|
لن ننسى
(7)
اللاجئون الفلسطينيون في سورية يتحدثون عن معارك
48 و آلام اللجوء

ولد في مدينة
صفد في ثورة عام 1929م ، تفتّحت طفولته على أصوات الرصاص الإنجليزي و
الثورات الفلسطينية المتلاحقة في وجه المنتدب المحتل ، شارك في
المقاومة صغيراً ، و دافع عن بلده كما جميع أهالي فلسطين كباراً و
صغاراً لردع الهجمات الصهيونية الغاصبة و المجازر الدموية التي
ارتكبتها عصابات الهاغاناه ..
هجمات المحتل
الإنجليزي و دوي مدافعه التي اخترقت أولى مشاهد طفولة حسين عطوة -
1929م - عادت بقوى مضاعفة من العصابات اليهودية لتخترق ثانية أجمل
لحظات عمره ، ليلة زفافه و ما كان من المفترض أن يكون «شهر عسل» ...
عن فلسطين ، عن
صفد و أيام البلاد .. عما رسخ في ذاكرته من مشاهد ودع بها و عروسه
فلسطين مجبراً .. إلى أن وصل سورية ، حدثنا الحاج أبو موفق و زوجته
الحاجة فتحية عبد الهادي - أم موفق - ...
صفد .. مفتاح
فلسطين التاريخي :
يقول الحاج أبو
موفق : تتربع صفد على قمة مرتفعة شمال فلسطين ، و يتبع لقضائها حوالي
82 قرية فلسطينية ، و يذكرها التاريخ على أنها مفتاح فلسطين من الجهة
الشرقية . يحدها من الشرق بحيرة طبريا ، و من الغرب جبل الجرمق
الفاصل بين عكا و صفد ، و من الشمال لبنان .. و الشمال الشرقي سورية
.
بلغ عدد سكان
صفد عام 1948م حوالي 14 ألف نسمة ، منهم ما يقارب 3500 يهودياً سكنوا
حياً واحداً في صفد يدعى الحي اليهودي ، أما بقية السكان فمعظمهم من
المسلمين الفلسطينيين فيما كان المسيحيون قلائل .. و كنا نعيش مع
إخواننا المسيحيين كأسرة واحدة . و كان في صفد خمس مدارس للتعليم .
الحي اليهودي في
المدينة :
كان اليهود
يسكنون حياً وحيداً في صفد ، و لم يكونوا ملاكاً للأراضي هناك ، و لم
يملكوا سوى البيوت التي سكنوها ، و كانوا يخشون حتى الطفل الفلسطيني
الصغير .. أذكر أنني لما كنت أمر بحيهم أثناء عودتي من المدرسة إلى
المنزل ، كان الأطفال اليهود جميعهم بمن فيهم الأكبر مني سناً ،
يهربون و يسرعون إلى الاختباء في بيتهم ، عندما يروني أو يروا أي
فلسطيني يمر بحيهم .. كانوا جبناء و كانوا يحسبون لنا حساباً كبيراً
، و في المقابل لم نكن نقيم لهم أي وزن آنذاك . و في 1929 انطلقت
الثورة في صفد بمهاجمة شبان القرية للحي اليهودي الذي سارع سكانه
اليهود برفع الرايات البيضاء و استسلموا لنا أكثر من ثلاث مرات في
هجمات متفرقة .
الدعم البريطاني
لليهود و احتلال صفد :
كان الإنجليز
يضايقونا كثيراً ، و عانينا الأمرين منهم ، و خضنا عدة معارك ضد
الإنجليز .. لكن الإنجليز لم يتوقّفوا عن حد مهاجمتنا و محاولة قمعنا
، إنما تعدّوا ذلك إلى الدعم العسكري للعصابات اليهودية في هجومها
ضدنا ، و نتيجة ذلك سقطت المدن الفلسطينية على التوالي في أيدي
العصابات الصهيونية ، منها سقوط حيفا التي هاجمتها قوة مكونة من
حوالي 80 ألف من القوات البريطانية المساندة لليهود ، و سقوط طبريا
التي تبعد عن صفد قرابة 65 كم ، إضافة إلى عددٍ كبير من المدن و
القرى الفلسطينية الأخرى .. و لما حاصرت القوات الإنجليزية و
اليهودية صفد من جميع الجهات باستثناء الجهة الشمالية ، انطلقت هجمات
تلك القوات من تلك المدن و القرى المحتلة ، و بدورنا دافعنا دفاعاً
مستميتاً عن بلدتنا ، رغم بساطة أسلحتنا التي اقتصرت على البندقيات
القديمة و العصي و الحجارة ، و شكلنا مجموعة للحراسة الليلية ، و لكن
القوة العسكرية للعدو كانت أكبر مما نملكه بكثير حتى على مستوى
التدريب ، فجنود العدو كانوا مدرّبين بشكلٍ كبير و شامل ، على خلاف
شبابنا الذين كان القليل فقط منهم يحسن استخدام السلاح ..
و في المحصلة
نفذت ذخيرتنا بعد استماتتنا في الدفاع ، فشكّلنا حماية للانسحاب و
انسحبنا من القرية مع نسائنا و أطفالنا ، و مررنا بعدة قرى و مناطق
فلسطينية بعد خروجنا و سقوط صفد ، إلى أن وصلنا لبنان ، و منها إلى
سورية حيث سكنّا مخيم النيرب للاجئين الفلسطينيين مدة أربعة شهور ،
بعدها وزّعونا على القرى السورية المجاورة ..
العرب خانونا :
أما الحاجة أم
موفق فبدأت حديثها بالصرخة قائلة : « العرب خانونا .. قالت لنا
قواتهم اخرجوا من بيوتكم مؤقتاً على أن نقضي على اليهود ، خوفاً من
تهدم البيوت فوق رؤوس أطفالنا ، فخرجنا بثيابنا التي كنا نرتديها فقط
.. و لم نحمل معنا أي شيء ، ظناً منا أننا عائدون بعد ساعات قليلة ..
و غادرنا البلدة باتجاه السهل المجاور لها ، و بقينا ثلاثة أيام ،
انسحب رجالنا بعدها ، و اضطررنا إلى الهجرة رغماً عنا إلى لبنان بسبب
مجازر اليهود و احتلالهم بلدتنا بعد نفاذ الذخيرة .. و ما إن وصلنا
بنت جبيل في لبنان .. و مكثنا بضع أيام حتى لحق بنا جميع الجيش
العربي بعد أن سلّم بلدنا لليهود و ضحك علينا .. لقد خاننا العرب ..
خانونا» .
تشرّد و لجوء في
شهر العسل :
خطبت لزوجي في
غمرة المشاكل و الهجمات بيننا و بين اليهود و الإنجليز ، و في ليلة
زفافي كنا نشعل البابور (بسبب عدم وجود الكهرباء و كان ذلك حال
اليهود الساكنين في حي اليهود في صفد أيضاً) و في هذه الليلة سمعنا
دويّ انفجار قريب جداً لنا ، و من أثر الانفجار و دويّه ارتفع لهيب
البابور مسافة بلغت ثلاثة أذرع إلى الأعلى ، و زغدرت النساء رغم
الخوف حينها ، ظناً منا أن شبابنا نسفوا الحي اليهودي ، لكن و بعد
دقائق علمنا أن اليهود فجّروا برميلاً من المتفجرات في أحد أحياء
المدينة ..
كانت أفراد قوات
الهاغاناة يأتون لصفد من مختلف المناطق التي احتلوها في فلسطين ، و
كان معظمهم شباناً و شابات .. يحملون على ظهورهم عصياً يعلقون بها
صرراً كبيرة ، و يدّعون أنهم سائحون ، و يجوبون الشوارع و الحارات
طيلة اليوم ، و مجرد أن تطلق صافرة (كنا نسمعها بوضوح) كانوا ينامون
أينما وصل بهم السير ، و لما تطلق الصافرة ثانية يستيقظون و يكملون
المسير حتى يصلوا الحي اليهودي و يدخلوا بيوته ، و كانوا يدخلون
بالآلاف إلى ذلك الحي ، إلى أن نقلوا جيشهم و تمركزوا في الحي
اليهودي و جهّزوا أنفسهم .. لقد كانوا ينوون غشنا و قتلنا .. و نحن
لا نعلم ما يجري تماماً .. و لما طوّقناهم ذات مرة في حيهم هذا
اصطادونا و قنصونا من خلال الطاقات و الشبابيك في أعالي بيوتهم ..
دون أن نتمكّن من رؤيتهم ، و لدى مغادرتنا البلدة كنت في اليوم
العشرين مما يسمى شهر العسل ..
ظروف الهجرة :
و عن ظروف
الهجرة القسرية تقول أم موفق : لما طلبت منا القوات العربية مغادرة
البلدة مؤقتاً كي يتسنّى لها إبادة اليهود - كما كانوا يقولون لنا -
نزلنا إلى وادي الليمون بثيابنا التي علينا ، و لم نحمل أي شيء ،
باستثناء رغيف الخبز .. و بقينا ثلاثة أيام بعدها صار اليهود يلقون
علينا قنابل مضيئة تنير الوادي كله ، فغادرنا باتجاه القرى المجاورة
.. و في إحدى القرى حملونا بسيارات البقر إلى لبنان ، و في لبنان
أيضاً ركبنا عربات قطار البقر إلى سورية ..
ما حملته من فلسطين :
تستذكر أم موفق
ما حملته من فلسطين لدى خروجها قائلة : "كنت أرتدي برجلي صندل عرسي ،
و تقطّع قبل وصولنا إلى لبنان .. أما زوجي فحمل معه علبة الحلاقة و
طقم واحد و حذاء .. و بقيت حافية أدوس الشوك .. إلى أن وصلنا حلب، و
هناك أعطونا أحذية" ..
نذر العودة :
عن رغبتها في
العودة إلى فلسطين ، و ما بقي من الأمل في العودة تقول أم موفق : «
نذرت نذراً إذا رجعت فلسطين ، سأمشي لها حافية ..» .. و تنهار
بالبكاء ..
|