|
هذه هي المرة الأولى في حياتك التي تتمرد فيها على القانون يا
عبدو!! أنت الذي منذ ثلاثين عاما تعض على جراح الفقر وكثرة العيال
وتقول :"الحمد لله مستورة " جمدوا العلاوات،فقلت :نحمده اقتطعوا من
راتبك للنشامى المناضلين ،فقلت :لا بأس مالوا عليك واقتطعوا
لمتضرري الانتفاضة ،فما كان منك إلا أن دمعت عيناك فرحا بما صنعوا
،حينما اكتشفت انك تجاهد بالمال ،وقلت :طعام الواحد يكفي الاثنين
،وكتمت أنفاس أطفالك الذين يتصارخون حولك بقائمة طلباتهم ،وألقيت
على زوجتك درسا في الرضا والقناعة ،وشرحت لها ما انتم فيه من
النعمة قياسا بالقاعدين عن العمل ،من العمال ،وخريجي الجامعات. ما
الذي أصابك اليوم يا عبدو؟ ها أنت تنساق سريعا وراء المعلمين
،وتعلن الإضراب ،وتطالب بزيادة الراتب !! هل اكتشفت أن ما تم
اقتطاعه لا يذهب إلى طريقه الصحيح ؟هل تراكم الدين ،وتراكمت مشاكل
البيت ،فلم تعد تحتمل الفقر والحاجة؟! هل ضعف إيمانك بالله ،فلم
تعد قنوعا راضيا ؟وما ذنب هؤلاء التلاميذ الذين حرموا من مقاعد
دراستهم بسبب إضرابك ؟
كان ضمير الأستاذ عبدو يعذبه بسبب مشاركته في إضراب المعلمين بهدف
زيادة الراتب ،كما كانت تجتاحه مخاوف الغدر والعقوبة الجماعية
،وكان يخشى على أولاده من بعد عقابه الفاقة والأذى ،لكنه كان يعود
فيطمئن نفسه إلى انه واحد من بين مئات ،بل وآلاف المدرسين الذين
اضربوا ،ولذا يستحيل أن تقع بهم عقوبة جماعية ،ومما كان يطمئنه
أكثر أن مصادر عليا في الوزارة كانت تطمئنهم بأن الطبخة استوت ،وان
الزيادات أصبحت على مرمى حجر ،وان وزارة المالية منهمكة في دراسة
الأمر ،وان المجلس التشريعي منعقد لذلك .وربما كان أكثر ما يشجعه
الحالة العامة فالسلطة في حالة ضعف لا تقوى على قمع هذا التمرد
،ولا سيما أن الشعب كله في حالة غليان وغضب بعد اغتيال القادة
الشيخ احمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي دون أن تعمل أجهزة
الأمن الفلسطينية شيئا سوى أن تطلع بين الفينة والأخرى بتصريح
تستعد فيه لحماية الأمن إذا انسحب الجيش الصهيوني !!، فهي قادرة
على حماية الأمن الإسرائيلي من المقاومة ،ولكنها تعتذر عن حماية
المقاومة من الغدر الصهيوني !!لم ينم الأستاذ عبدو ليلته تلك
انتظارا لما سيحدث في الغد ولكي يطمئن قلبه خرج من الصباح يتحسس
،ليرى هل فعل أصحابه مثلما فعل ،أم أنها خدعة لإيقاعه في دائرة
القمع وحيدا ،ولما تأكد له إضراب كل المعلمين عاد إلى بيته منتشيا
،فخورا بما فعل رافعا الرأس ،مستعدا لرد الكلمة ألفا لزوجته التي
شغلت باله بقائمة التحذيرات والتخويفات .قال :أرأيت ؟! لقد نجح
الإضراب ،بإمكانك أن تعدي قوائم الطلبات ،وبإمكان الأولاد أن
يستعدوا لمرحلة جديدة ،ثم انفجر بقراءة الشعر :
إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن
يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد
أن ينكسر
وكان الأستاذ واقفا على حافة المصطبة ،فصرخت به زوجته أن ينزل حتى
لا ينكسر ،ويكون كما يقول المثل "لا صيف صيفت ولا رجعت .... سالمة
" ، فنزل ،وفتح صحيفته التي اشتراها في الطريق واخذ يقرأ ،وعينة
تجوس بين السطور بحثا عن كلمة واحدة تخص المعلمين ،وكان ما كان
عندما لمحت عيناه اسم المجلس التشريعي مقترنا بأرقام ،فقرأ
:"التشريعي يقرر دفع 15 ألف دولار تحسين وضع لكل وزير ونائب ،
ومحافظ لدى استلامه موقعه "!! ،وتابع الأستاذ عبدو بذهول تفاصيل
الخبر الذي تحدث عن إجماع بين الأعضاء حول تحديد مرتباتهم ومرتبات
المحافظين والوزراء ،والزيادات والمكافآت ،وتأكيدهم على ضرورة أن
يكون الدولار هو العملة المناسبة لهذه المرتبات !! عند ذلك قفز
الاستاد عبدو من مجلسه وصرخ :الحمد لله ،لقد نجح الإضراب ،لقد ظهرت
العملة ،تحسنت الأوضاع .نفضت زوجته يدها من الغسيل وقالت صحيح يا
عبدو ؟! ستتحسن أوضاعنا ؟قال :بل أوضاع الوزراء والنواب والمحافظين
!! إنهم حقا يستحقون!!
***********
|