قراءةٌ شعريَّةٌ في المسيرةِ الجهادية لـ"محمود
أبو هنود"
بقلم : سمير
عطية
روعةُ
الفصلِ الأخير من حكاية شهيد
|
*الإهداء
........
إلى شمس
الوطنِ المزروعة في فضاء الوطن رغم ليل الاحتلال ...
إلى من
تناثرت أشلاؤه ولم يتناثر حلمُهُ على درب القدس ...
إلى زهرة
الليمون التي عاشت في روابي الوطن ، تبحث عن محمود وتتمنى
لقاءه ...
إلى
الشهيد وأستاذ الاستشهاديين " محمود أبو هنود " ...
إلى روحه
التي تُحلِّقُ في سماء المجد ، وإلى كل من سار على دربه وما
بدلوا تبديلا .
أُهدي
قوافي الشعر المصبوغة بالدم واللهيب ، والإيمان والصمود
..
أقفُ
بكلِّ خجل أمام بهاء دمه ... أُقدِّم هذه الدراسة المتواضعة
التي تأتي مع أريج الذكرى الأولى لاستشهاد هذا القائد المجاهد
. |
*مقدمة :
أطلَّت
انتفاضةُ الأقصى على أرض الإسراء والمعراج ، فأسرجت قناديل الشهادة
،وأطلقت شهب التضحيات في ليل الاحتلال البهيم ، وارتدت فلسطينُ
ثيابَ الفخر والمجد من جديد ، وانطلق الشعب يُعيد حكايات الجهاد
والمقاومة بَعد أنْ ظلَّتْ مُحاصَرةً في سنين أوسلو العجاف
.
وبين
الأطياف العُمْريّة المختلفة من أبناء الشعب المجاهد القابض على
جمر الفداء والإباء ، تذوب فوارق السنوات ، فبيَن شيخٍ متُمَسِّكٍ
بحُلمِ الوطنِ المقدَّس إلى نساء " تعجن "
للأطفال الخبز بماء الصبر وملح الأرض ، إلى
فتيات تحولت أشواقهن إلى أشواق بطولة وتضحية إلى أشبال وأطفال كتبت
على وجه الحجارة قصص ثبات وأغنيات صمود ، وانتهاء بشباب عاشوا في
نبض الوطن ، في جرحه ونزفه ورصاصه وثأره ، متشبثين بالزعتر
والليمون ، يلهج في وجدانهم قسم رب العزة ب"التين والزيتون " ،
ويسكن في مآقيهم طيف المسجد الأقصى ، هذا الذي يحن إلى أناشيد
الفاتحين بعد طول نحيب وعويل في ربوعه .
من هذه
المساحات المسكونة بالألم والأمل أقبل علينا يحكي لنا فصولا من
حكايات البطولة ، مضمخة بالدم الزكي والدمع المسكوب ، إنها سطور
شعرية مضيئة ، كيف لا ونحن على أعتاب بوابة من بوابات الشهداء
الذين اختلطت دماؤهم بدماء الأنبياء الأكرمين ، وعانقت أشلاؤهم ثرى
الأرض الحبيبة أرض الإسراء والمعراج
صنعَ
البغيُ فيكَِ أيتها الأشلاءُ ما شاءَ آفكٌ أنْ يكونا
إنه
باختصار، ذلك البطل الذي يحمل الإيمان في صدره ويقبض على الزناد
بإصبعه ، أكادُ ألمحُ طيفهُ في هذه القوافي المنتفضة من قصيدة
الشاعر غازي الجمل :
يا بن الذي
ما زالَ في محرابِ حيفا لاهجاً بالذِّكرِ قائمْ
يا بن الذي
ما زالَ في أحراشِ يعبد يحملُ الرَّشاشَ يزهو بالعمائمْ
إنها
بالفعل صورة أدبية جميلة ، حين ينقلك إلى الجو الجهادي الذي عاشه
الشهيد عز الدين القسام عليه رحمة الله ، بين جامع الاستقلال في
حيفا حيث بداية الطريق في مقاومة الاحتلال ،وبين أحراش يعبد بداية
الانتقال إلى معراج المجد والشهادة ، كيف لا وشهيدنا يحمل حُبَّ
هذا الشيخ الجليل في حناياه ، ولذا تستشعر في هذه الأبيات ربطا بين
الماضي والحاضر ، بين الشيخ والتلميذ في صورة إيحائية بديعة
.
*****
*محطات جهادية :
لا أدري
بأيَّ سطورٍ سوف أكتب عن هذه التضحيات ؟
لا أدري بأي
حروف سأحكي ؟ أو بأي لسان سوف أروي شيئا من رباعيَّة ( الإبعاد
والأسر والمطاردة والشهادة ) ؟!
هل نحكي عن
"مرج الزهور " وصمود محمود أبو هنود مع إخوانه على حدود الوطن
يرسمون بالصمود خريطة العودة ويسطرون بالثبات الطريق إلى الديار ؟
أم نحكي عن
تجربته خلف "بوابة الأحرار " ولسان حاله يقول " على بوابة الأحرار
يا أماه لاقينا " ؟
هل نحكي عن
المُطارَدْ والمُطارِدْ في نفس الوقت ، يذيق الصهاينة العلقم الذي
يشربه الشعب وتتجرعه الأمة من أيديهم ؟ هل نحكي عن أشلائه وهي
تعانق ثرى الأرض المقدسة ؟
عن أيِّ فصلٍ
بطوليٍّ نحكي ؟؟
هذه التساؤلات
تأتي مترابطة مع طبيعة القوافي في الصورة الشعرية للمعركة ، فهي
جزء منه وهو جزء منها
المشهد الشعري
في فلسطين تتشابك فيه الأجزاء الشعرية مع التاريخية ، والسياسية مع
الاجتماعية ، إنه مزيج عجيب ، تتشكل منه صورٌ أدبية جميلة ، مغرقة
في الوجع ، محلقة في الكبرياء ، من هنا كان الوقوف عند بعض المحطات
في تاريخ فلسطين وقوفا ضروريا لفهم طبيعة المشهد الشعري والدوافع
الشعورية التي حثت الشعراء على التفاعل مع هذه الأحداث ، والانصهار
إبداعيا في هذه المحطات يُشكلون منها لوحات شعرية
لأدب المقاومة
، الذي جاءت الانتفاضة فبثت فيه روحا جديدة كان الشهيد هو لحنها
الأجمل ولغزها الأروع ، وهذا ما رأيناه في مطلع تساؤلات القوافي
عند سمير عطيه :
ويُسائلونَ عن
اسمهِ ، عنْ عُمرِهِ، منْ أيِّ دارْ ؟!
عنْ روحِهَِ،
عنْ حُلمِهِ، عنْ عزمِهِ مِنْ أيِّ نارْ
ويُسائلونَ
عُيونَهُ منْ أينَ يأتيها الشَّرارْ
منْ أينَ
يأتيها النَّدى، رغمَ الرَّدى، رغمَ الحِصارْ
******
*البداية من
الوصِيَّة :
دعونا نبدأ
من النهاية ، عفوا من البداية !! فالشهادة هي أولى محطات الإنسان
إلى الخلود ، وإذا كان محمود أبو هنود "رحمه الله تعالى" قد صار من
حكايات الشهداء فتعالوا معنا لقراءة مطلع وصيته ، نعم مطلع الوصية
لنبدأ معها قراءة حكاية الشهيد شعريا ففي مقدمة الوصية مباشرة وعقب
البسملة ، استشهد ببيتين من الشِّعر مهّد فيهما لما يقول :
كتبتُ وَقدْ
أيقنتُ يومَ كِتابتي بأنَّ يَدِي تَفنى،ويبقى كتابُها
فإِنْ عَمِلتْ
خيراً سَتُجزى بِمثلِهِ وإنْ عمِلتْ شراً عليها حِسابُها
وهنا
يستوقفنا الاستشهاد الشعري خاصة وهو يأتي من قائدٍ مجاهد، له
محطات من العطاء الشيء الكثير وهذا مما يجعلنا أكثر استبشارا ونحن
نقرأ هذه الحكاية الجهادية بعيون شعرية ، خاصة وأنه في ثنايا وصيته
يحث على التمسك بهذا الطريق الذي تهون التضحيات وترخص في سبيل
المعالي : " مزيداً من الالتفاف حول
راية الجهاد فمن طلب الحسناء لم يغله المهر" .
*****
* أُذِنَ
للَّذينَ يُقاتَلونَ بأنَّهم ظُلِموا :
لم يكن محمود
أبو هنود يزرع الأرض دمارا ، أو الديار خرابا .
لم يقتلع عيون
الصبح ، لم يحرق شواطئ الحنين في البلاد البعيدة ، لقد عاش في
دياره السليبة وهو يرى الظلام يغرس الخوف في فضاء المدائن ، بل
الذي حدث هو العكس فما جرى له ولأبناء وطنه وأمته كان بسبب ما سببه
الاحتلال الصهيوني في طول البلاد وعرضها ، لذا كان من الطبيعي أن
يهب لنجدة وطنه وهو يرى هذه المشاهد التي صورها الشاعر الدكتور
محمد صيام في ثنايا قصيدة مهداة إلى " أبي هنود " :
|
وثَرَى
الجُدودِ - وبُورِكَتْ أنْحاؤُهُ
|
|
يَغْزُوهُ جيشُ ثَعالِبٍ وقُرُودِ |
|
فإذا
رَوَابي القُدْسِ تَخْضَعُ – في شَجىً |
|
لتعاسَةِ التَّدْنِيسِ والتَّهْوِيدِ
|
|
والمسجدُ الأقصَى يَئِنُّ منَ الأسَى
|
|
ويَعِيشُ تحتَ الذُّلِّ والتَهْدِيدِ
|
|
ويكادُ يخلو - في الحوادِثِ -
ساحُهُ
|
|
مِنْ
رُكَّعٍ - مِنْ أهلنا - وسُجُودِ
|
|
والمُجرمونَ يُعَرْبِدونَ بأرضِنا
|
|
وذِئابُهمْ تَعْوِي بكلِّ صَعِيدِ
|
*****
*مرج الزهور
…ألم الفراق وطمأنينة الصمود :
تماما
مثل صوتٍ يهدرُ بالكبرياء ويملأ الفضاء بأريج البطولة ،مثل فارس ٍ
لا ينزل عن صهوة جواده إلا ليحكي بالبذل والتضحية والبطولة أجمل
الحكايات في حبِّ الوطن .مثل أروع الفرسان يُقبلون من بعيد ،
يعرفون كيف يُسطِّرون بالفداء ثلاثيَّةً تفيضُ بالعطاء والدماء
.
قصصٌ أتعبت من
بعدها ، وحلّقت في سماء المجد ، وتركتنا بين الأوراق حيرى ماذا
نكتب أو كيف ومتى؟؟ نُعزِّي أنفسَنا بحبهم ونرى في هذه السطور جزءا
من الوفاء لهم .
أقماراً كانوا
في مرج الزهور ، وعادوا ليواصلوا السير في درب الأشواك ، فعرفتهم
زنازين الاحتلال الصهيوني كما ذاقوا أيضا من مرارة ذوي القربى في
سجون سلطة الحكم الذاتي ، احتضنتهم مغارات الجبال ، حتى جاء الوعد
بالأماني وانطلقت في فضاء فلسطين الأغاني تُبشِّرهم بالشهادة
وتلوعنا بالرحيل. وهكذا عانقوا الحلم الأغلى ونالوا الوسام الأروع،
وسام الشهادة . فماذا كتبت عنهم القصائد بعد أن كتبوا بالدماء
أغلاها وأحلاها ؟
إذا عدنا
في البداية إلى منطلق الملحمة في مرج الزهور، نجد أنَّ الإبداع
الأدبي قد سار في خطين متوازيين أولهما ما كان من نتاج المبعدين
أنفسهم من قصائد سارت بها الركبان ، وثانيهما ذلك البحر الشعري
الهادر الذي طغى واقتحم هول الصحراء القاحلة من كل مناصر لهم ،
يشيد بهم ويحثهم على الثبات ويفضح من خذلهم . وإذا قلنا إن مرج
الزهور كانت ملحمة جهادية فإننا لا نبالغ في ذلك ، فهذه قصيدة
الشاعر " خالد أبو العمرين " حملت عنوان
: ملحمة النار والثلج والكتائب وهي قصيدة طويلة جدا أهداها إلى
الذين أطلقوا الرصاصة الأولى منذ العشرينات –جماعة
القسام- وإلى أحفادهم الذين يواصلون مسيرة البطولة –كتائب
عز الدين القسام- وإلى الأربعمائة فارس في مرج الزهور ، درر
الياقوت في جبين الأمة. وما بالنا نُطيل عليكم ، تعالوا لنقرأ سويا
ما قاله فيهم :
الميمُ، أنتمْ
مهجةُ الوطنِ الذِّبيحِ على الصُّخورْ
والباءُ ،
بيتٌ قدْ بناهُ لنا المجاهدُ في الصُّدورْ
والعينُ،
عادتْ رايةُ الإسلامِ ريّان الجذورْ
والدّالُ،
دمعُ مآتم ِالزّيتون ِ في كلِّ الدُّهورْ
والواو، وعدُ
الله بالنصرِ الكبيرْ
والنوّنُ نبني
ما انهدمْ
فالمبعدونَ
همُ القِممْ
***
وكما نرى
فإن الصور والمعاني تراوحت بين الألم والأمل ،لكن الإصرار على
بناء الأمل كان هو الخيار الحقيقي الموجود ، والثقة بنصر يُطل من
وسط حلكة المحن .
لقد كانت
عيونهم مشدودة باستمرار إلى العلياء ، إلى الفوز العظيم بالشهادة ،
وهذا ما نرى شيئا منه في قصيدة المُبعد يومها فتحي عمرو :
خطَّ الشهيدُ
بماءِ المسكِ أنوارا... وزفَّتْ الحورُ في الجنّاتِ مغوارا
يَشري الشهيدُ
بروحِ العشقِ جنَّتهُ... ويسكن الروح في الجنَّات أقمارا
روحُ الشهيدِ
بدارِ المجدِ قدْ رُسمتْ... وتسبقُ الشُّهَب في العلياء إكبارا
لقد عاشت
روح الشهادة في وجدان المبعدين ، فكانت نبضا لا يتوقف ، وعشقا لا
يذوب ، ولذا لم يكن غريبا أن تكون أسمى أمانيهم و"كلمة السر " التي
تقف وراء هذا التفاني في بذل الغالي والنفيس من أجل أن تكون
مستقرات أنفسهم في جنان الخلود. ولذا مثّل رحيلُ الشهداء بالنسبة
إليهم سلوى وسكب في صدورهم البشرى . يتجاوزون فيه ألم رحيله عنهم،
ولعل مرد ذلك يرجع إلى أنهم لا يريدون من ألم رحيل الشهداء أن
يجتمع مع ألم فراقهم وبالتالي يشكل نزيفا معنويا لهم . فتغلب
الكبرياء على الوجع . من هنا لم يعد مُستغربا بعد ذلك أن تُمثَّل
هذه المحطة الجهادية نوراً وضاء في المسيرة .
أستطيع
أنْ أقول إن َّالقصيدة الجديدة التي جاء عبقُها من " مرج الزهور
" ، هي القصيدةُ الأكثرُ دهشةً في تاريخ قصيدة المقاومة الحديثة ،
لا لأنها ابنة انتفاضة الأقصى بزخمها وروعتها فحسب ، بل لأن
قوافيها تمتد في شرايين الحكاية الفلسطينية الحميمة المتجددة
بالدماء ، و التي تنبضُ مع نزف الجرح القابض على جمر الحنين
.
*****
* ومن عصيرةَ
درسٌ أيضا :
المشاهد
الشعرية التي قيلت في الشهيد من أكثرها زخما وإثارة وحضورا ، وهذا
يرجع لعدة أسباب أهمها خوضه جولات جهادية هامة استطاعت أن تفتن
قصائد الشعراء ،وانعكست هذه المحطات إيجابا على ضمير الأمة
التقطت فيها شيئا من أنفاسها قبل انتفاضة الأقصى.
قاوم ...هي
نبض شعري آخر لذلك الوهج الذي يتلألأ في ليل المطاردين ، نراه في
الملحمة الشعرية التي صاغها الشاعر غازي الجمل تخليدا لبطولة
محمود أبو هنود في عصيرة الشمالية ...ولكن أبا هنود قد رحل وعانقت
دماؤه ثرى الوطن ولكن هذه المرة ليرحل جسدا ويبقى في ضمائرنا
. إنها حكاية القصيدة التي قلنا عنها قبل قليل
ولكن معركة مثل التي خاضها أبو هنود قبل استشهاده بشهور توجب علينا
التوقف عندها نشتم شيئا من عبير بطولات أحفاد القسام .
هي رحلة الجهاد التي تتنوع مراحلها وتختلف
مشاهدها في " الدراما" الجهادية لكنها تبقى في النهاية لوحة من
لوحات الأبطال على أرض البطولة والنضال :
قاومْ
..
عصيرةُ
بانتظاركَ وهيَ عطشى أنْ تراكَ تُلقِّن الأعداءَ درساً في الملاحمْ
وتذيقهمْ طعمَ
المنونِ على المخازي والجرائمْ
ويقولُ يا
أماهُ غنيِّ زغردي ، لما رأيتُ جموعهمْ حَولي …رأيتُ
النَّملَ حائمْ
أشرعتُ رشاشَ
المبيدِ وكانَ في الآثارِ حاسمْ
فهو الذي قدْ
تاقَ شوقاً أن يُروِّي نفسَهُ
منْ دمِ
هاتيكَ الجماجمْ
وهي ملحمة
بطولية تكتمل عندما يتمكن من تركهم في الساحات تُحيط بهم رصاصات
انكسارهم وانتصاره ، لكنه انتصار ينزف بالتضحيات وتكلله دماء
الصمود :
حتى إذا نفذَ
الرصاصُ من السلاحْ
خرقَ الحصارَ
وراح يزحفُ نحو نابلس الأبية والجراحْ
تقبلُ
البطحاءَ في أرض القداسة وهو للبطحاء لاثم
*****
*على بوابة
الأحرار :
تتألقُ
الحكايةُ في موقفٍ آخر ، إنه غناءُ الحنين الذي ينسجم مع الحلم
بالتحرير فلا نكوص أو وهن ، ولا ضعف أو خور، إنه مشهد آخر للصابرين
الذين يبذلون ما يستطيعون، يستمدون من الصبر والإيمان عدة النصر
المبين و"سرَّ وردِ الياسمينْ " في حيرة الأسئلة ولهفة القلوب عند
الشاعر سمير عطيه :
ويُسائلونَ
قيودهُ عنْ سِرِّ وردِ الياسمينْ
كيفَ التقتْ
تلكَ الحكايا عندَ قضبانِ الحنينْ
كيفَ
المواويلُ الحبيسةُ في قلوبِ الصَّابرينْ
غنَّتْ فأدمتْ
في الليالي مهجعَ الظُّلمَ الدَّفينْ
***
إنَّ
محطّة خروجه من سجن " ذوي القربى " ونجاته من قصفٍ صهيوني للمعتقل
،هيَ محطةٌ أخرى وحلقة من حلقات هذه الحكاية نقرأُ سطورها في نَفسٍ
شِعْرِيٍّ يحملُ روحَ التَّحدي، كما جاء في قصيدة "وليد أبو هنّود"
وهو أحدُ أقرباءِ الشهيد ذاته:
وسلَّمهُ
الإلهُ وقدْ حماهُ …لهُ منْ عمرهِ عمرٌ
مديدُ
أَتوهُ
بطائراتِ " الإفِّ" حمقى …بسجنٍ فيه
،تمنعهُ القيودُ
فخابوا في
مقاصدهِمْ خزايا… فنالَ سلامةً، خسئَ
الحقودُ
*****
*روعةُ الفصلِ
الأخير :
أسئلةُ
الأحبة تتواصل ، تغمرها اللهفة وتُحيط بها اللوعة،، وهي على رغم
هذه الأسئلة لكنها تعرف أنه قد مضى ، ورحل مخضباً بروعة الشهادة
في الفصل الأخير الذي يُصور عناق الدماء بالراية ، وهي انعكاس
للقلوب التي أدهشتها التضحيات وقلب الشاعر سمير عطيه واحد ٌمنها:
ويُسائلونَ
دماءهُ والعشقُ يحتضِنُ العلمْ
عنْ روعةِ
الفصلِ الأخيِر بقصَّة البطلِ الأشمْ
سحبٌ تعانقُ
بالفضاءِ شموخَ هاتيك القممْ
فهناكَ أشواقُ
المدى ، وهناك تنتفضُ الهممْ
***
دماءُ "
محمود " التي روت أرض الإسراء ، بعثتْ
في نفوسِ الصهاينة لغزاً لا يفهمونه ، لغز الإرادة التي تسري في
ضمير أمتنا بعد استشهادِ كُلِّ بطلٍ من أبنائها، هذا اللُّغز
نراهُ جيداً في قصيدة الشاعر محمد صيام وهو يُلقي بياناً شعريا لا
تهزُّه الجراح :
وتساقطتْ
أقمارُ أُمَّتِنا علَى
أرضِ الجدودِ الأكرمينَ الصِّيدِ
والشُّهْبُ
إنْ سَقَطَتْ تَقُومُ مَقَامَها
أُخرَى بلاَ عَنَتٍ ولاَ
مَجْهُودِ
فَلَنَحْنُ
شَعْبٌ - كالرَّوَاسِي - شَامِخٌ
لاَ يستكينُ لغاشِمٍ عِرْبِيدِ
شَعْبٌ عَنيدٌ
في موَاجهةِ العِدَا -
كالصَّخْرِ - يَعْجَزُ عنهُ كلُّ
عَنيدِ
وشَديدُ بأْسٍ
- في الحوادِثِ - صابرٌ
يَلْقَى الغُزَاةَ بِعِزَّةٍ
وصُمودِ
وعلى نفس هذا
الدَّرب المطرّز بالإباء ، والذي تُحلِّق فيه أنفاس الصامدين ، نرى
"وليد أبو هنود"يواصل الغناء للشهيد ، وهو يحكي عن مفتاح لغز
الصّمود :
فإنْ يقضي
شهيدٌ من بلادي…على دربِ الفدا قامَ
الشهيدُ
نُودِّعُ من
سرايا الحقِّ جُنداً…بهمْ دوماً نفاخرُ
أو نشيدُ
وهي نفس
الروح التي جاءت في قصيدة " المنتصرة " للشاعر الجزائري مصطفى
الغماري، بل إنه يُضيف أمرا آخر في صعوبة الزّمان الذي عاش فيه
الشهيد ، مما يُضيف ميزة أخرى لهذا البطل :
فتفجَّرْ
بالموتِ في صانعي الموتِ وقلْ إننا غداً عائدونا
جلَّ ما
يحمِلُ الشهيدُ من العهدِ وجلَّ الشهيدُ والشاهدونا
مثلما كانَ في
اللِّقاءِ أبو هنود منْ مارجٍ يدكُّ الحصونا
بطلٌ عزَّ
نِدُّهُ في زمانٍ … "هادَ" حتى حسبتَهُ
"شمعونا"
إيهِ "
محمودُ" جلَّ ما حملتْ روحُكَ فاخلدْ وللبِلى الغادرونا
******
*بينَ شهيدين :
كان بطل هذه
الحكاية من القادة الذين يجهزون الاستشهاديين "هذه القنبلة
الهيدروجينية الفلسطينية " كما وصفها عدد من المعلِّقين الصهاينة
.
تزدادُ فصولُ
الحكاية إثارةً وبهاء بين الاستشهاديِّ وأستاذه ، فبين " محمود
مرمش " الاستشهادي السادس في العهدة العشرية من أبناء كتائب
القسّام و المجاهد "محمود أبو هنود "
مساحات من البذل والعطاء ، والشوق إلى صُنعِ ملاحم بطوليَّة تشفي
صدور قوم مؤمنين، عبر هذه المساحات المشتركة بينهما ينطلقُ الشاعر
"غازي الجمل" من جديد :
فهوَ
المدَرِّبُ في الكتائبِ حِنْكةً …أَنْعِمْ
بتدريبِ الكتائِبِ أَنْعِمِ
ما بينَ
محمودٍ ومحمودٍ سِوى …حرْف لتجهيزِ
القنابلِ للرَّمِي
وهي قوافي
ملتهبة يربط فيها بين "المحمودين " في أبيات تروي حكاية الأعداء
وهي تنشر الدمار في الديار ، وكيف كان الرد على هذا العدوان البغيض
:
إنْ كانَ
دُمدمُهُمْ يُمَزِّقُ أهلنَا …فَحِزامُكَ
النَّسَّافُ أقوى دُمْدُمِ
قدْ مزَّقَ
الأعداءُ كلَّ مُمَزَّقٍ …في كُلِّ شبرٍ
شلو عِلجٍ يرتمي
هجموا لأخذِ
الثَّأرِ مِنْ أبراجِهِمْ….فَرموا أبا
هَنّود بالحقدِ العَمي
* يُفَتِّشونَ عن
السَّلام :
رسمتْ
أشلاءُ الشهيد في صدور الشعراء مشاهد لا تغيب ، كما أن هذه الدماء
بعثت في نفوسهم سؤالا ً مريراً يعرفون إجابته سلفا….
أين العالم وسلامه الزائف من اغتيال الاحتلال للأرض المقدسة وأهلها
الطيبين ؟؟ وتُجدِّق ُ جيدا في مواثيق العالم الإنسانية وهي ترى
الإنسان الفلسطيني المنكوب .
البحث عن
السلام في الأرض المقدسة والنظر بدهشة إلى وسائل الإعلام التي
تُعيدُ مكروراً من القول عن هذا الضيف الذي لا يأتي كما يحكي عنه
الشاعر مصطفى الغماري :
وتَقولُ
السَّلامُ ! أيَّةُ سِلمٍ…أَتُغَنِّي
في مَوتِكَ الطَّاعونا
إنَّ سِلْماً
أرادَهُ الغَرْبُ أنْ تَرْضى بما يَحكُمونَ أوْ يَمْحَكونا
لَعِبَ
الغَربُ بالعقولِ فهلْ إلاَّ …هواهُ
يَدينُهُ الغاوونا
مَورِدُ
الذُّلِّ ما أَجَلَّ عَلى سِلْمٍ في قَتادِهِ الياسَمينا
وَتُريكَ
الأوهامُ فيهِ ذُرَى المجدِ فَتغدو المُظَّفرَ الميمونا
إنها الأوهام
إذن، وما من مبالغة في هذا فسترى القوافي وأصحابهَا كيف يُمعنون في
الوقوف عند عتبة السلام الممزَّق تحت فوهة بنادق المحتلِّين .
يتساءلون عنه ؟! ويرسمون مشاهده النازفة تاركين للقارئ أن يُحلِّق
في فضاءات البحث عن طريق الخلاص:
فالقتلُ
والتَّدميرُ دُونَ هَوَادَةٍ
وجَرائِمُ المُحْتَلِّ في التَّصْعِيدِ
وقنابلُ
الطَّيَرانِ تَسْقُطُ هَاهُنا
وهُناكَ يومياًّ - بغيرِ حُدُودِ
والأهلُ في
الوَطَنِ السَّليبِ وما بِهِمْ
وممارساتُ القمعِ والتشريدِ
والعالَمُ
العربيُّ يَنْظُرُ دونَما بَذْلٍ -
لِنَجْدَتِهمْ بأيِّ جُهُودِ
ووُلاَتُهُ ما
عِنَدَهمْ - يا لَلْهَوَانِ - سِوَى خِطَابِ الشَّجْبِ
والتَّنْدِيدِ
* * *
والعالَمُ
اقتُلِعَتْ عيونُ شُعُوبِهِ ومَضَى يَخُورُ بِحِقْدِهِ
المَعْهُودِِ
وكأنَّما
هَذِي المَجازِرُ عندهمْ وكَمَا
أُقِرَّ هُناكَ في التُّلْمُودِ
عَمَلٌ
حَضَاريٌّ ومَنْ قَاموا بهِ في حاجةٍ
للدَّعْمِ والتَّأْيِيدِ
أما السلامُ
فتلكُمو أُقْصُوصَةٌ نَتِنَتْ مَعَ
التَّكْرارِ والتَّرْدِيدِ
لقد صدق والله
الشاعر محمد صيام ، فلقد نَتِنَتْ هذه الأقصوصة ،وانكسرت
اسطوانتها الكئيبة مع التكرار والترديد ، وما أشلاء محمود إلا جزء
ٌمباركٌ من دربٍ معبَّد بالجراح والتضحيات يوصل وحده إلى القدس
وأخواتها .
وبعد
:
هل نكون قد
أدَّينا بعض الوفاءِ لشهدائنا في وقفتنا هذه ؟؟ أتمنى ذلك وإلاَ
سأبيتُ ليلي أرددُ قول الشاعر مصطفى الغماري في عتابه لقصائده التي
تجودُ بالكلماتِ أمامَ عظمة عطاء الشهيد :
أيُّ شعرٍ
يُقال بَعدَ الدَّمِ الحرِّ …وإنْ كان
مُعرباً مَوزونا
نعم أيّ شعرٍ
سيُقال ؟ فيكفي " أباهنّود " تيهاً وفخرا أنه :
مازالَ يحكي
بالدِّما وأنا الحكايةُ في يَديَّا!!!
***************