زوجة
الشهيد و ابنته يرويان سيرته العطرة
بسم الله الرحمن الرحيم
ما أصعب
الذكرى خاصة عندما تحمل بين جنباتها رجالا كبارا وشهداء عظاما
فتقف عاجزا
حتى عن التعبير حين يمرّ أمامك شريط الذكريات عن أناس سكنوا خلجات
الروح، وكانوا نورا للأمة ورحلوا من أجل عزَّتها فبكت كل الأمة على
رحيلهم.
جمال منصور لم
يخل شريط ذكريات أي إنسان من اسمه وفعله، كيف لا وهو منْ تُوِّجت
حياته بالشهادة تلك الحياة الصعبة التي عاشها متنقلا ما بين سجن
وسجن ومحنة وألم وبلاء وشدة، هذه الحياة التي كان يصفها بأنها
بحلوها ومرّها حلوةً، وبتعبها وراحتها مريحة، لأنها لله وفي الله؛
لقد صدق الله فصدقه.
خمس أعوام
مرَّت على استشهاد الشيخ المجاهد جمال منصور بقي فيها حيّاً في
قلوب الناس وبين صفحات التاريخ، فكيف ينسى التاريخ من سطَّره
بدمائه وشرَّف صفحاته ببطولاته وتضحياته.
مشاعر مختلطة
وحين سألنا أم
بكر عن شعورها في هذه اللحظات صمتت لمدَّة علَّ هذا الصمت يُعبِّر
أكبر تعبير عمَّا يجول في داخلها قالت: "المشاعر في هذه اللحظات
مختلطة متداخلة ما بين شوق وحنين وعزة وفخر هذه المشاعر لم تكن في
يوم من الأيام مرتبطة بذكرى سنوية، ففي كل يوم ولحظة ذكرى ومع سقوط
كل شهيد ذكرى."
بيننا لحظة
بلحظة
تقول أم
بكر:"هذه السنوات الخمس حملت في طياتها الكثير من الأحداث والمصاعب
استشعرت في كل موقف بأنَّ أبا بكر لم يزل معنا، بل لم تبعده هذه
السنوات عنَّا فهو ساكن في كل جوارحنا ولو جلست بيننا في البيت
لأحسست بأنه يجلس معك."
شخصية فريدة
كان جمال
منصور من الرجال القلِّة الذين لم تلن لهم قناة ولم تكسر لهم شوكة
فبقي شامخا حتى آخر لحظة كان يقول دائما:
"يحظر علينا
أن نبكي أو ندمع لأننا إذا بكينا نحن سينهار غيرنا ليبك الجميع لكن
علينا أن نرفع الهمم ليؤدّوا الواجب."
أجل لم يلن
حتى آخر لحظة وفي أشدِّ أيامه حلكة فكان صموده زادا لمن عرفه،
وابتسامته التي لم تفارقه ذلَّلت الصعاب وهوَّنت كل أمر عسير
وأدخلت حبّه إلى كل القلوب فأحبه الصغار قبل الكبار
تقول أم بكر:
"لأبي بكر شخصية متميزة وهو من الذين استطاعوا أن يؤلفوا كل أنواع
القلوب وكان من الشخصيات التي أجمع عليها فصائليا."
إرث عظيم
تقول أم بكر:
"لقد ترك لنا أبو بكر من بعده إرثا عظيما من المواقف والكلمات لا
سيما رسائله التي كان يملؤها بفيض من الخبرات والنصائح والمشاعر
والروح التفاؤلية العالية والإيمان الكبير بالله عز وجل والثقة
بالفرج القريب التي كانت بمثابة الزاد لنا في هذه الطريق، صحيح أن
المسؤولية كبيرة وأمانة صعبة هي التي حملنا إياها أبو بكر، إما أن
نكون على قدر المسؤولية وأن نوفيها حقها حتى نصل إلى ما وصل إليه،
فعلينا جميعا أن نكون دعائم لهذا الوطن مهما كان الحمل ثقيلا."
شهادة والدي
تاج فخار
"شهادة والدي
تاج فخار على جبيني"؛ بهذه الكلمات ابتدأت ابنة الشيخ كلامها؛ لقد
رسم والدي لنا طريقا لا ككل الطرق؛ إنه طريق الجنة بإذن الله، قد
يَظنّ البعض بأن خمس سنوات هي مدَّة كفيلة بأن تنسينا والدنا، إلا
أن كل لحظة تزيد من ذاكرتنا فكيف ننسى من كان وما زال لنا المعلم
والسراج المنير الذي أضاء لنا الطريق، كان والدي يتحيَّن لحظاتٍ من
بين أعماله الكثيرة ليستمع لنا ويتحدث إلينا كان في كل لحظة يفكر
بنا حتى في لقاءاته الصحفية وفي كل رسالة يرسلها كان يصفنا بأننا
زهرات حياته، فكيف ننساه وهو نور حياتنا لقد عاهدنا الله سبحانه
وتعالى أن نسير على درب والدي وأسأل الله أن يقدِّرنا على ذلك.
سياسة غبية
لقد ظنَّ
الاحتلال الغبي أنه باغتياله للقادة قد يقضي على ما يُسمّيه
الإرهاب ويوقف هذا المدَّ الإسلامي الزاحف إلا أن هذه الحركة
الإسلامية حركة معطاءة ودود ولود خرَّجت القائد تلو القائد فلم
تتوقف هذه المسيرة ولن تتوقف بإذن الله فدماء جمال منصور وإخوانه
لن تذهب هدرا، وستبقى وقودا للاستمرار وها هي بركات هذه الدماء
بدأت تظهر للعالم أجمع.
شهداؤنا هم من
علَّمونا معنى التضحية والفداء فالحياة رخيصة بغير تضحية وحمل راية
سامية وأهداف كبيرة يعيش الإنسان صغيرا ويموت صغيرا ويبعث صغيرا،
فطوبى لمن بذل دماءه رخيصة فداءك فلسطين وفداء هذا الدين فعاش
كبيرا ومات كبيرا.
|