Where's
Dahlan?
بقلم: يوسف
المصري
Where's Dahlan?
كانت هذه الكلمات الأولى التي تمتم بها الرئيس
الأميركي جورج بوش مبادراً مستقبليه في المطار حين وصل لحضور "قمة
العقبة"، طالباً التعرف عن كثب إلى محمد دحلان، ذلك الشاب الذي
وصلت إلى إدارة بوش عشرات التقارير من أجهزة الاستخبارات الأميركية
التي تشيد بولائه لمخططات "إسرائيل" والإدارة الأميركية، ممهورة
بمديح خاص من الأجهزة الأمنية الإسرائيلية التي توصي بدعم هذا
الشاب وتقوية نفوذه سعياً ليكون رجلهم القوي في الأراضي المحتلة
لقمع المقاومة والقضاء على رجالاتها.
كيف لا وقد
كشف أحد مسؤولي الاستخبارات المركزية الأمريكة (CIA)
السابقين "ويتلي برونر "إنه تم تجنيد دحلان في تونس في الثمانينات،
وتمّت تزكيته وتسميته إضافة إلى آخر ليكوّنا سوياً القوة الضاربة
المستقبلية بعد اتفاقات أوسلو"، علماً أن هذه المعلومات لم يتم
نفيها على الرغم من انتشارها في الصحف على نطاق واسع.
ولاؤه المطلق
لأبي عمار (؟!)
المتتبع
لسيرة محمد دحلان لايسعه إلا أن يصاب بهستيريا الإعجاب والانبهار
بقدرة هذا الفتى العجيبة على التزلّف والتملّق فيمن يرى مصلحته إلى
جانبه والانقلاب عليه فيما بعد دونما سبب إلا لأنه وجد مصلحته في
الجانب الآخر، ضارباً عرض الحائط بكل معاني الإخلاص والوفاء
والعرفان بالجميل لمن احتضنه و"رباه" وتبناه وجعل منه "زلمة"، لمن
كان دحلان لا يقبل مناداته إلا بـ "يابا" في بداية طريق تزلّفه،
ثمّ ليستبدلها فيما بعد إلى "السيد الرئيس" و"الرمز"، قصد بكل هذه
المسمّيات الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات (رحمه الله).
فمحمد
دحلان، هذا الطفل المدلّل الذي كان يشدد في لقاءاته الإعلامية حين
كان في كنف أبي عمار بأن "الفلسطينيين
لا يتحرّكون إلا بقرار الرئيس عرفات، وإذا اعتقدت إسرائيل أن هناك
أحد في الشعب الفلسطيني يمكنه الالتفاف على قرار الرئيس عرفات فهي
واهمة"،
ولم يكتف دحلان بهذا القدر من الابتذال بل
استمرّ في نفس التصاريح المتزلّفة التي كان يطلقها منذ أن كان في
تونس فقال "إن
الرئيس عرفات هو أكثر المتمسكين بالحقوق الفلسطينية، وإذا كان لدى
"إسرائيل" أوهام بأن تجد قادة فلسطينيين تتلاءم أفكارهم مع
أفكارها، فمصير تلك الأفكار وأولئك الأشخاص إلى مزبلة التاريخ".
بل وصل
بدحلان حد التملّق والخديعة إلى مستوى تحريمه انتقاد عرفات،
وذلك في مقال له في صحيفة "الغارديان" البريطانية بتاريخ 2/7/2002،
حين قال: "سيكون من الخطأ انتقاد عرفات أو استبداله في وقت هو
محاصر في الضفة الغربية"، ويضيف دحلان "لا مجال للحديث عن تغيير
القيادة في ظل هذه الظروف.. سأقف في صف عرفات طالما يقف ضده
الإسرائيليون..".
من المعروف
عن الراحل أبو عمار أنه كان يتمتّع بفراسة كشف معادن الرجال، فقد
كان يمكنه تقييم الأشخاص بمجرد النظر إليهم، وبناء على ذلك يقرّب
هذا إليه، ويبعد هذا عنه، وندر أن أخطأت فراسته في تقدير الأشخاص،
إلا أن براعة دحلان بالتمثيل والدهاء والخديعة انتصرت على فراسة
عرفات الذي اكتشف حقيقة دحلان متأخراً في سنواته الأخيرة، - التي
ربما كان لدحلان دور في إنهائها-، حين انقلب عليه الأخير بين ليلة
وضحاها، وتحوّل من الطيّع الوفي المخلص إلى من يهدّد بإسقاطه بمهلة
عشرة أيام.
ففي اللحظة
التي وجد فيها دحلان أن عرفات لم يعد ورقة رابحة للوصول إلى
الزعامة والثراء الذي يبغي إليه مستشعراً أن الانتقادات الأميركية
والإسرائيلية ضد عرفات فرصة لاتعوّض للانقلاب الذي حلم به وخطّط له
في لقاءاته الأمنية المتكررة مع القادة الإسرائيليين، عضّ دحلان
اليد التي أطعمته ورعته وحمته، وقاد حملة لإسقاط عرفات تحت شعار
تطهير حركة "فتح"
من الفساد وإصلاحها، بل إنه في 13/7/2003 وجّه رسالة إلى شاؤول
موفاز يقول فيها "إن السيد عرفات أصبح يَعد أيامه الأخيرة، ولكن
دعونا نذيبه على طريقتنا وليس على طريقتكم، وتأكدوا أيضاً أن ما
قطعته على نفسي أمام الرئيس بوش من وعود فإنني مستعد لأدفع حياتي
ثمناً لها..".
ذمّة دحلان
الواسعة
خصال محمد
دحلان تؤهّله لأن يكون شخصاً عديم اللون والرائحة والطعم، فتبدّل
مبادئه ومواقفه، يجعل من المراقبين في حيرة حين يضطرون لتصنيفه،
إلا أن الثابت الوحيد عند دحلان والذي لا حياد عنه هو سعيه الدائم
للسلطة، واستماتته لجمع المال مهما كلّف ذلك من سقوط لأدنى القيم
الأخلاقية.
لذلك،
لم يكن مستغرباً لمن تمتّع بخصال محمد
دحلان (الوضيعة) أن يتحوّل من ذلك الفتى الذي كان يرتدي
البنطلون والقميص الكحلي لمدة شهر كامل دون
تغيير إلى مالك لفندق خمس نجوم في غزة، تعيش حكايات وقصص كثيرة
يعرفها الصغير والكبير في غزة عن ذلك الفقير الذي تحوّل إلى واحد
من أثرى أثرياء غزة في بضع سنين قليلة.
لم تقف
الفضائح المالية لدحلان عند هذا الحدّ، بل تفجّرت مرة جديدة حين
اشترى أحد المنازل الفخمة بمبلغ 600 ألف دولار، لكن دحلان نفى هذه
التهمة (المغرضة!) وقال أنه دفع ثمنه فقط 400 ألف دولار!! ثم ذكر
لصحيفة
"يديعوت أحرونوت" أنه لا يحق لأحد أن يسأله عن ثمن البيت سوى شعبه.
ونحن نسأل
كجزء من هذا الشعب مِن أين أتيت بثمن بيت قيمته 600 ألف دولار
بعدما كنت تسكن بيتاً في مخيم وبالإيجار؟!!
إضافة إلى
ذلك فقد كشفت صحيفة "هآرتس" العبرية عام 1997 النقاب عن ثروة دحلان
في البنوك الإسرائيلية التي بلغت (فقط) 53 مليون دولار!
موقفه من
الانتفاضة
قد تكون
الانتفاضة الفلسطينية هي الشيء الوحيد التي جاهر محمد دحلان دون
مواربة أو خداع في معارضتها ومحاربتها والسعي للقضاء عليها، فدحلان
لم يكن يتورّع عن توجيه الانتقادات الحادة للانتفاضة وقادتها، ومما
ذكره دحلان في أحد لقاءاته في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2002 "يجب أن
تكون الانتفاضة سلمية وأخطأنا باستفزاز المؤسسة العسكرية
الإسرائيلية، ردود الفعل الفلسطينية على أشكال العدوان الصهيوني
يجب أن تدرس في كل مرة، أنا أريد أن أساوم سياسة وأنا أول من قلت
إن هدف الانتفاضة تحسين شروط التفاوض، وعندها حماس هاجمتني في بيان
وأذكر أن الجميع كان يقول هدف الانتفاضة دحر الاحتلال فإذا
بالاحتلال يحضر إلينا، يجب وقف قصف الهاون بالقوة، نريد انتفاضة
بـ"الريموت كونترول".
وعلى الرغم
من معارضته الدائمة للانتفاضة إلا أن دحلان بخصاله الانتهازية
الاستغلالية حاول قطف منجزاتها- وهو الذي طعنها في ظهرها وصدرها-
حين صرّح في 3 آذار/مارس 2004 تعليقاً على خطة شارون للانسحاب من
غزة "إن الانسحاب يعتبر أكبر إنجاز حققته الانتفاضة". لاتسألوني عن
المنطق فيما قاله دحلان، فهو شخصية تقع خارج إطار المنطق والعقل!!
أما
إنجازات دحلان على صعيد مساعدة الاحتلال الإسرائيلي لقمع الانتفاضة
فإن الحديث في هذا يطول ساعات وساعات، نستذكر منها على سبيل المثال
لا الحصر بالطبع أن محمد دحلان في 26 تموز/ يوليو 2003 ناقش مع
كوندوليزا رايس في واشنطن خطته التي تركز على شراء الأسلحة التي في
حوزة المجموعات الفلسطينية المسلحة. وتقضي الخطة بأن يُدفع 6000
دولار لقاء كل بندقية يتم شراؤها من (المجموعات الفلسطينية
المسلحة). كتائب الأقصى هاجمت في بيان لها محمد دحلان على هذه
الأخبار المؤكدة ووصفته بأنه "مشروع أمريكي-إسرائيلي"، وأنه "شخص
تم فرضه على السلطة الفلسطينية وعلى الشعب الفلسطيني"، وأكدت
الكتائب عدم الثقة بمحمد دحلان عندما يتحدث عن أو باسم كتائب شهداء
الأقصى.
وفي
8/8/2003 نشرت صحيفة معاريف العبرية أن محمد دحلان تعهد لكوندوليزا
رايس بأن يعمل على تأميم مؤسسات حماس ومصادرة سلاح منظمات
(الإرهاب). ولكن لا يبدو أن طريق دحلان سهل، ولا سيما حين يفعل
عرفات كل شيء كي يضع له العصي في العجلات. وهذه الحقيقة أدت بدحلان
المحبط إلى استخدام تعابير لا سابق له ضد زعيمه. وحسب تقارير عن
جهات أمريكية وإسرائيلية قال دحلان "هذا الكلب –يقصد عرفات-، هذا
الكذاب، يهدم كل شيء، يفجر كل شيء، لا يسمح لنا بعمل أي شيء".
من الخصال
التي امتاز بها دحلان هي الوقاحة في إظهار العداوة لأبناء شعبه دون
خجل، هذه الوقاحة التي تخطت الجرأة بسنوات ضوئية، فهو لم الجراللم
يتوان في أحد اللقاءات نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" بأن سمّى
المقاومة الفلسطينية بـ"الإرهاب"، وانتقد قادة فتح وقال "إنهم ضد
الانتفاضة، وفي الوقت ذاته هم مع الانتفاضة (...) هم ضدّ الإرهاب
وفي الوقت نفسه مع الإرهاب".
أيدي دحلان
الملطخة بالدماء
قد يغفر
الشعب الفلسطيني (أقول قد) لدحلان كلّ زلاّته وسرقاته ومواقفه
المعادية له، لكنه أبداً لن يغفر له الدور الذي لعبه في استهداف
قادة الانتفاضة واغتيالهم.
نحن هنا لا
نسوق اتهامات جزافاً وافتراءاً، فالدور المشبوه الذي لعبه دحلان في
جريمة اغتيال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي بات يعرفه الجميع، حين
سعى دحلان ملحاً للقاء الرنتيسي الذي كان قد أجرى عملية لعينيه
للاستغناء عن النظارات الطبية وقام بتخفيف لحيته بقصد التمويه، لكن
أياماً تلت هذا الاجتماع لتقع جريمة اغتياله بعد تمّ رصده خارجاً
من اجتماعه السري مع دحلان.
ويذكر
الفلسطينيون ذلك الاجتماع الشهير الذي عُقد قبل عشرة أيام من قمّة
العقبة، والذي ضمّ عن الجانب الصهيوني شاؤول موفاز وأرييل شارون
وعن جانب السلطة أبو مازن ودحلان، حيث دار حوار طويل أشبه
بسيناريوهات المافيا والاغتيالات. يومها طرح شارون قتل القادة
السياسيين لفصائل المقاومة الفلسطينية وسمّى: عبد العزيز الرنتيسي
وعبد الله الشامي ومحمود الزهار وإسماعيل هنية ومحمد الهندي ونافذ
عزام وجميل المجدلاوي. واعترض أبو مازن على ذلك، إلا أن دحلان طلب
مساعدة الإسرائيليين له عبر اغتيال القادة. وقال: "إذا كان لا بد
لكم من مساعدتنا ميدانياً، فأنا أؤيد قتل الرنتيسي والشامي، لأن
هؤلاء إن قُتلوا فسنُحدث إرباكاً وفراغاً كبيراً في صفوف حماس
والجهاد الإسلامي، لأن هؤلاء هم القادة الفعليين".
هذا عدا عن
الجرائم الكثيرة التي ارتكبتها (ومازالت) عصابته المسماة بجهاز
الأمن الوقائي التي تأتمر بأوامره.
رجل إسرائيل القوي
شكلت شخصية
محمد دحلان وخصاله (الوضيعة) إغراء للإسرائيليين والإدارة
الأميركية على اعتماده الشخص المناسب الذي يحكم السلطة الفلسطينية
مستقبلاً، وهي قد تسعى منذ سنوات طويلة لتهيئة الظروف المناسبة
لذلك، فهي بالتأكيد لن تجد مثيلاً لدحلان في وفائها ومعاداتها
لمصلحة الشعب الفلسطيني، لذلك يقول شاوول موفاز في شباط 2004 "لدينا
خطة جاهزة ومحكمة لتوجيه السلطة الفلسطينية للاتجاه الذي نريد،
تبدأ بالتخلص من زعامات الإرهاب في غزة، وبشطب عرفات في رام الله،
والاعتماد بعدها لتنفيذ خطة الفصل الأحادي الجانب على قادة
فلسطينيين نثق بهم"، وعندما خاطب موفاز دحلان مؤخراً قائلاً له
"على السلطة الفلسطينية العمل على ضمان عدم احتفال سكان قطاع غزة
أو إقامة أي مهرجانات سعيدة بالمناسبة"، رد عليه دحلان
"الفلسطينيون سيودعون الجنود الإسرائيليين بالورود خلال الانسحاب
من غزة".
أمام هذه
الخصال الحميدة "إسرائيلياً"، لم يستطع
وزير القضاء الإسرائيلي يوسيف لبيد كتم إعجابه بدحلان فقال "نحن
نتطلع إلى أن يتولى شخص مثل دحلان قيادة السلطة في قطاع غزة ويكون
قادراً على ضرب حماس والجهاد، لكن يتوجب علينا ألا نقوم بمعانقة
دحلان عناق الدببة، حتى لا تظهر حركته كما لو أنها كانت فيلماً
إسرائيلياً".
|