الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

ملفات خاصة

 

عبدالكريم السبعاوي في روايته "رابع المستحيل"

ضد النسيان من يافا إلى غزة

 

علي الخليلي

صحيفة الخليج

 

يرى العرب في المستحيل ثلاثة اشكال، هي “الغول والعنقاء والخل الوفي”. وقد استعار الروائي الفلسطيني عبدالكريم السبعاوي هذه الاشكال التراثية. جاعلا منها، ومن ايحاءاتها الرمزية، عناوين لروايات ثلاث له، يروي من خلالها تاريخ فلسطين، حقبة بعد حقبة، منذ فجر التاريخ، حين كانت الارض تحمل اسم “أرض كنعان”، بعروبتها الضاربة في القدم، حتى صارت فلسطين بما هي عليه من تاريخ حديث.

الاولى “العنقاء”، اصدرها عن دار سبيل في ملبورن بأستراليا 1989. والثانية “الخل الوفي” عن دار النورس في غزة 1997. والثالثة “الغول” عن الدار نفسها 1999. ثم جاءت الرابعة في عام 2005 وصدرت في غزة، تحت عنوان “رابع المستحيل”. وطالما اننا نعرف مضمون أو معنى أول المستحيل وثانيه وثالثه من خلال تراثنا العربي، فما الرابع الذي اضافه لنا السبعاوي في مشواره الملحمي الطويل؟

يبدو تاريخ فلسطين، وفق هذه الرؤية الروائية، متحركا في سياق متواصل من “المستحيل”، بأشكاله المختلفة. فما “المستحيل” المقصود في هذا السرد الروائي، قبل ان نبحث عن “الرابع” فيه؟

تقول الروايات الثلاث “العنقاء” و”الخل الوفي” و”الغول” في مجملها العام: ان المستحيل هو النسيان. فهي تؤكد في كل احداثها، على الذاكرة الفلسطينية التي تتغلب جيلا بعد جيل، على المحو والنفي والإلغاء، وتستمر حية وقوية في الزمان والمكان. ويرتفع هذا المجمل الى ذروة عالية من التراجيديا، بنشوء “اسرائيل” في عام ،1948 وفقدان اسم فلسطين، أو وقوع الاحلال الاستعماري “لاسرائيل” بدلا من فلسطين، فيصدر الروائي خاتمة رباعيته تحت عنوان “رابع المستحيل”. أي ان المستحيل بشكله الرابع، هو رضوخ الشعب الفلسطيني لهذا الاحلال  الاحتلال الاستيطاني اليهودي بفرض النكبة على فلسطين زمانا ومكانا، باعتبارها نهاية مطاف هذا الشعب، ونهاية وجوده كله.

تتدفق حركة الاشخاص/الشخصيات في رواية “رابع المستحيل” بحيوية شعبية  فولكلورية ذات تجليات مشرقة، اكثر من تدفق حركة الاحداث بفضائها التاريخي البحت. وقد حرص الروائي على تعميق هذه الحيوية، على امتداد فصول روايته، لبناء معاني هذا المستحيل في شكله الرابع، عبر الانسان الفلسطيني نفسه، أو عبر قدرة هذا الانسان العادي الذي تحاصره الحوادث من كل جانب، على حماية ذاكرة المكان والزمان من التفتت والضياع تحت ثقل هذه الحوادث.

ويمكن لنا ان نتابع هذه الذاكرة بأدق التفاصيل، في كل شخصيات الرواية. لكنني اختار واحدة منها ذات طابع اشكالي على وجه الخصوص، لنعرف كيف ان الغزو الاستعماري  الصهيوني لفلسطين قد فجر الوعي الوطني الفلسطيني، حتى داخل هذه الشخصية الاشكالية المضطربة.

“مدحت وهبة” هو هذه الشخصية بالذات، متنقلا بين غزة ويافا، وغير متورع من أجل مصالحه التجارية قبل النكبة، من انشاء علاقات مع بعض العسكريين الانجليز والموظفين اليهود، من دون ان يغفل عن علاقاته الضرورية ايضا مع بعض القادة الفلسطينيين، في سبيل “ازدهار” هذه المصالح ذاتها.

يكتشف مدحت وهبة “أو انه في الواقع، يصحو من حالة سكر كان يغرق فيها، داخل ملاهي يافا، وهو يستمع لحوار بين ضابط انجليزي وموظف يهودي يجلسان معه على الطاولة ذاتها” ان الجيوش العربية السبعة التي تستعد للدخول الى فلسطين، لن تكون قادرة على الصمود امام الجيش الذي اعدته المنظمات الصهيونية بمساعدة بريطانيا، وأن مسألة فلسطين قد تم حسمها على الارض، لصالح اليهود. فيصرخ وهو يترنح “ابتحلموا. أي هادا رابع المستحيل. والله لو بنموت عن آخرنا”. ولا ينس ان يهز قبضته في وجهيهما، ويكرر ما قال بإنجليزية سليمة.

ثم يندفع مدحت وهبة الى الشارع.. “خلف ظهره، كانت يافا تعج بالحياة، ابواق السيارات. نداءات الباعة. صهيل الخيول التي تجر العربات الفارهة.. يافا هبة البحر، مثلما غزة هبة الصحراء. استقبلت يافا البحر بوجهها.. مفتوحة باتساع احداقها وانبساط ذراعيها.. ضمت كل وافد، استقبلت السفن التي اتعبها الطواف، اغوت الربابنة، راودت البحارة الغرباء، اخذت وأعطت.. غزة أدارت ظهرها للبحر، ووجهها الى جزيرة العرب. استقبلت القوافل القادمة من اعماق الجزيرة محملة بالنفائس والتوابل والحناء وأخلاق الصحراء.. كل ما في الصحراء من شظف وقساوة ومنع وردع”.

المكان يافا  غزة، في ذاكرة شخصية اشكالية غير ان “التشاكل” أو الاضطراب، لم يمنع هذه الذاكرة من الاستمرار، ومن التمرد على قتلها وإبادتها، في زحمة الاحداث. وهو ما وفر الاطمئنان التاريخي للشعب الفلسطيني كله، من ان “الاشكاليات” التي اعترت بعض شخصياته “والتي هي في آن، شخصيات هذه الرواية” لن تعيق قدرته الفائقة على التشبث الراسخ بفلسطين مكانا وزمانا، رغم نشوء “اسرائيل” في المكان نفسه، والزمان نفسه.