الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

أحدث الإضافات

 

عودة

 

 

ويتدفق النهر!

 

جهاد الرجبي

 

 

 

تشتعل الأرض.. بخار حارق يتصاعد من الأفواه المنشقّة عن التكبير، الأيدي تعانق حجارتها، ومن أعين الأمهات يتساقط المطر!

 

نار في كل مكان، وفي كل الزوايا! على السطوح المهملة، وفي حوض الزهر، على الشبابيك العتيقة حيث يحلو لليمام أن يغازل النور.. نار في الصمت، وفي أذيال الكلام! نار في الأيدي، وفي غبار الخطوات! نار تغذّي الأرض، تعدها بالغليان، تسكب حممها غضبا، وتنثر شظاياها الحارقة على وجه المكان..

لم يعد يرضيها التسلل خائفة خيوط النور! لم تعد تقنعها خطط الحذر، أو تثنيها عن الصراخ تعاليم الحيطة ومخاوف القاعدين في العتمة.

 

كلاهما يتعذّب بالغضب! يفرّ من بين أيديهما النوم.. ثقيلة ملابسهما! شيء ما يخنقهما والصمت! يحاولان كسر زجاج النافذة الوحيدة في غرفتهما لعلّ الهواء يصل إليهما، لكنهما سريعاً ما يلقيان بجسديهما على الأرض محمّلين بالعجز والحيرة..

شهاب كعادته يبحث عن سجائر، يتلفّت حوله بضيق شديد، ثم يصيح باحتجاج:

ـ ألن تكفّ عن سرقة سجائري؟

حاربه عبد الوهّاب بالصمت، فاشتدّ غضبه! أمسك بصندوق السجائر الكرتوني، احتجزه داخل كفه، وضغط عليه بقوة، رماه بعيداً وهو يصرخ كقطة حبيسة:

ـ لم أعد أحتمل! أتفهم؟ لم أعد أحتمل!

أسند رأسه إلى بندقيته، ثم قال بشيء من الهدوء محاولاً إغراءه بالكلام:

ـ لا بد أن هناك من يشعر بالقلق مما يحدث.

كان عبد الوهّاب يزفر بمرارة وهو يحاول رسم الكلمات على شفتيه المتيبستين:

ـ أيها الأحمق! لن نكون أكثر من خبر يحزن البعض، ويثير مخاوف البعض الآخر، لكن أحداً لن يقلق من أجلنا!

ثم أكمل بسخرية:

ـ وما الجديد فيما يحدث؟! اليهود يتسلّون بالرصاص، يحتفلون بدولتهم، وبنصرهم الذي حاكوه من خيوط صمتنا الذي لا ينتهي!

بنفاذ صبر صاح شهاب:

ـ عن أي صمت تتحدّث؟ والحجارة تتساقط كمطر ثقيل فوق الرؤوس، الصغار لم يعد ممكناً إيقافهم! الناس هنا.. كل الناس نزلوا إلى الشوارع..

صمت قليلاً، ثم قال وهو يبتعد بوجهه عنه:

ـ ونحن! ماذا عن رصاصنا؟! أيمكننا حقاً أن نقيّد الأيدي التي تحاول النيل من الجنود، أيعقل أن نكتفي بمراقبة شعبنا يتساقط جرحى وشهداء وبأيدينا رصاص هو كل ما يتمنى؟ كيف يكون مشروعاً قتلنا وحراماً دفاعنا عن أنفسنا؟

سحب عبد الوهّاب من الهواء نفساً عميقاً، ثم قال وهو يفرك أنفه بشدّة:

ـ علينا أن نوقفهم! ونبتعد عن التصعيد.

ـ هل سمعت عن حجر أوقف نهراً؟

أجاب عبد الوهاب وهو يتمدد على الأرض تاركاً سريره لشهاب:

ـ لهذا أعادونا إلى الوطن، حجارة همّها أن تصطف لتوقف النهر! وسواء توقّف النهر أم جرف الحجارة، وحدنا الخاسرون في هذه اللعبة!

ـ ولماذا نشارك في لعبة خاسرة؟!

ـ لكي نعود إلى الوطن!

ـ ما فائدة العودة دون غار المنتصرين؟ نعود لنموت قهراً، ونحن نعمل على حماية أناس كنا نسعى لقتلهم!

ـ لا بد أنك متعب!

ـ وأنت؟

نظر إليه بعينين ذابلتين، ثم ترك العتمة تسكنهما، بينما يفتشّ شهاب عن أعقاب السجائر، لعلّه يشعل واحدة منها.

الجوع يتسلل إليهما، لكن حاجتهما للنوم جعلتهما امتداداً للعتمة..

الليل الهادئ لا يمكنه أن يخدع أحداً! جرحى! دم ودمع وزغاريد حزن! ثكالى وأرامل وأيتام، وأطفال يصعب الإمساك بهم وقد تذوقوا حلاوة التكبير! تجوّل في عيون العائدين إلى الوطن ببزّات الأمن لتتلمّس عيونهم، وتتحسّس بقايا الدمع فيها، لتكتشف كم هم غرباء!

 

ينادونه شمشون! إخوته الكبار يغيظهم أن يسرق ابتسامة أمهم كل صباح، ووجهه الضاحك يسلبهم حنقهم حين يبالغ بابتزازهم، ويجبرهم على فعل ما يريد.. ذلك الصغير المدلل يمنحهم الضحكة الكافية، ويمنحونه كل ما لديهم!

كثيراً ما أمسك به شقيقه الأكبر يعبث بأشيائه! وعندما يشرع بمعاقبته يتصدى له الجميع، كلهم يتمنون لو أنه يضربه! ورغم ذلك ترتفع أيديهم لحمايته.. شمشون المجلل يغيظهم، ويسعدهم! حتى شعره الطويل الذي يخدع الناس فيظنونه بنتاً يحمل ذكرى شهادة والدهم، فمنذ ذلك الزمن لم تسمح أمهم بقص شعره!

 

شمشون ابن السادسة تعلم بسرعة، وعرف أبجدية الحجر، حاولت أمه أن تحتفظ به في حضنها الدافئ، لكنه عنيد، ويريد أن يكبر مثل إخوته بسرعة.. في فلسطين الموت البطيء يصبح كل شيء ممكناً!

لا شيء في الغرفة التي حملت فزع أمهم سوى تمرّد شمشون! أشقاؤه الخمسة يحاولون طمأنتها، بينما يصيح شمشون بضيق:

ـ علينا أن نخرجهم! أن نطردهم! هم الذين قتلوا أبي.

بتنهيدة مريرة قالت وهي تشد على يده:

ـ وسيقتلونك إن ألقيت الحجارة!

زمّ شفتيه بتحدّي:

ـ لا بأس! إن كنت سأجد أبي هناك.

ـ هزّته بيديها لعلّها تخيفه:

ـ هناك موت!

ـ هناك جنة!

بكت، أفلت نفسه من بين يديها وهي تشهق بالبكاء، ثم عاد إليها يحضنها:

ـ لا تقلقي! لن يقتلني أحد.

ثم أكمل بضحة مدويّة:

ـ سيظنونني بنتاً!

ضحكت الدموع في عيني أمه، وضحك أشقاؤه، وكل منهم يتمنى لو أن أمهم تستطيع إجبار شمشون على البقاء في البيت!

شهاب حائر! لا يدري إلى أين ستودي به الأيّام، غضب عارم يأكله ويجعل جوفه امتداداً لنيران إطارات الملثّمين! لكنه يتجرّع الصبر مرغماً وهو يعرف في قرارة نفسه أن لا مفر من المواجهة!

قال لعبد الوهّاب بأنفاس مرهقة:

ـ أكاد أختنق!

ـ كلنا نختنق بسبب هذه الغازات اللعينة!

ـ أشعر أنني أخون هذه الأرض! لدي رصاص، وليس لديهم سوى الحجارة! عبد الوهاب أتذكر كم تمنينا أن نكون هنا لنكون معهم؟!

ـ نحن هنا لنوقفهم!

ـ أوقف رصاص اليهود إن كنت تقدر! احم هؤلاء الصغار من الموت أو الشلل برصاصهم، دافع عن وطنك!

صاح عبد الوهّاب بغضب:

ـ هذا ما يريده الصهاينة أيها الأحمق! سال لعابنا حين لوّحوا لنا بالسلام، اعترفنا بدولتهم التي نسجوها من جلودنا، وفتحنا لهم بأيدينا بوّابات العالم ليدخلوها منتصرين! فعلنا كل شيء، تنازلنا حتى عن أنفسنا، عن ثورتنا، وعن أحلام المعركة التي خلقت منا أبطالاً.. يحتقروننا! ويمنحوننا فتاتاً لا يشبع عصفوراً، يطلقون علينا رصاصهم، ويجبروننا على الالتزام بخططهم، يجمعوننا في سجون كبيرة، متفرقة، يديرونها من بعيد باسم الدولة الوليدة!

ـ ما دمت تعرف كل هذا، لماذا لا تقاوم؟!

ـ هم يريدوننا أن نثور! إن تحققت الفوضى من خلالنا لن يرحمنا أحد، وسيكتفي الصهاينة بما حققوه من مكاسب السلام، ووحدنا سندفع الثمن!

ـ إن كان حقاً ما تقول، علينا أن نثبت حسن النيّة إلى الأبد!.

طأطأ برأسه إلى الأرض، لكنه انتفض فجأة، حين أخطأته رصاصة مطاطية انطلقت من سلاح إسرائيلي! ركض هو وشهاب يحاولان إبعاد الصغار المسلّحين بالحجارة.

شهاب ظن شمشون بنتاً، فأمسكه من ذراعه وهو يصرخ بشدّة:

ـ ارجعي إلى أمك!

لكن شمشون عاد من جديد محمّلاً بالحجارة! وبنظرات ازدراء مزقت وجه شهاب وكفيه!

بينما يقول الآخر لعبد الوهّاب محاولاً جرّه للمقاومة:

ـ أرأيت يا رفيقي؟ لا يفرّقون بيننا وبينهم! أمام الرصاص الإسرائيلي كلنا سواء.

عبد الوهاب يلوك الغضب وهو يركض في الطريق المفتوح على الموت، يتمنى لو يقدر أن يحمي كل هؤلاء الصغار، يستطيع أن يتخيّلهم كيف يفكّرون! بيروت حملت له الكثير، وزرع المنفى في عينيه شوكاً ظن أصابع الوطن تقتلعه! فإذا بسلام خاسر يرويه بالغدر.

شهاب يلحق به:

ـ لماذا لا نكون جزءاً من ثورتهم؟ قد نصبح ورقة يضغط بها السياسيون في المفاوضات. إسرائيل التي أرهقتها الانتفاضة لا أظنها تغامر بصنع انتفاضة أشد شراسة!

ـ بل ستقضي على شعبنا أيها الأحمق، وستصورنا جيشاً من الانتحاريين!

ـ وأشقّاؤنا؟

ـ علينا أن نتعلّم أن نقف مع أنفسنا قبل أن نطالبهم بالوقوف إلى جوارنا.

ابتعد شهاب بوجهه وهو يصرخ:

ـ عبد الوهّاب أنت جبان!

ـ وأنت يا شهاب أحمق!

ـ تعال معي نركض مع الصغار، لدينا أكثر من الحجارة!

ـ إياك أن تطلقا لنار باتجاه الجنود، سيثور الناس أكثر، ولن نمنحهم سوى الموت.

ـ هم خرجوا للموت!

ـ مهمّتنا أن نحافظ على حياتهم!

ـ بالصمت؟

أراد عبد الوهاب أن يقول شيئاً، لكن الأصوات علت بالتكبير فجأة! وعاد تراشق الحجارة بقوة، بينما زخّات متواصلة من الرصاص المطّاطي والحي تخترق الهواء والأجساد.. حملوا الجريح بسرعة، بينما يلاحقهم الجنود!

كان شمشون وحيداً! وكان بعيداً! إحدى سيّارات المستوطنين كانت تسير متحدّية الحجارة! أراد شمشون أن يهرب منها، رمى حجره باتجاهها، لكنها أسرعت نحوه بإصرار، شهاب شاهده من بعيد، ركض باتجاهه وهو يصرخ: «ابتعدي! ابتعدي!».

 

شمشون يلهث! يحاول الهرب لكن المستوطن يصرّ على رصف الشارع بجسده الغض، بينما يطلق شهاب الرصاص على السيارة.. الجسد الرقيق تمزق تحت العجلات الثقيلة، وما من أحد سمعه يصرخ! دمه أشعل الأرض قبل أن يشعل أيدي الملثّمين بالغضب! كان شقيق شمشون يصرخ وهو يركض باتجاه السيّارة التيي رجعت ثانية على الجسد الممزّق لتفتّته! نار تسري في عروق شقيقه وهوي رى شعر شمشون وقد انفصل بجلد رأسه عن بقية جسده المفتت! صاح محترقاً بالقهر: «الله أكبر! الله أكبر!» لتتوالى التكبيرات من كل مكان، ولينطلق الرصاص من جديد، ولكنّه من الطرفين هذه المرة!