدس
لو تحسنون النظر
|
|
هي القدس
في أسرها تنتظر
|
|
وصرْخاتُها
أوشكت تنتحر
|
|
تنادي
هلموا أما من صلاح
|
|
وفكوا
قيودي أما من عمر
|
|
أيا قدس
عذرًا وصبرًا جميلا
|
|
فأمتنا خير
من يعتذر
|
|
طلبنا
صلاحًا من الصالحين
|
|
فخاب
الرجاء وضاع العُمُر
|
|
صلاحٌ
بأوطاننا مستكين
|
|
ينام مع
الجند وقت السحر
|
|
صلاح يقهقه
والغاصبون
|
|
يحيطون
مسجده بالشَّرَر
|
|
وباع
الجواد الأصيل المغير
|
|
بسوق
الحَمِير لكي يستقر
|
|
ويبحثَ
عمَّا يسد البطون
|
|
وعما يسد
الأمور الأخر
|
|
لك الله يا
زهرة العالمين
|
|
فسبحانه
الناصر المنتصر
|
****************
(2)
رسالة إلى المعتصم
يا معتصم..
في أي حصن تختبئ
ولأي حضن تلتجئ؟
المسلمات صرخن من هول
الألم
يا معتصم،
نزعت ستوري..
واستباح الروم دوري
ما عاد ثَمَّ سوى الدماء
تروي تراب الأنبياء
أفما رأيت؟
أشلاؤنا في كل شارع
في كل جامع
في كل بيت
سوّاه بالأرض الغزاة
تتناثر الأشلاء والأشياء
والأسماء
حجر هنا
رأس هناك
خشب هنا
رِجل هناك
لُعب هنا
طفل هناك
"طفلي حبيبي راح مني
نزعوه من حضني"
أواه يا "إبني"
مصوا دمك
ورموك في عُرض الطريق..
ووجهك السمح البريء يدوسه
نعل الجنود..
ولحمك الغض الطري تمر
"ميركافا" عليه
وأراه في "جنزيرها" كدموع
شمعة
تبكي من الليل الكئيب
تشكو من الصمت الرهيب
وأنا أذوب
لا شيء أملكه سوى الصرخات
والآهات..
وأدور أجمعه من الطرقات..
أدفنه حذاء أبيه
وأكفن الأحلام فيه
يا معتصم،
الروم جاءت والتتر
وعيونهم ترمي الشرر
إن كنت قي بغداد فاحذر
أو كنت في بيروت فاحذر
أو كنت في جبل المقطم في
حصون القاهرة
لا تنتظر
لا تعقدن "المؤتمر"
اخرج إليهم قبل أن يأتوا
إليك
واهجم عليهم قبل أن يثبوا
عليك
نقفور كلب الروم ينبح
نقفور كلب الروم يذبح
وكلابه البوشية العمياء
تمدح
نقفور يشرب من دمانا
نقفور يسبح..
وكلابه البوشية الفاشية
النازية الرعناء تمسح
نقفور صرح:
"من حاكم الروم العظيم
إلى حقير المسلمين،
جيشي يوافيكم غدا أو بعد
غد
وعديده من غير عد
وعتاده من غير حد"
يا معتصم،
ديوان جندك فيه آلاف
الجنود..
وبيت مالك فيه أطنان
النقود
فعلام تصمت؟
هم يحسمون خيارهم فاحسم
خيارك
عفوا قصدت:
هم يحسمون خيارهم بدِّل
"خيارك"
هم يمنعون جوارهم فامنع
جوارك
هم يحرسون ديارهم فاحرس
ديارك
وأنا أراقب عاصف الريح
البعيد..
أقول: عصف المعتصم
هو في الطريق
وأحس بالحر الشديد
أقول: نار المعتصم
هي في الطريق
ويهزني رعد السماء..
أقول جيش المعتصم
هو الطريق..
هل أنت حقا في الطريق؟
أم في المضيق؟
يا معتصم،
****************
(3)
رسالة ثانية إلى المعتصم
يا معتصم
الوقت يمضي مسرعا
وأراك تقبع خلف كرسي وثير
ما زلت تحسبها: سلامٌ أم
نفير؟!
وتحجُّ بيتَ الله عريانًا
تدور ..
وبين يديك أزلامٌ تقدِّمها:
سلامٌ أم نفير؟!
وتخاطب الصنم الكبير ..
فيخرج الزَّلم النفير
تستقسم الأزلام ثانية:
سلامٌ أم نفير؟!
زلمٌ نفير
فتسبُّ ربك في الضمير
وتدور تبحثُ عن مشير
عن مُخرجٍ يفتيك بالأمر
الأثير
فتقدِّم الجملَ الصغير ..
فداءَ أعباء النفير
يا معتصم
وصلتك أحزاني على موجِ
الأثير
وتئنُّ آهاتي بـ "لندن" كل
ساعة:
خمسون بيتًا دمرت
من هولِ قصفِ الطائرات
عشرونَ طفلا أحرقوا
وكذاك بعضُ الأمهات
فتُحوِّلُ الموجاتِ مغمومًا
إلى "صوتِ العرب"
و"حليمُ" ينشد أغنياتِ
الحبِّ والحُلم البعيد
وتذوبُ آهاتي معَ الموجاتِ
تغرقُ في الحديد
يا معتصم
إن كنت تشربُ في كئوسٍ من
ذهب
ماءً نمير
فجماجمُ الأطفالِ كاساتٌ بها
دمنا الطهور
إن كنت تأكلُ لحم طيرٍ أو
بعير
فلحومُنَا فوقَ القدور
إن كنت ترفلُ في الحرير
فكساؤنا نارٌ تمور
يا معتصم
لَمْلِمْ إِزَارَك
يا معتصم
الدارُ دارُك
يا معتصم
الثارُ ثارُك
يا معتصم
طالَ انتظارُك ...
****************
(4)
رسالة إلى العيون الجريحة
أيتها العيون يا أيتها
العيون
في ناظريك الشوق والحنين
والجرح والدماء
ورغبة البقاء
وضجة الأنين
أيتها العيون
خطَّان أسودان في الخدين
كنخلتين جفتا
مجدبتين
ملح الدموع يقتل النضارة
ويجلب انكسارة
ما زلت تندبين يا أيتها
العيون
وتصرخين للشهيد والفقيد
والوليد
يحصده الجنود
وتحلمين بالبعيد والطريد
واللاجئين ...
وتحرثين كبد السماء بالدعاء
ليذهب البلاء
لتمطر السماء
فينزل الماء الذي يثبت
الأقدام والإباء
ويغسل القلوب والعقول
والعيون
أيتها العيون
في ناظريك الرعد والسكون
والشك واليقين
تنتظرين الخيل عاديات
والنقع في آثارها يسد عين
الكون
تنتظرين الخيل
بيضاء أو سوداء أو من أي لون
صهيلها أمامها يقتحم الصحاري
ويرعب الضواري
تنتظرين الخيل
في الصبح أو في الليل
وحامل اللواء
والقائد المقدام في أوائل
الصفوف
يشير باليمين لليمين
وباليسار لليسار
فيصعد الغبار
وتلمع السيوف في القتام
فيولد السلام
لكنها أحلام .....
أيتها العيون
تستغرقين في الخيال
لكن تفيقين على صوت الحجر
يصارع الصاروخ والقنابل
.....
يعشش الدخان والغبار في
الهواء
كالنقع في الصحاري
وتقذف النساء بالعويل
كالخيل بالصهيل
وقائد أصابه السعار
يشير باليمين واليسار
يخلف الخراب والدمار
ويقتل الكبار
ويأكل الصغار
ويشرب الدماء والأنهار
.....
تحترقين
أيتها العيون
والمسرح الملعون
ما زال فيه من يشاهدون
صامتين
وشاجبون منكرون
والكل قاعدون
ولا يقدمون أو يؤخرون
بل يؤخرون
.......
أيتها العيون
المسرح الملعون ملعون وإن
صلى وصام
المسرح الملعون ملعون إلى
يوم القيام
أيتها العيون
لا تغلقي الجفون
وغلبي اليقين
ما زال في الحياة مؤمنون
وسوف يظهرون بعد حين
عما قريب
سوف يظهرون
|