الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

الجيش وأزمة القيادة في "إسرائيل"

 

بقلم: علي بدوان

صحيفة البيان الإماراتية 4/9/2006

 

لعل في انتهاء الجولة الأساسية من المواجهة بين المقاومة اللبنانية وجيش الاحتلال بالصورة التي آلت إليها، واتضاح مدى تهافت الرهانات التي بنت عليها حكومة أولمرت فلسفتها في التعاطي مع لبنان ومقاومته المسلحة، فضلاً عن سقوط الأعداد الكبيرة من القتلى الإسرائيليين من العسكريين ما يثير التساؤلات داخل الدولة العبرية، وداخل أركان الجيش الإسرائيلي، فقد فاقت الخسائر البشرية كل التوقعات، وفاقم منها الضربة الصاروخية المركزة التي استهدفت تجمعاً عسكرياً إسرائيلياً قرب مستعمرة كفار جلعادي، فأطاحت برؤوس (12) من أفراد الجيش.

 

فقد حصد الجيش الإسرائيلي الثمار المرة، دون أن يقطف النتائج التي كان يتوقعها من الغارات البربرية التي شنتها طائرات الفانتوم (إف 16) على مناطق لبنان المختلفة، وبالأخص على مناطق الضاحية الجنوبية في حارة حريك والغبيري والشياح وبئر العبد وزاد من مرارة النتائج التي شربها قادة حكومة أولمرت وتحالفه الائتلافي، انطلاق سلسلة الفضائح التي مست عدداً من قادة "إسرائيل" وجيش الاحتلال، ومنها الفضائح التي مست رئيس الأركان الجنرال دان حلوتس من خلال إقدامه على بيع أسهمه المالية قبيل الحرب وتهيئة نفسه للهزيمة والهروب خارج فلسطين المحتلة عام 1948.

 

إذاً، مع انقشاع سحب وغبار جولة الحرب الدموية الإسرائيلية ضد لبنان وشعبه، وفشل حكومة أولمرت وطاقمه في الوصول إلى النتائج المتوخاة من الحرب العدوانية، بدأت مجموعة من الأسئلة تشيح عن نفسها داخل "إسرائيل"، وهي أسئلة حادة قد تطيح بأولمرت وعمير بيرتس وبمستقبلهما السياسي، لكن الأثر الأهم لصواريخ حزب الله ليس فيما أوقعته من قتلى بين المدنيين ولا حتى في المواقع العسكرية التي استهدفتها وإنما بآثارها بعيدة المدى على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، حيث بات جميع الإسرائيليين مقتنعون بأن لا أحد منهم خارج مرمى هذه الصواريخ. فعمدت هيئة الأركان الإسرائيلية عشية الأسبوع الأول من القتال على لبنان إلى إقصاء قائد منطقة شمال "إسرائيل" العسكرية الجنرال عودي آدم الذي قاتلت قواته في خطوط المواجهة الأمامية مع حزب الله، فجعلته يدفع ثمن مشاكل الجيش على الأرض، وعهدت هيئة الأركان بالقيادة الفعلية للعمليات في لبنان إلى مساعد رئيس الأركان الجنرال موشيه كابلينسكي.

 

وأعلن الجيش الإسرائيلي في حينها عن تكليف الجنرال كابلينسكي «تنسيق العمليات الجوية والبحرية والبرية في لبنان بصفته الممثل الشخصي لرئيس الأركان دان حالوتس». وثمة سابقة لإقصاء الجنرال ادم. ففي أكتوبر 1973 أقصي جنرال المدرعات شمويل غونن الذي لم يحسن إطلاقاً تقدير القدرات القتالية للجيش المصري في مواجهة دباباته وحل محله في خضم المعارك رئيس الأركان السابق حاييم بارليف.

 

تأسيساً على ذلك، نلمس الآن تفاقم «أزمة قيادة عسكرية وسياسية في "إسرائيل"» مترافقة مع تعالي الأصوات اليهودية الإسرائيلية في الوسطين السياسي والعسكري المنددة بالأداء العام لمجموعة أولمرت / بيرتس ومجلس الوزراء المصغر.

 

وعليه، جاءت التطورات المشار إليها داخل المعادلة الإسرائيلية، بفعل الصمود اللبناني من جهة، وتزايد حجم الخسائر الإسرائيلية من جهة ثانية، خصوصاً وأن الكاتيوشا لم يتوقف تساقطها طوال أيام الحرب فوق رؤوس جيش الاحتلال ومستوطنيه والتي باتت ألسنتها تلسع الإسرائيليين ذاتهم. فتعالي هذه الأصوات يحدث بالضرورة أصداء متباينة في الخريطة الإسرائيلية الداخلية، ويفتح المجال أمام زعزعة ما يسمى «بالإجماع الوطني» على مكافحة ما تسميه "إسرائيل" بـ«الإرهاب» اللبناني والفلسطيني.

 

وفي هذا السياق فإن اهتزاز الوضع الداخلي الإسرائيلي يتوقع له أن يتمدد، وأن يقارب قلب جيش الاحتلال مع التبديلات الأخيرة أثناء القتال في لبنان، فقد بدأت بوادر متاعب العبء الكبير لسياسة ايهود أولمرت، عمير بيرتس، تبدو على قطاعات المجتمع الإسرائيلي بما في ذلك القطعات العسكرية.

 

ومن الناحية التاريخية، إن الانعطاف في مواقف العديد من ضباط جيش الاحتلال، ظهر للمرة الثانية في صفوف «جيش الدفاع الإسرائيلي - تساهال» بعد أن ظهرت الحركة الأولى بالاحتجاج على الخدمة العسكرية فوق الأراضي اللبنانية بقيادة البريغادير إيلي جيفع أثناء وبعد العام 1982، وتعاظمت هذه الحركة مع حركة الأمهات الأربع وصولاً إلى انسحاب قوات الاحتلال من الأراضي اللبنانية.

 

فالمعادلة التي حكمت مسار الجيش الإسرائيلي وبسبب من تركيبة الحياة السياسية الداخلية في "إسرائيل" أفضت إلى دور مزدوج للجيش: فهو من جانب بوتقة لتفريخ القيادات السياسية على مستوى الصف الأول داخل الدولة العبرية. ومن جانب آخر الأداة التنفيذية للسياسات الحكومية الائتلافية الإسرائيلية، ولم يسجل عليه منذ تأسيسه من رحم التنظيم العسكري «الهاغانا» الإرهابي ووحدات «البلماخ» سوى الاحتجاجين المذكورين.

 

إن حضور التيارات السلامية داخل الدولة العبرية الداعية لحلول الشرعية الدولية والمؤهلة للقيام بدور ما في المؤسسة العسكرية مازال حضوراً متواضعاً ومحدود التأثير على القرار السياسي بالرغم من امتداد أصواتها داخل جيش الاحتلال منذ فترات سابقة قبل العدوان على لبنان، حيث وثيقة الـ 252 لضباط وجنود جيش الاحتلال، التي دعت إلى رفض الخدمة داخل الأراضي المحتلة عام 1967 بعد الاستخدام المفرط لعمليات الاغتيالات الإسرائيلية في صفوف الانتفاضة عام 2003، فقد برزت في حينها مجموعة من الضباط «المنددين بسياسات شارون، متهمة إياه بأنه يقود "إسرائيل" نحو الهلاك على يد الفلسطينيين».

 

ومن بين الضباط المشار إليهم، ضابط برتبة عقيد، و12 ضابطاً برتبة رائد، فضلاً عن البريغادير موطي ساعي قائد وحدة منتخبة برئاسة الأركان إضافة إلى مئة عسكري إسرائيلي، أعلنوا أيضاً رفضهم المشاركة في التجنيد العام، فقامت حركة «يوجد حد» بمساندة معركة التمرد على الخدمة العسكرية في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967. ومن بين الذين انضموا إلى المجموعة أحد ضباط سلاح الجو ويدعى يوفال تاماري.

 

ويبقى القول، بأن سلاح الجو الإسرائيلي نفذ في الأيام الأولى من العدوان على لبنان، ما لا يقل عن 5130 طلعة جوية، و600 ساعة طيران، تم خلالها إطلاق مالا يقل عن 500 صاروخ، و80 قنبلة تزن كل واحدة منها 1000 كلغ.

 

فالعدوان الإسرائيلي المتواصل على لبنان، لن ينجُو في نهاية المطاف من التفاعلات الإسرائيلية الداخلية التي بدأت تطل وتشيح عن نفسها رويداً رويداً، وقد تسحب نفسها داخل قطعات جيش الاحتلال مع الخسائر التي تكبدها على يد مقاتلي حزب الله.

 

إن من بين جميع الحروب العربية الإسرائيلية فإن ميزان الخسائر في الحرب السادسة يميل لأول مرة في غير صالح "إسرائيل" وذلك وفق المصادر الإسرائيلية ذاتها. فقد قتل (156: 117 عسكريا + 39 مدنياً) إسرائيلياً، (5000) جريح، منهم (311) نزيل مشفى دائماً، (33) يوماً من القتال، تحطم (4) مروحيات وطائرات، سقوط (3970) صاروخ كاتيوشا من صواريخ المقاومة على مدن شمال ووسط فلسطين المحتلة عام 1948، مع تعرض (7000) هدف لهجوم من قبل المقاومة.

 

كما أصاب عدد من هذه الصواريخ بنجاح مواقع عسكرية واستهدفت صواريخ منها مقر قيادة المنطقة العسكرية الشمالية في صفد ومقر قيادة اللواء الغربي في مستوطنة (الشومرة) وقاعدة سلاح الجو الرئيسية في المنطقة الشمالية الواقعة في مستوطنة (رامات ديفيد) وقاعدة لتخزين الأسلحة قرب صفد وموقع (سرغا) العسكري قرب عكا ومطار (روش بينا) العسكري ومقر قيادة العمليات الجوية في جبل ميرون.

 

أما على صعيد العتاد العسكري فقد خسر الجيش الإسرائيلي خلال المجابهات مع حزب الله عددا كبيراً من دبابات (ميركافا) وهي من أحدث الدبابات في العالم وأكثرها تحصيناً كما خسر عدداً من الجرافات العسكرية العملاقة وطائرات استطلاع بدون طيار وثلاث مروحيات من طراز (أباتشي) وبارجة حربية من طراز (ساعر -5) وهي واحدة من ثلاث بارجات تعتبر الأحدث في سلاح البحرية الإسرائيلي.

 

خسائر اقتصادية تصل إلى (25) مليار شيكل، احتراق (750000) شجرة، تهدم (12000) منزل، إضافة إلى مشاركة (30000) عسكري في القتال، وتكلفة شن (15000) غارة جوية، و(800) ساعة إبحار للسفن الحربية.

 

وفق المنظور إياه، يتوقع أن تتواصل حركة الجدل في "إسرائيل"، بعد أن باتت غالبية الإسرائيليين وفق استطلاعات الرأي المنشورة على صفحات الجرائد الإسرائيلية، على قناعة تامة بأن الدولة العبرية الصهيونية تشهد لأول مرة في تاريخها أزمة مزدوجة:

 

أزمة قيادة في الجيش، وأزمة قيادة في المواقع السياسية الأولى. فالحرب الأخيرة كشفت ظهر "إسرائيل"، وكشفت معها أيضاً هذا التردي السريع في بنية وقصور القيادة الحالية التي ورطتها قي أزمة كبيرة ستترك آثارها إلى أمد بعيد.