الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

ملفات خاصة

 

النظام القضائي الصهيوني تمييز عنصري ضد الفلسطينيين

 

دراسة المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان  - القدس

 

مقدمة :

من مهام الحكومة الأساسية تطبيق القانون و حماية أرواح و ممتلكات و حقوق الناس التي هي مسؤولة عن أمنهم . هذا المبدأ متعارف عليه في القانون الدولي و كذلك في القانون المحلي في جميع الديموقراطيات في العالم . إن واجب إسرائيل لا يقتصر على المواطنين الإسرائيليين بل يمتد أيضاً ليشمل الفلسطينيين في المناطق التي تحتلها إسرائيل الغاصبة، وعلى نفس القدر من المساواة. سوف يحاول هذا التقرير بيان مدى تجاوب الكيان الصهيوني اللقيط مع القانون الدولي من خلال فحص كيف يتعامل الجهاز القضائي الإسرائيلي مع المدنيين الإسرائيليين والفلسطينيين في المناطق المحتلة وقطاع غزة الذين يقتلون أفراداً من الجانب الآخر.

النتيجة أظهرت أن الكيان الصهيوني" إسرائيل" فشلت في حماية أرواح وحقوق الفلسطينيين.

 في (إسرائيل) اللقيطة هناك نظامان قضائيان منفصلان يعملان جنباً إلى جنب، واحد (للإسرائيليين) وآخر للفلسطينيين، كما سوف نرى، وبينما تتم محاكمة ومعاقبة الفلسطينيين بأقصى الأحكام التي يجيزها القانون، في المقابل لا يُحاكم اليهود الذين يقتلون الفلسطينيين إلا نادراً، وإذا حدث ذلك، فأنهم يعاقبون بأحكام مُخففة جداً لا تتناسب مع ما اقترفوه من جرائم. من الأمثلة على ذلك، التي سوف نأتي على ذكرها لاحقاً، هو قضية الحاخام موشيه ليفنغر، الذي أدين في العام 1990 بتهمة "القتل بسبب الإهمال" والتسبب بجروح خطيرة في حادثة اعتداء على مواطنين عرب. في البداية صرّح ليفنغر أنه "لم ينل شرف قتل ذلك العربي"،   ثم اعترف أنه أطلق النار من مسدسه بعد أن ألقى عليه شبان فلسطينيون بعض الحجارة فقتل تاجراً فلسطينياً كان يقف أمام دكانه. وعلى الرغم من تاريخه الإجرامي الحافل إلا أن المحكمة الإسرائيلية حكمت على ليفنغر بالسجن فترة 12 شهراً، منها 7 أشهر مع وقف التنفيذ. ثم خرج من سجنه بعد ثلاثة أشهر فقط لأنه "أدين بتهمة ثانوية". (حسب ما جاء في صحيفة دافار بتاريخ 2/5/1990)

بالتأكيد ليس المقصود بمثل هذا الحكم السخيف أن يردع القاتل عن تكرار جريمته، أو أن يردع إسرائيليين آخرين ممن يكرهون العرب عن الحذو حذوه. إن هذا الفشل الواضح في معاقبة الإسرائيليين الذين يرتكبون أفظع الجرائم ضد الفلسطينيين يُشكّل انتهاكاً لكل من القانون الإنساني الدولي والقانون الأساسي الإسرائيلي

أ- القانون الدولي

أن الحق في الحياة هو من المبادئ الأساسية في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان ولا يمكن انتقاصه أو تجاهله بأي حال من الأحوال، وهذا ما نصّت عليه المادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:

 (لكل فرد حق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه)

كما أن المادة 6 فقرة 1 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صادقت عليه اللقيطة اسرائيل سنة 1991، تنص على:

 (الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان. وعلى القانون أن يحمي هذا الحق.

ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفا)

هناك حق أساسي آخر أقره القانون الدولي يتعلّق بهذا التقرير، وهو الحق في الحصول على إنصافٍ فعال ضد الجريمة. وقد تم تأكيد هذا الحق في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، المادة 8 التي تنص على:

 (لكل شخص حق اللجوء إلى المحاكم الوطنية المختصة لإنصافه الفعلي من أية أعمال تنتهك

الحقوق الأساسية التي يمنحها إياه الدستور أو القانون)

من خلال مصادقتها على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فإن إسرائيل تتعهد بـ:

 (احترام وكفالة جميع الحقوق للأفراد الموجودين في اقليمها والداخلين في ولايتها، دون أي تمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيا أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة، أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب)                                            المادة 2 فقرة 1

تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد:

(أ) بأن تكفل توفر سبيل فعال للتظلم لأي شخص انتهكت حقوقه أو حرياته المعترف بها في هذا العهد، حتى لو صدر الانتهاك عن أشخاص يتصرفون بصفتهم الرسمية.

 (ب) بأن تكفل لكل متظلم على هذا النحو أن تبت في الحقوق التي يدعي انتهاكها سلطة قضائية أو إدارية أو تشريعية مختصة، أو أية سلطة مختصة أخرى ينص عليها نظام الدولة القانوني، وبأن تنمي امكانيات التظلم القضائي.

 (ج) بأن تكفل قيام السلطات المختصة بانفاذ الأحكام الصادرة لمصالح المتظلمين.

العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، المادة 2، فقرة 3

بالإضافة إلى القانون الدولي المتعلق بحقوق الإنسان، هناك القانون الإنساني الدولي الذي يجب أخذه بعين الاعتبار. فإسرائيل تعتبر مواجهتها مع الفلسطينيين "صراعاً مسلحاً"، وإذا صحّ ذلك فهناك تداعيات تتطلب ضمان توفر الحماية للسكان المدنيين، وفق ما جاء في اتفاقيات جنيف المتعلقة بحماية السكان المدنيين وقت الحرب. فتحت عنوان "وضع الأشخاص المحميين ومعاملتهم، تنص المادة 27:

 (للأشخاص المحميين في جميع الأحوال حق الاحترام لأشخاصهم وشرفهم وحقوقهم العائلية وعقائدهم الدينية وعاداتهم وتقاليدهم. ويجب معاملتهم في جميع الأحوال معاملة إنسانية، وحمايتهم بشكل خاص ضد جميع أنواع العنف أو التهديد، وضد السباب وفضول الجماهير.)

نستنتج أن اتفاقيات جنيف، التي تقول أن السلطة التي تسيطر على منطقة ما تكون مسئولة عن ضمان تطبيق القانون والنظام في تلك المنطقة، تفرض على إسرائيل واجب حماية حياة المدنيين الذين هم تحت حكمها.

موقف الكيان الغاصب القانوني هو أنها لا تعترف بأن المناطق الفلسطينية "محتلة"، لأنها أخذت الضفة الغربية من الأردن وقطاع غزة من مصر، وهاتان لم تكن سيطرتهما على المناطق ذات صبغة دولية معترف بها،فالحكومة الإسرائيلية الباغية تقول أن كلمة "احتلال" يجب استخدامها فقط في حالة خضوع المناطق بشكل قانوني لسيطرة دولة أخرى.

ب- القانون الأساسي الإسرائيلي عن الكرامة والحرية الإنسانية

إن فشل الكيان اللقيط في حماية المدنيين الفلسطينيين يشكل انتهاكاً للقانون الإسرائيلي المحلي، وخرقاً لالتزامات إلكيان بالقانون الدولي. ومع أنه لا يوجد دستور مكتوب في الكيان إلا أنه يوجد فيها قوانين وأنظمة تضع الأسس العامة لهيئة الحكومة وحقوق الفرد. وهذا موضّح في القانون الأساسي الإسرائيلي حول الكرامة والحرية الإنسانية الذي تم اعتماده في 17 آذار 1992، وفي القسم الأول منه هناك نص صريح:

"أن حقوق الإنسان الأساسية في إسرائيل مبنية على الاعتراف بقيمة الحياة الإنسانية، وقدسية حياته وحريته." والقسم الثاني منه ينص على: "يجب أن لا يكون هناك أي انتهاك لحياة وشخص وكرامة أي شخص." وقد تم التأكيد مجدداً على ذلك في القسم الرابع: "يجب أن تتم حماية حياة جميع الأفراد وأشخاصهم وكرامتهم." أما القسم العاشر من القانون فيطرح تطبيق هذه الحقوق الأساسية: "جميع السلطات الحكومية يجب أن تلتزم باحترام الحقوق وفق القانون الأساسي

خلفية

عبر سنوات طويلة، شهدت المناطق الفلسطينية صراعاً ومواجهات ما بين الفلسطينيين من جهة، والمستوطنين اليهود، وغيرهم من الإسرائيليين المحتلين، من جهة ثانية. وقد تصاعدت حدّة المواجهات بين الطرفين خلال فترتي الانتفاضتين ضد الاحتلال الإسرائيلي: الانتفاضة الأولى اندلعت في كانون أول 1987 واستمرت حتى 1993، فيما انطلقت شرارة انتفاضة "الأقصى" الثانية في أيلول 2000.

معظم اعتداءات المدنيين الإسرائيليين (المستوطنين) على الفلسطينيين تضمنّت استخدام أسلحة نارية، ومعظم هذه الأسلحة استلمها المستوطنون من الجيش الإسرائيلي المحتلوالذي بدوره ليس له أي إشراف على كيفية استخدام المستوطنين لهذه الأسلحة. وقد تساءل عضو الكنيست الصهيوني أفرايم سنيه، الذي أصبح فيما بعد وزيراً للحرب، في شهر أيار من العام 1993، عن امتلاك المستوطنين اليهود في المناطق الفلسطينية لكميات من السلاح لا تخضع لسيطرة الجيش المحتل، مما قد يخلق مشكلة أمنية للحكومة الإسرائيلية الباغية.

وبعد احتلال الأراضي الفلسطينية، الضفة الغربية بما فيها شرقي القدس وقطاع غزة، بعد حرب الأيام الستة في حزيران 1967. وأصبح الجيش الإسرائيلي الغاصب هو المسؤول عن حفظ الأمن والنظام في هذه المناطق التي خضعت للحكم العسكري الإسرائيلي. وأصبحت المحاكم العسكرية الإسرائيلية تتعامل مع "القضايا الأمنية". وبدأالكيان ببناء المستوطنات اليهودية في المناطق الفلسطينية مباشرة بعد انتهاء الحرب. وقد شجّعت الحكومة الإرهابية اليهود على القدوم والاستيطان أولاً في الضفة الغربية، ثم في قطاع غزة، وذلك من خلال منحهم قطع أراضٍ جيدة –بعد مصادرتها من أصحابها الفلسطينيين- وقروضاً مالية وحماية من الجيش الإرهابي . أي أنه يمكن القول أن احتلال إلكيان للمناطق الفلسطينية هو "احتلال حربي"، وهو ما يُطلق على أي احتلال تقوم به أي دولة لأراضٍ ليست لها. وقد قامت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، من ليكود وعَمل، بتشجيع النشاط الاستيطاني في الأراضي المحتلة، حتى بعد توقيع اتفاقيات اوسلو التي نصّت على "عدم قيام أي من الطرفين بخطوات أحادية الجانب لتغيير الوضع القائم في الضفة الغربية وقطاع غزة في انتظار مفاوضات الوضع النهائي." (أنظر اتفاقية المرحلة الانتقالية الموقعة في 28/9/1995 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإلكيان)

بلغ عدد المستوطنين اليهود في الضفة الغربية وقطاع غزة 199 ألفا في شهر كانون أول سنة 2000، يُضاف لهم 200 ألفاً آخرين في القدس الشرقية. (حسب تقرير جماعة السلام الآن الإسرائيلية بعنوان "الاحتلال خلال سنوات اوسلو" بتاريخ 3/12/2000)

المستوطنون اليهود ليسوا مجموعة متجانسة، بل هم أفراد وجماعات يتفقون على أنه "من حق اليهود العيش في المناطق المحتلة". وهم ينقسمون إلى فئة متشددة متعصبة دينياً تستخدم العنف وسيلة ضد العرب وهم قلائل، بينما الغالبية منهم أناس عاديون استفادوا من الفرص التي هيأتها لهم الحكومة فأغراهم "مستوى المعيشة الجيد" فانتقلوا للسكن في المستوطنات حيث المزايا المالية التي تقدمها الحكومة.

في العام 1979 تم دمج المستوطنات الإسرائيلية في نظام الحكم المحلي الإسرائيلي من خلال مجالس محلية، بينما المجتمع الدولي ينظر للمستوطنات الإسرائيلية على أنها غير قانونية. ويمكن هنا النظر في عدد غير قليل من توصيات الجمعية العمومية وقرارات مجلس الأمن التابعين لهيئة الأمم المتحدة، مثل قرار رقم 465 سنة 1980، ومن الجدير ذكره أن الجمعية العامة لهيئة الأمم تدرس كل سنة ما تقوم به إسرائيل اللقيطة من نشاط استيطاني، وتوجّه الانتقادات لها. وقد طلب قرار مجلس الأمن رقم 465 من الدول التي تمنح اللقيطة إسرائيل المساعدات أن تمتنع عن تقديم المساعدات لها إذا كان تقديم المساعدات قد يساعدها على انتهاك اتفاقيات جنيف المتعلقة بالمدنيين.

ومنذ اندلاع انتفاضة الأقصى في أيلول 2000 حذّر قادة المستوطنين في المناطق الفلسطينية من أنهم قد "يأخذون القانون بأيديهم". وقد جاء ذلك، على سبيل المثال، على لسان يهوشوع بن يوسف الناطق بأسم مجلس المستوطنات في الضفة الغربية وغزة بتاريخ2/10/2000 عندما قال: "نحن الآن نتصرف بتنسيق مع الجيش الإسرائيلي، ولكن إذا ساءت الأمور فنحن جاهزون للعمل بمفردنا."

وباتت ظاهرة "دوريات الأمن" التي تجوب محيط المستوطنات الإسرائيلية أمراً خطيراً حيث ليس للجيش ولا للشرطة الإسرائيلية أية مسؤولية أو إشراف عليها. (أنظر مقالة الصحافي الإسرائيلي عاموس هاريل في صحيفة هآرتس الإسرائيلية بتاريخ 28/2/2001 والتي وصف فيها عمل هذه الدوريات أنه أشبه ما يكون "بالغرب المتوحش")

ولا يبدو واضحاً إذا كانت هناك ضوابط تحكم عمل دوريات المستوطنين الأمنية هذه، فهل هناك تعليمات إطلاق نار خاصة بها مثلاً؟ وكما هو متعارف عليه، فإن حكم القانون وتوفر النظام العام هو أساس أي مجتمع مدني، وهذا ما تدركه وتدعمه محكمة العدل العليا "حكم القانون أساسي لحماية حقوق الإنسان". (صادر عن محكمة العدل العليا، قضية برزلاي ضد الحكومة الإسرائيلية، رقم 428/86)

والأهم أن وجود دوريات المستوطنين المسلحة هذه يجعل من الصعوبة بمكان التمييز بين المسلحين وغير المسلحين من السكان، ذلك الفرق الذي على أساسه قامت اتفاقيات جنيف لحماية السكان المدنيين.

تظل اللقيطة إسرائيل ملزمة تحت القانون الدولي بحماية أشخاص وممتلكات المدنيين الفلسطينيين تحت سيطرتها وتجادل أن اتفاقيات جنيف المتعلقة بحماية المدنيين لا تنطبق على احتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة. ويستند الجدل الإسرائيلي على أن الأمر لا يتعلق بدولة ذات سيادة تم احتلالها، فالضفة الغربية ليست جزءاً من الأردن وقطاع غزة ليس جزءاً من مصر. ولكن المجتمع الدولي رفض هذه المقولة الإسرائيلية جملة وتفصيلا. (راجع قرار مجلس الأمن رقم 237 سنة 1968، وتقرير الخارجية الأمريكية عن وضع حقوق الإنسان للأعوام 1983، 1984).

على كل حال، قسّمت أتفاقيات السلام للمرحلة الانتقالية بين الفلسطينيين وإلمحتل الموقعة في العام 1995، مسؤولية حفظ النظام والأمن بين السلطة الفلسطينية وإلمحتل حيث تم تجزئة المناطق المحتلة إلى ثلاثة تصنيفات: مناطق (أ) وتخضع كلياً للسلطة الفلسطينية، مناطق (ب) وتخضع أمنياً للمحتل وإدارياً للسلطة الفلسطينية، ومناطق (ج) وتخضع كلياً للمحتل. (راجع اتفاقية المرحلة الانتقالية حول الضفة الغربية وغزة الموقعة في سنة 1995، القسم الثاني، المواد 10-13)

في السنوات الأخيرة، وخاصة بعد اندلاع انتفاضة الأقصى، طرحت اللقيطة إسرائيل مقولة أنها بعد توقيع اتفاقيات اوسلو لم تعد مسؤولة عن حفظ الأمن أو حقوق الإنسان في المناطق المصنفة (أ) الخاضعة –وفق الاتفاقيات- للسيطرة الفلسطينية. لكن السيطرة الإسرائيلية تبدو شبه كاملة حتى على هذه المناطق، وذلك ما صرح به بوضوح رئيس الوزراء الإسرائيلي الارهابي المجرم أرئيل شارون بأن اللقيطة إسرائيل تدخل مناطق (أ) "تقريباً كل يوم". (أنظر مقالة الصحافي جدعون ليفي في صحيفة هآرتس بتاريخ 15/4/2001)

كما أن السلطات الإسرائيلية ما زالت تقوم بمصادرة الممتلكات الفلسطينية في المناطق (أ)، التي لا تخضع من ناحية جغرافية –نظرياً- للكبان اللقيط، بل للسيطرة الفلسطينية. وتمثّل قضية عائلة أبو هولي الفلسطينية من قطاع غزة المرفوعة أمام محكمة العدل العليا الإسرائيلية، في 19 نيسان 2001، مثالاً حيّأً على عدم شرعية مصادرة الممتلكات الفلسطينية بما فيها الأراضي، وقد حكمت المحكمة بعدم شرعية المصادرة وأوصت بعدم هدم بيت العائلة.

الفلسطينيون الذين يرتكبون جرائم ومخالفات في المناطق (أ) و (ب) تتم محاكمتهم أمام محاكم فلسطينية، وفق ما جاء في اتفاقية المرحلة الانتقالية، أي أن السلطة الفلسطينية مسؤولة عن ملاحقتهم وجلبهم أمام القضاء. بينما الفلسطينيون الذين يرتكبون جرائم في المناطق المصنفة (ج) وجميع اليهود الذين يرتكبون جرائم في أي مكان في المناطق المحتلة تكون اللقيطة إسرائيل مسؤولة عن ملاحقتهم ومحاكمتهم حيث تنص المادة 11/ فقرة 4 / د ، من اتفاقية المرحلة الانتقالية الموقعة بين الطرفين على:

"تحت أي ظرف من الظروف، لن يتم اعتقال إسرائيليين أو وضعهم في الحجز أو السجن من جانب السلطات الفلسطينية بينما تكون اللقيطة المحتلة مسؤولة عن ملاحقة ومحاكمة الفلسطينيين الذين يرتكبون جرائم أو مخالفات في المناطق المصنفة (ج) وجميع المواطنين الإسرائيليين الذين يرتكبون أية جرائم أو مخالفات في أي مكان، وهذا ما نصّت عليه اتفاقية المرحلة الانتقالية، الملحق 3 المتعلق بالنواحي القانونية، المادة الأولى. لكن هنا يتم الفصل والتمييز في معاملة ومحاكمة الفلسطينيين والإسرائيليين من جانب اللقيطة إسرائيل. فالفلسطينيون يحاكمون أمام محاكم عسكرية وفق قوانين عسكرية، بينما الإسرائيليون يحاكمون أمام محاكم مدنية.

النظام القضائي العسكري في اللقيطة إسرائيل يضم قضاة ليسوا محامين، وفي كثير من الأحيان تعقد جلسات محاكمة أمام مثل هؤلاء القضاة الذين لم يمارسوا مهنة المحاماة وليسوا سوى ضباط عسكريين يتم تعيينهم في كثير من الأحيان لمناقشة قضية محددة. وغالباً ما تعقد مثل هذه المحاكمات العسكرية للفلسطينيين وتكون هيئة المحكمة مكونة من قاضٍ ذي خلفية قانونية، ومساعدين له ليسا سوى ضباط من الجيش الإسرائيليالمحتل الغاصب. فقد صرّح أحد مساعدي القضاة العسكريين (اسمه عومر بارك) لصحيفة هآرتس بتاريخ 18/12/ 2001 أن:

" يبدو أن العملية جميعها لا تحترم أبداً حق المتهم في الحصول على محاكمة عادلة."فيما المواطنون الإسرائيليون يُحاكمون أمام القضاء المدني الإسرائيلي.

 

تقسم المحاكم المدنية في الكيان المحتل إلى ثلاثة أنواع:

أ- المحاكم الابتدائية، وتنظر في القضايا التي تصل أقصى عقوبة فيها الى 7 سنوات سجن، أو غرامة مالية بمبلغ 30 ألف دولار أمريكي.

ب- المحاكم اللوائية، وتنظر في القضايا التي تصل عقوباتها أكثر من 7 سنوات سجن، أو غرامة أكثر من 30 ألف دولار أمريكي.

ج- المحكمة العليا، وتنظر في قضايا الاستئناف على أحكام صدرت عن المحاكم اللوائية.

تخضع المحاكم المدنية لسلطة وزارة العدل، فيما تخضع المحاكم العسكرية لسلطة من تسمى وزارة الدفاع.

والنتيجة، أنه يوجد نظامان قضائيان متباينان يُعمل بهما في الأراضي التي تحتلها اللقيطة إسرائيل. وقد توصّل عضو الكنيست الإسرائيلي الارهابي أمنون روبنشتاين (ميرتس) وهو رئيس لجنة القضاء والقانون في البرلمان الإسرائيلي، إلى هذه الحقيقة في وقت مبكر، حيث قال بتاريخ 2/1/1984 أمام الكنيست الصهيوني:

"في يهودا والسامرة وغزة – الضفة الغربية وقطاع غزة – هناك نظامان قضائيان وهناك نوعان من الناس: هناك مواطنون إسرائيليون يتمتعون بحقوق كاملة، وآخرون غير إسرائيليين (غير مواطنين) ليست لهم أية حقوق."

إن وجود هذين النظامين القضائيين المختلفين يُشكّل تمييزاً في معاملة الفلسطينيين سكان المناطق التي تحتلها اللقيطة إسرائيل ففي الضفة الغربية يخضع الفلسطينيون لنظام قضائي محلي موجود قبل سنة 1967 (وهو مزيج من القوانين الأردنية والبريطانية والعثمانية) بالإضافة للأوامر العسكرية الإسرائيلية، وفي قطاع غزة يخضع الفلسطينيون لنظام قضائي محلي (مزيج من القوانين المصرية والبريطانية والعثمانية) بالإضافة للأوامر العسكرية الإسرائيلية.

 نستنتج من ذلك أن الفلسطينيين والإسرائيليين الذين يرتكبون نفس المخالفة أو الجريمة، يحاكمون بطريقة مختلفة وأمام محاكم مختلفة وتصدر بحق كل فئة منهم عقوبات مختلفة.

وطالما أن اليهود  الذين يرتكبون جرائم قتلٍ يحاكمون في الكيان إ وفق القضاء المدني الإسرائيلي، وهو في الأساس مبني على قوانين بريطانية ثم تأثرها بالتشريعات الأمريكية فيما يخص المجتمع المدني، فإنهم يحظون برزمة من الحقوق التي يكفلها القانون المدني بينما هذه الحقوق غائبة في القضاء العسكري الإسرائيلي الذي يُحاكم الفلسطينيين الذين يرتكبون جرائم قتل مع أنهم يسكنون في نفس المنطقة.

والملفت للنظر أن المواطنين العرب في داخل الكيان والذين يحملون الجنسية الإسرائيلية، يحاكمون أحياناً أمام محاكم عسكرية. وقضية المواطن العربي محمد صندوقة المقدمة أمام المحكمة العليا  الإسرائيلية بتاريخ 2/12/2000 والتي يطلب فيها أن تصدر المحكمة أمراً بأن يحاكم جميع المواطنين الفلسطينيين وفق القانون المدني الإسرائيلي، مثال واضح على ذلك. التباين في المعاملة وعدم المساواة واضحان في كل مرحلة من العملية القضائية في إسرائيل. بل وأكثر من ذلك، هناك تمييز في المعاملة ضد الفلسطينيين في كل المؤسسات الإسرائيلية التي تقدم خدمات اجتماعية واقتصادية.

يمكن رؤية ذلك التمييز القضائي جليّاً في فترة توقيف المتهم قبل المحاكمة، وحق المتهم في توكيل ومقابلة محاميه، ووجود الدفاع في المحكمة، والعقوبة القصوى التي تقع عليه، والإفراج بكفالة قبل توقيع العقوبة ... كل هذه نقاط تختلف في كل من النظامين القضائيين المعمول بهما، حيث أن القضاء المدني يمنح حقوقاً وضمانات أكثر لمن تسموا بالمواطنين الإسرائيليين. 

 

3) السجن والحَبس

المشتبه به الفلسطيني يمكن توقيفه وحبسه فترة ثمانية أيام قبل أن يُعرض أمام القاضي، وأحياناً لفترة 18 يوماً حسب نوع التهمة الموجهة له، ومنها التسبب بالموت عن قصد.

كما جاء في الأمر العسكري رقم 1391، الصادر بتاريخ 24/3/1993 بالنسبة للضفة الغربية، ورقم 1903 الصادر بتاريخ 25/3/1993 بالنسبة لقطاع غزة.

يجوز حبس المشتبه به الفلسطيني بدون توجيه تهمة له بأمر من قاض لفترة أوليّة تصل إلى 30 يوماً، ثم يجوز تمديدها الى فترة قصوى تصل إلى 6 أشهر بموافقة المستشار القانوني للمناطق المحتلة، من خلال محكمة الاستئناف العسكرية. حسب الأمر العسكري رقم 378، جزء 78 فقرة 5 وجزء 79 فقرة 5/2، وهو تعديل لأمر عسكري رقم 1378 الصادر بتاريخ 20/10/1990 في الضفة الغربية، ولأمر عسكري رقم 1081 الصادر بتاريخ 11/10/1992 في قطاع غزة.

بينما المشتبه به الإسرائيلي يمكن توقيفه بدون محاكمة لفترة أوليّة تصل إلى 15 يوماً، ويجوز تمديدها 15 يوماً أخرى كحد أقصى. حسب القانون الجنائي الإسرائيلي لسنة 1996، القسم 13 فقرة أ.

كما أن هناك فروقاً واضحة في ظروف توقيف وحبس كل من الفلسطينيين والإسرائيليين. فالمعتقلون الفلسطينيون غالباً ما يوضعون في حبس انفرادي خلال فترة الحبس الأولية، كما أنهم يتعرضون لتعذيبٍ قاسٍ خلال فترة التحقيق معهم. لقد قامت اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل بإعداد تقرير في شهر أيار 2001 عن استعمال التعذيب، وقامت بتقديمه إلى لجنة أور الإسرائيلية، التي بدورها أوصت المستشار القضائي للحكومة بأن يُطبق أمر المحكمة العليا بمنع التعذيب بحزمٍ أشد. وقد جاء في تقرير لجنة مناهضة التعذيب أن معظم المعتقلين الفلسطينيين بما فيهم الأحداث (أقل من 16 سنة) يتعرضون للتعذيب الجسدي والنفسي على أيدي رجال جهاز الأمن العام الإسرائيلي (شين بيت) مثل الضرب الشديد، والجلوس في أوضاع صعبة (الشَبح) والإهانات وغيرها. ويستخلص التقرير أنه على الرغم أن إسرائيل من الدول الموقّعة على المعاهدات الدولية التي تمنع تعذيب الأسرى والسجناء، إلا أنه يبدو أن رجال الأمن اليهود ليس لهم علم بمثل هذه المعاهدات.

أضف الى ذلك، أن هناك اختلافاً في طول المدة التي يُسجن فيها كل من الفلسطينيين واليهود بانتظار إتمام اجراءات المحاكمة. لكن مثل هذه الاختلافات لا تنطبق على الجرائم "الخطيرة" أو التي تتضمن استخدام سلاح ما، وهي بالتالي لا تعنينا في هذا التقرير.

 

4) مقابلة محامي الدفاع

في الوقت الذي ينص فيه القانون العسكري على أنه من حق المعتقل الفلسطيني أن يقابل محامياً (للدفاع عنه) في أسرع وقت ممكن، إلا أن السلطات المحتلة الإسرائيلية تجيز لنفسها حق تأخير مثل هذه المقابلة لفترة قد تصل إلى 15 يوما من تاريخ الاعتقال، إذا أراد المحقق الإسرائيلي ذلك بحجة "مواصلة التحقيق مع المعتقل". كما يمكن تمديد فترة التوقيف فترة 15 يوما أخرى بقرار من ضابط إصهيوني محتل لا تقل رتبته عن مُقدّم، ولفترة 30 يوماً أخرى بأمر من قاضٍ "لأسباب أمنية" أو "لفائدة سير التحقيق"، ثم بعد ذلك يجوز لرئيس هيئة قضائية (قاضٍ في محكمة عسكرية) أن يصدر أمراً بتمديد التوقيف فترة 30 يوماً إضافية. أي أنه يمكن منع المعتقل الفلسطيني من رؤية محاميه فترة تصل إلى 90 يوما. أمر اللوائح الأمنية، جزء 78

أما المعتقل االصهيوني فيجوز لضابط شرطة برتبة مُقدّم أو أعلى أن يؤخر مقابلة المحامي عدة ساعات إذا رأى أن ذلك قد "يضر بسير عملية التحقيق". ويجوز تأخير المقابلة فترة 48 ساعة إذا كان الأمر متعلقاً بأمن الدولة، أو حياة أفراد، أو منع وقوع جريمة. ويجوز لمسؤول التحقيق أن يؤخر مقابلة المحامي فترة سبعة أيام إذا رأى أن ذلك قد يضر بسير التحقيق أو بأمن الدولة، ثم بعد ذلك يجوز لضابط برتبة قائد أو أعلى أن يؤخر المقابلة ثمانية أيام إضافية. أي أن الفترة القصوى لمقابلة محامي بالنسبة لمعتقل إسرائيلي قد تصل إلى 15 يوماوفق القانون الجنائي الإسرائيلي لسنة 1982، جزء29

 

5) الأحكام والعقوبات

تركيبة صدور الأحكام في النظامين القضائيين المعمول بهما متباينة، فالعقوبات القصوى في القضاء المدني، الذي يحاكم على أساسه الصهاينة، تعتبر مخففة وأقل قسوة من تلك الموجودة في القضاء العسكري الذي يحاكم على أساسه الفلسطينيون. فعلى سبيل المثال، الفلسطيني الذي يُدان بارتكاب جريمة قتل تعاقبه المحكمة العسكرية الإسرائيلية بالسجن مدى الحياة، بينما االصهيوني الذي يُدان بارتكاب جريمة قتل تعاقبه المحكمة المدنية الإسرائيلية بالسجن مدة 20 سنة.

الاختلاف في الأحكام يُعززه اختلافٌ في تعليمات الإفراج المبكر عن المحكومين. بالنسبة للصهاينة، فإن نظام العقوبات المدني يجيز الإفراج عن السجين بعد انقضاء ثلثي فترة العقوبة، حسب قانون العقوبات الإسرائيلي لسنة 1977، بينما ليس هناك تخفيض في فترة العقوبة للفلسطينيين، حسب الأوامر العسكرية الإسرائيلية لسنة 1969 رقم 322 .

 

6) التعويـض

المقصود بالتعويض هنا هو التعويض المالي الذي تدفعه الدولة للضحايا مقابل الضرر الجسدي أو الضرر في الممتلكات، أو تكاليف العلاج في المستشفى أو بدل أيام عمل، وفي الكيان تقوم مؤسسة ضريبة الأملاك أو هيئة التعويض الحكومي بدفع ذلك، بينما من تسموا المدنيون  الذين يتعرضون لإصابات جسدية أو في الممتلكات نتيجة لاعتداء على خلفية قومية أو سياسية يحق لهم الحصول على تعويضات من الحكومة، بينما الفلسطينيون (سواء يحملون الجنسية الإسرائيلية أو لا) لا يحق لهم ذلك.

في حالة نادرة من نوعها، توصّل المحامي يوسف جبارين من جمعية حقوق المواطن في إلكيان في شهر حزيران سنة 1999 إلى اتفاق مع كل من مؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلي ووزارة الأمن الداخلي وضريبة الأملاك وهيئة التعويضات يقضي بحصول موكّلاته وهن ثلاث فتيات عربيات، منال دياب والشقيقتان سونيا ووفاء خوري، على تعويضات، في قضية هي الأولى من نوعها. وكانت الفتيات العربيات الثلاث قد تعرّضن لهجمات واعتداءات على خلفية قومية بينما كنّ يسكنّ في القدس الغربية.

وقد شكّلت تلك القضية سابقة فريدة من نوعها، لأن دولة إالعدو تعترف بضحايا الهجمات "الإرهابية" فقط إذا كانت هذه الهجمات موجهة ضد إلكيان أو معاديةله، وضحايا هذه الاعتداءات هم في مجملهم يهود.

 

7) تمييز في تطبيق القانون

بالإضافة إلى حقيقة كون الفلسطينيين واليهود يُحاكمون وفق نظامين قضائيين مختلفين على نفس الجريمة، هناك تمييز في تطبيق القانون على كل فئة منهما. فالقضاة المدنيون الذين يحكمون في قضايا المتهم فيها يهودا يقبلون مقولة الدفاع عن النفس أو يتأثرون بها، بينما لا يقبل هذا الجَدل من المتهمين الفلسطينيين.

كثيراً ما يقبل القضاة المدنيون مساومات من الدفاع عن المتهمين اليهود، فيقبلون تخفيف العقوبة لدرجة أقل مما نصّ عليه القانون، إذا اعترف المتهم بارتكابه الجريمة، كون القانون المدني الإسرائيلي يذكر العقوبة القصوى ولا يُلزم المحكمة بعقوبة معينة، فيُترك القرار للقاضي. حيث ينص قانون العقوبات رقم 5737 لسنة 1977، في الجزء 35 على:

"يجوز لمحكمةٍ أدانت شخصاً على ارتكابه جريمة أو مخالفة أن تفرض عليه أية عقوبة لا تتجاوز العقوبة القصوى التي حددها القانون لتلك الجريمة".

حتى في جريمة خطيرة مثل القتل، والتي حَدّد القانون عقوبة إلزامية لها وهي السجن مدى الحياة، يجوز للقاضي المدني أن يُخفف العقوبة في ثلاث حالات وهي:

1- إذا كان المشتبه به يعاني من إختلال أو مرض عقلي.

2- إذا كان المشتبه به استعمل القوة أو العنف زيادة عن الحد المعقول في حالة دفاع عن النفس أو تحت التهديد أو لضرورة فرضت ذلك.

3- في حالات قتل معينة جاءت أعمال وحشية استمرت فترة طويلة.

حسب ما جاء في التعديل رقم 44 جزء 2 لسنة 1995 لقانون العقوبات

دراسة حالات

سوف يركّز هذا التقرير على مفصلين أساسيين في عملية محاكمة المجرمين أمام القضاء الإسرائيلي وهما:

اتخاذ القرار بإغلاق القضية، أو عدم فتح أي تحقيق فيها، وإدانة المشتبه فيه.

القومية (عربي أو يهودي) تلعب دوراً أساسياً في هذين المفصلين.

 

أ- الفشل في القيام بالتحقيق بصورة مناسبة

منذ بدء انتفاضة الأقصى في 28 أيلول 2000 قام مستوطنون بقتل سبعة مدنيين فلسطينيين. وفي إحدى المرات قام مستوطن يهودي بقتل فلسطيني كان ينزف جريحاً في البلدة القديمة بالخليل بتاريخ 22/12/2000، بعد أن أطلق شرطي إسرائيلي النار على الفلسطيني وأسمه نجيب عبيدو وأصابه وتركه ينزف، وقابل الشرطي ذلك المستوطن فأخبره بما حدث، فذهب المستوطن إلى حيث كان الفلسطيني ملقى وأجهز عليه.

لم تقم الشرطة الإسرائيلية بفتح أي تحقيق في كثير من الحالات إلا بعد أن تقدمت مؤسسات حقوقية إسرائيلية أو فلسطينية بطلب ذلك. فعلى سبيل المثال، قال المحامي ركيفت ليفين مسؤول العلاقات العامة في شرطة إسرائيل في رسالته إلى المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان أنه لم يتم فتح أي تحقيق في ظروف مقتل المواطن الفلسطيني مصطفى محمود عليان بتاريخ 14/11/2000 إلا بعد أن لفتت منظمة بتسيلم الحقوقية الإسرائيلية نظر الشرطة إلى تلك الواقعة في منتصف شهر آذار 2001.

وفي الحالات القليلة التي تم فيها فتح تحقيق، قامت الشرطة بتوقيف المشتبه فيهم ثم أفرجت عنهم بعد فترة وجيزة "لعدم كفاية الأدلة". ومفهوم "عدم كفاية الأدلة" هذا يصعب فهمه حيث أن كثيراً من الحالات تضمّنت وجود شهود عيان، لكن لم تقم الشرطة الإسرائيلية بسؤالهم أو أخذ إفادات منهم، منذ شهر أيار 2001.

بتاريخ 17/10/2000 قام مستوطنان إسرائيليان من مستوطنة ايتامار قرب نابلس بمهاجمة مجموعة المزارعين الفلسطينيين الذين كانوا في الحقول يقطفون ثمار الزيتون فقتلوا فريد نصاصرة وأصابوا ثلاثة آخرين. قامت الشرطة الإسرائيلية بتوقيف هذين المستوطنين لمدة خمسة أيام، ثم أفرجت عنهما "لعدم كفاية الأدلة".حسب صحيفة هآرتس الإسرائيلية بتاريخ 22/11/2000

لكن أبن عم الشهيد، خالد عيسى نصاصرة أفاد بأن الجريمة حدثت أمام أعين جنود الجيش الصهيوني المحتل ، وشاهد الحادثة مزارعون فلسطينيون آخرون. ومع ذلك، ينظر مكتب النائب العام في إغلاق ملف هذه القضية بحجة "صعوبة تكوين اتهام".حسب صحيفة هآرتس بتاريخ 11/3/2001

والحالة الأكثر وضوحاً هي قضية تحرير سليمان رزق، وهو صبي فلسطيني من قرية حزما شمالي القدس قام مستوطن يهودي بتاريخ 31/12/2000 بقتله بإطلاق النار على رأسه. وقد قال والد تحرير، سليمان أن ثلاثة أو أربعة صبية من قرية حزما كانوا يلقون الحجارة على الطريق الالتفافي المؤدي إلى رام الله في ذلك اليوم، ومن الممكن أنهم أصابوا سيارة ذلك المستوطن. فقام ذلك المستوطن بالاستدارة في سيارته وهي ميتسوبيشي بيضاء ورجع وتوقف، ثم أطلق عشرة رصاصات من نافذة سيارته فأصابت إحداها الشهيد تحرير في رأسه من مسافة لا تزيد عن 10 أمتار.

على الرغم من وجود العديد من شهود العيان على جريمة قتل تحرير رزق، وأن هؤلاء الشهود قد أخبروا منظمات حقوق إنسان أنه بإمكانهم التعرّف على المستوطن القاتل، وأن هذه الحادثة لقيت تغطية إعلامية واسعة في الصحافة الإسرائيلية، إلا أنه بعد مرور عام كامل عليها لم تقم الشرطة الإسرائيلية حتى الآن بفتح أي تحقيق في القضية. ولم تقم عائلة الشهيد رزق بتقديم شكوى لدى الشرطة الإسرائيلية خشية أن يتم تشريح الجثة، وذلك مخالف لتعاليم الدين الإسلامي. 

 

حسب مقالة عميرة هس في صحيفة هآرتس بتاريخ 2/11/200

وقد وقع خلاف بين شرطة الضفة الغربية الإسرائيلية وشرطة القدس الإسرائيلية حول مسؤولية أي منهما عن التحقيق في هذه القضية، وقد يكون هذا الخلاف مفتعلاً من أجل المماطلة في فتح تحقيق في القضية ويمر الوقت ولا يحدث شيء. فقد تلقت المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان في القدس رسالتين، واحدة من المحامي ركيفت ليفي من شرطة الضفة الغربية بتاريخ 26/3/2001 ، وأخرى من شموئيل بن روبي الناطق بأسم شرطة القدس، وقد ادّعى كل من الطرفين أن الطرف الآخر هو المسؤول عن التحقيق في قضية مقتل الصبي تحرير رزق.

 

مما سبق يتضح أن النظام القضائي الإسرائيلي يحرم المواطنين الفلسطينيين من أبسط حقوقهم، وهو الحق في الحصول على العَدل. إن فشل السلطات الإسرائيلية في ملاحقة من يعتدي على الفلسطينيين من الإسرائيليين والتحقيق في الجرائم التي ترتكب بحق الفلسطينيين يمثل انتهاكاً صارخاً في حقوقهم الأساسية.

 

ب- الفشل في المُحاكمة

فشل السلطات الإسرائيلية في حماية حق الفلسطينيين في رفع الظلم عنهم والوصول إلى العَدل يرافقه فشل في ملاحقة ومحاكمة المعتدين من المستوطنين بعد فتح التحقيق، ومن ثم إغلاق القضايا دون تقديم شرح أو تفسير لذلك. في دولة إسرائيل، للنيابة العامة أن تقرر إغلاق قضية ما بسبب إما "عدم كفاية الأدلة" أو "غياب الاهتمام العام". فالنيابة لها صلاحية النظر في مدى اهتمام الرأي العام بقضية ما، ومن ثم اتخاذ القرار المناسب، من وجهة نظرهم. وفي كثير من حالات القتل التي كان الضحايا فيها فلسطينيين قررت النيابة إغلاق الملفات لأن "الأدلة لم تكن كافية" مع أنه وجد شهود عيان فلسطينيين في معظم الحالات.

 

محمد شلش

قامت الشرطة الإسرائيلية بتوقيف مستوطنين يهوديين أطلقا النار بتاريخ 17/12/2000 على رأس محمد شلش (18 سنة) فقتلاه من مسافة قصيرة جدا قرب رام الله، ثم أفرجت عنهما بعد بضعة أيام "لعدم كفاية الأدلة". على الرغم أنه جرى تشريح الجثة، ولا بدّ أن الشرطة الإسرائيلية قامت بفحص الرصاصة التي استقرت في رأس الضحية. وقد ردّ الضابط سامي بدعان من شرطة الضفة الغربية الإسرائيلية على استفسار المجموعة الفلسطينية لمراقبة حقوق الإنسان في شهر كانون أول 2001 عن سير التحقيق في هذه القضية، فكتب سطراً واحداً جاء فيه: (لقد تم فتح ملف للقضية التي أشرتم إليها، ثم أغلقت الشرطة الملف)، أي أن القضية أحيلت للنائب العام الذي أغلقها.

 

فائق سويدان

العامل الفلسطيني (19 سنة) من غزة، والذي كان يعمل داخل فلسطين المحتلة عام  48وكان يسير في منطقة حاجز ايرز العسكري بتاريخ 30/7/1989 متوجهاً إلى بيت حانون برفقة مجموعة من العمال الفلسطينيين عندما أطلقت عليه النار وقتل على الفور. التحقيق الذي أجراه مركز المعلومات الفلسطيني لحقوق الإنسان أظهر أن سيارة فولسفاجن بيضاء توقفت على جانب العمال وبدأ سائقها إطلاق النار عشوائياً على العمال فأصيب الشهيد سويدان في صدره وظهره، وتوفي خلال دقائق معدودة.

وفي وقت متأخر في ذلك اليوم، أوقفت الشرطة الإسرائيلية مستوطناً يدعى ديفيد شتيبي للإشتباه أنه هو من أطلق النار على سويدان وقتله. ويبدو أن سيارته تعرضت للرشق بالحجارة وكان معه حفيداه داخل السيارة، فرد بإطلاق النار، أولاً في الهواء على حد قوله، وادّعى أيضاً أنه لم يعلم أن أحداً قد أصيب حسب صحيفة هآرتس بتاريخ 31/7/1989،ثم اعترف شتيبي أنه أطلق النار على مجموعة من راشقي الحجارة، لكنه تعثّر وهو يطلق النار، ولا يعلم بالضبط إذا كان أصاب أحداً منهم. لكن المحكمة اللوائية في بئر السبع أمرت بتاريخ 1/8/1989 بتوقيف شتيبي لمدة ثلاثة أيام، بعد أن أفاد جندي إسرائيلي كان شاهداً على الحادث، أن "المستوطن شتيبي أطلق النار دون أن يكون هناك أي استفزاز، حيث لم يكن في المكان أي رشق حجارة من الفلسطينيين كما ادّعى المستوطن الذي أطلق النار".

وعندما أخبرت الشرطة القاضي أن القضية تم تحويلها من القتل غير العَمد، إلى القتل بسبب الإهمال، قال القاضي شموئيل منتزر: "أن شهادة الجندي تجعل شتيبي متهماً بجريمة أخطر من ذلك." حسب صحيفة حداشوت بتاريخ 2/8/1989

وفي جلسة المحكمة بتاريخ 2/8/1989 أصبح واضحاً أن الشرطة الإسرائيلية لم تستجوب أي من شهود العيان الفلسطينيين، وعلى الرغم من ذلك، أفرجت الشرطة عن المتهم شتيبي بكفالة مالية بلغت 50 ألف شيكل بعد أن أتمت التحقيق معه.

بتاريخ 21/1/1990 حوّلت الشرطة ملف القضية إلى مكتب النائب العام مع التوصية بمحاكمة القاتل، لكن مكتب النائب العام قرر إغلاق القضية لعدم كفاية الأدلة، وبات واضحاً أنه لم يتم سؤال أي من شهود العيان الفلسطينيين. ثم تبين أخيراً أن ملف القضية قد "ضاع". حسب ما ورد في رسالة مساعد النائب العام شاي نتزان إلى مركز حقوق الإنسان الإسرائيلي "بتسيلم" بتاريخ 5/1/1990.

 

محمود محمد النواجعة

هو مزارع فلسطيني يبلغ من العمر 55 عاماً، قتله مستوطن يهودي بتاريخ 7/6/1991 بإطلاق النار عليه، بينما كان يرعى قطيع أغنام له قرب مستوطنة سويسا في قطاع غزة. وقد افاد شاهد عيان فلسطيني، جابر حمد نواجعة، أن مستوطناً يهودياً كان يمتطي صهوة حصان أطلق النار على الشهيد وقتله بعد أن طلب من الرعاة أن يغادروا المنطقة.

ومع أن صحيفة دافار الإسرائيلية ذكرت بتاريخ 9/6/1991 أن النواجعة قتل خلال مواجهة مع مستوطن طلب من المزارعين الفلسطينيين أن يتركوا المكان، إلا أن صحيفة هآرتس ذكرت في نفس اليوم أن يهودياً يدعى باروخ يلين من مستوطنة سويسا تم توقيفه على خلفية حادث القتل. وقد أوقفت محكمة إسرائيلية في القدس المشتبه به 12 يوماً، حيث قال القاضي ديفيد فرنكل "أن المشتبه به لم يتبع الخطوات التحذيرية الواجب أن يلتزم بها، بل أطلق النار على الراعي الفلسطيني دون سابق إنذار". فيما أخبر مسؤول التحقيق رفائيل مزراحي القاضي أن لدى الشرطة من الأدلة ما يكفي لإدانة المتهم.

بتاريخ 12/6/1991 أفاد نائب قائد الشرطة الإسرائيلية في الضفة يوسي برتغال لصحيفة هآرتس أن التحقيق في حادث قتل النواجعة سوف يستكمل خلال بضعة أيام. ثم مدّدت محكمة القدس بتاريخ 20/6/1991 توقيف المشتبه به (يلين) فترة 8 أيام أخرى وقالت أنه من الصعب على المحكمة الإفراج عنه بكفالة لأن هناك احتمالاً قوياً أن يحاكم بتهمة القتل العَمد.

حسب صحيفة يديعوت أحرونوت بتاريخ 21/6/1991

بتاريخ 10/7/1991 وجهت إلى يلين تهمة القتل غير العَمد، وأفرج عنه بكفالة. ثم بعد مرور سنتين وبالتحديد بتاريخ 25/4/1993 صرّح مدير التحقيق في الشرطة الإسرائيلية يوني تسيوني أن ملف القضية تم تحويله إلى مكتب النائب العام الذي قرر إغلاق القضية "لعدم كفاية الأدلة".

حسب تقرير مركز بتسيلم حول تطبيق القانون فيما يخص المدنيين الإسرائيليين في المناطق المحتلة، في سنة 1994

إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن 50% من جرائم القتل التي يكون فيها القاتل يهودياً والضحية فلسطينياً إما لا يفتح فيها أي تحقيق أو يتم إغلاق الملف دون أي إجراء عقابي، بينما النسبة تنخفض إلى 10% إذا كان القاتل فلسطينياً والضحية إسرائيلياً، فإن ذلك يظهر بكل وضوح أن هناك عدم مساواة في المعاملة.

 

ج- محاكمات تنتهي بأحكام غير ملائمة بتاتاً

في الحالات النادرة التي حوكم فيها إسرائيليون وأدينوا على ارتكابهم جرائم قتل بحق مدنيين فلسطينيين، صدرت ضدهم أحكام مخففة لا تتناسب مطلقاً مع جرائمهم وأفعالهم الخارجة عن القانون.

بتاريخ 15/12/1993 قال العقيد مئير كاليفي قائد لواء الخليل في الجيش الإسرائيلي لصحيفة يديعوت أحرونوت: "الذي يزعجني أكثر من أي شيء آخر هو النظام القضائي. فالجيش يقوم بكل ما يطلب منه، نحن نعتقل يهودياً قام بمخالفة، فيذهب للمحاكمة، لكن القاضي يفرج عنه. ليست هناك عدالة كاملة. وحينما تغيب العدالة ويغيب العقاب، لا يكون هناك ردع، وتتكرر الاعتداءات."

الحاخام موشيه ليفنغر

بتاريخ 30/9/1988 عند الساعة العاشرة صباحاً، كان الحاخام اليهودي المتطرف موشيه ليفنغر راكباً في سيارته التي قادها ابنه ومعهما أفراد آخرون من العائلة. وحينما كانوا في وسط مدينة الخليل، رشقت السيارة ببعض الحجارة فتحطم الزجاج الأمامي. فاتصل ليفنغر بالشرطة وبالجنود الإسرائيليين وطلب منهم إرسال قوة إلى المكان، وظلّ بجوار السيارة ينتظر وصول الجنود. في هذه الأثناء تواصل رشق الحجارة من جانب مجموعة من الصبية الفلسطينيين، فما كان من ليفنغر إلا أن أخرج مسدسه الخاص من نوع (باريتا 9ملم) وأطلق عدة عيارات في الهواء، فتوقف رشق الحجارة من الناحية الشمالية، فتقدم ليفنغر جنوباً.

كان التاجر الفلسطيني خالد صلاح صاحب محل لبيع الأحذية في السوق في وسط مدينة الخليل واقفاً خارج محلّه يعرض بضاعته على زبون يدعى ابراهيم بالي. قام صبية فلسطينيون برشق الحجارة باتجاه الحاخام ليفنغر في تلك المنطقة، فأطلق ليفنغر النار ناحيتهم من مسافة لا تزيد عن 15-20 متراً وهو يمدّ ذراعه إلى الأمام، دون أن يراعي كون الشارع مزدحماً بالمارة والبائعين. أصيب خالد صلاح بعيارات نارية قاتلة، وجرح ابراهيم بالي. وواصل ليفنغر ثورة غضبه فهاجم بسطات الخضار والفواكه وخرّب كثيراً وطلب من أصحاب المحلات أن يغلقوها.

تم اعتقال ليفنغر، والتحقيق معه ثم أفرج عنه بكفالة. في نيسان 1989 وجهت له تهمة القتل غير العَمد والتسبب بجراح جسدية خطيرة وخراب كبير. بدأت محاكمة ليفنغر بتاريخ 22/5/1989 في المحكمة اللوائية في القدس، وقال ليفنغر أنه غير مذنب في أي من التهم الموجهة إليه. وبعد أن تقدم الدفاع عن ليفنغر بطلب عقد صفقة مساومة مع مكتب النائب العام في القدس، أدين ليفنغر بتهمة القتل بسبب الإهمال والتسبب بجراح جسدية خطيرة وخراب كبير.

أن تهمة القتل بسبب الإهمال هي الأقل بين المستويات الثلاث لجرائم القتل التي نصّ عليها القانون الجنائي الإسرائيلي، بعد القتل المتعمد والقتل غير العَمد. وهناك تباين كبير في العقوبات القصوى لكل من هذه التهم:

فالقتل المتعمد عقوبته السجن مدى الحياة، والقتل غير العَمد عقوبته السجن 20 سنة، بينما القتل بسبب الإهمال عقوبته السجن ثلاث سنوات، ناهيك عمّا يصاحب كلّ من هذه التهم من جوانب نفسية ومعنوية.

وعندما سئل الحاخام ليفنغر عن إدانته أجاب: "أن تغيير التهمة حسب ما تمت إدانتي إلى تهمة أقل خطورة تتعلّق بأنني لم آخذ حذري جيداً حينما أطلق النار ... أن أساس التهمة الموجهة لي الآن أنني لم أطلق النار بدقة حينما كنت في حالة خطر."

حسب ما جاء في صحيفة دافار بتاريخ 2/5/1990

أن طلب المساومة الذي قدّم إلى ليفنغر يطرح عدة أسئلة، أهمها أنه لماذا تم تغيير التهمة إلى درجة أقل، إلى تهمة القتل بسبب الإهمال، فيما تفاصيل الجريمة كانت تشير بوضوح إلى أنها جريمة القتل غير العَمد، وهي التي اعترف ليفنغر بدايةً أنه ارتكبها. وحسب ما جاء في قانون العقوبات الجنائية الإسرائيلي فإن تهمة القتل غير العَمد تقوم على أساس الإهمال الكبير، وعدم المبالاة تجاه سلامة الآخرين (أي أن المتهم علم درجة الخطر التي قد يسببها تصرفه، لكنه تمادى ولم يكترث). والفارق هنا، هو أن المتهم كان يدرك حجم الخطر الذي قد يتسبب فيه ومع ذلك لم يكترث، بينما في تهمة القتل بسبب الإهمال، لا يكون المتهم على دراية أو مدركاً لما قد يتسبب فيه من ضرر.

أضف الى ذلك، أن الحاخام ليفنغر أطلق النار بدون تحكّم تام نحو المحلات التجارية والممرات على جانبي الشارع في وسط السوق بوجود الكثير من المارة. أن إطلاق النار في شارع مزدحم بهذا الشكل يعتبر عملاً خطيراً جداً يدل على "إهمال عام كبير"، وليس "إهمالاً بسيطاً". وحقيقة أن ليفنغر أطلق النار أولاً في الهواء بعد تعرضه للرشق بالحجارة، تظهر أنه كان يعلم خطر إطلاق النار بصورة أفقية نحو الناس. كما أن ليفنغر نفسه قال في شهادته أمام المحكمة أنه تدرّب جيداً على استخدام الأسلحة، أي أنه يدرك خطر إطلاق النار وهو يمدّ ذراعه إلى الأمام. على اقل تقدير، سلوك ليفنغر بذلك الشكل بيّن عدم اكتراثه بالعواقب، وذلك العنصر العقلاني يشير بوضوح الى جريمة القتل غير العَمد، وليس القتل بسبب الإهمال.

وفوق كل ذلك، أن تاريخ الحاخام ليفنغر الحافل بعدائه للعرب وتكرار الاعتداء عليهم وعلى ممتلكاتهم، حيث أدين في سبعة حوادث سابقة بالاعتداء على مواطنين فلسطينيين وتخريب ممتلكاتهم، وتصريحاته المتكررة ضد العرب، ذلك مؤشر في حد ذاته. وقد صرّح الحاخام ليفنغر مباشرة بعد ارتكابه تلك الجريمة في مؤتمر صحافي: (بالنسبة للحادث نفسه، أن النيابة تعلم أنني بريء وأنني لم أحصل على شرف قتل ذلك العربي ذلك لا يعني بالضرورة أنني لم أرد أن أقتله، أو أنه لم يستحق أن يموت، لكنني لم أتشرف بقتله.)

حسب تقرير مركز حقوق الإنسان الإسرائيلي "بتسيلم" سنة 1994

لقد ظهر التعارض بصورة واضحة بين حقائق القضية كما حصلت، والمساومة التي حدثت في المحاكمة، فالنيابة قالت في المحكمة أن "المتهم اعترف بالتهمة الأولى التي وجهت إليه، وسلوك ليفنغر كان مقصوداً، فهو اختار وقرر أن يطلق النار بتلك الطريقة." ولكن المستغرب من موقف النيابة، أنه رغم وصفه للطريقة التي أطلق فيها ليفنغر النار، والتي أكد فيها التعمّد، إلا أن النيابة وافقت على تخفيض الحكم من ثلاث سنوات سجن وهي العقوبة القصوى للقتل بسبب الإهمال، إلى السجن 18 شهراً وفترة أخرى مع وقف التنفيذ.  

لكن قاضياً لمحكمة شالوم برينر أصدر في النهاية حكماً بالسجن لمدة 12 شهراً منها 7 أشهر مع وقف التنفيذ، أي أن ليفنغر حُكم بالسجن الفعلي خمسة أشهر فقط. وقد فسر القاضي ذلك الحكم بأن الحاخام ليفنغر "شخص معروف وأب لأحد عشر طفلاً، وأن اهتمامه بالمجتمع لفترة تزيد عن 20 عاما جعله محط اهتمام المحيط الذي يعيش فيه. كما عبّر القاضي عن إيمانه بأن ليفنغر تصرف بذلك الشكل تحت ضغط وخوف من وقوع الأذى عليه، وذلك قلّل من قدرته على التركيز. وقد رفض القاضي برينر طلب الحاخام ليفنغر أن يقضي فترة عقوبته في خدمة المجتمع بدلاً من السجن.

حسب ما جاء في محضر المحكمة التي عقدت بتاريخ 1/5/1990

أن تلك العقوبة لا تردع يهوداً متطرفين آخرين عن القيام باعتداءات وجرائم ضد الفلسطينيين. ومع أن العقوبة النهائية كانت أقل مما طلبته النيابة الإسرائيلية، إلا أن النيابة لم تستأنف ضد الحكم. وقد منح الحاخام ليفنغر فترة أسبوعين كي"يحضّر نفسه" قبل أن يبدأ فترة السجن. دخل ليفنغر سجن إيال في إسرائيل بتاريخ 14/2/1990 ثم أفرج عنه بتاريخ 14/5/1990 بعد ثلاثة أشهر، حيث تم تخفيف ثلث المدة بسبب "حسن السلوك". وقد احتفل أنصاره بخروجه من السجن.

بتاريخ 25/2/1994 عندما قام المتطرف باروخ غولدشتاين بقتل 29 فلسطينياً وهم يصلّون داخل الحرم الإبراهيمي في الخليل، سئل الحاخام ليفنغر فيما إذا كان يشعر بالأسف لتلك الجريمة، فأجاب: "أنا لستُ آسفاً للقتلى العرب فقط، بل أنا آسف أيضاً للقتلى من الذباب".       حسب ما جاء في كتاب التعصّب اليهودي في إسرائيل، سنة 1999، صفحة 100

بواز موسكوفيتش

بتاريخ 18/2/1991 حوالي الساعة السادسة والنصف مساءاً، كان المستوطن اليهودي بواز موسكوفيتش يقود سيارته وحيداً في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وعندما وصل إلى مدخل بلدة بيت ساحور قابله حاجز من الحجارة يعترض طريقه، فتوقف ونزل من سيارته وهو يحمل سلاحه (رشاش اوتوماتيكي من طراز إم 16) ثم أطلق موسكوفيتش عيارين ناريين في الهواء.

كان الفتى ابراهيم حنا مصلح إبن الخمسة عشر ربيعاً يجلس مع عائلته على شرفة المنزل، وحالما سمعوا إطلاق النار، هرعوا إلى الداخل. فدخلت إحدى رصاصات موسكوفيتش من نافذة المطبخ وأصابت ابراهيم في رأسه، وتوفي بعد دقائق في المستشفى.

بينما لم يكن واضحاً من تفاصيل الجريمة فيما إذا كان بإمكان موسكوفيتش أن يدور ويمر من الحاجز، إلا أن حقيقة أنه أكمل سيره إلى حيث وجهته تشير إلى أن الحاجز الحجري لم يمنعه من مواصلة مشواره. وحتى لو أغلقت الحجارة الطريق بشكل كلي، كان بإمكانه أن يستدير في سيارته ويرجع من حيث أتى.

الإفادات التي أخذها محامون يهود من أمثال ابراهام غال ويوسف ليفي، ونتيجة تشريح الجثة، أظهرت أن الحادث كان خطيراً، ولم يكن بمثل ما توصّلت إليه المحكمة. فحسب تلك الإفادات، أوقف موسكوفيتش سيارته بالقرب من كومة الحجارة، ونزل منها، وأطلق رصاصتين في الهواء، ثم أزاح الحجارة بحذائه. بعد أن نظف الطريق أمام سيارته، صوّب سلاحه نحو المنازل العربية في المكان، وأطلق رصاصة باتجاه نافذة منزل كانت الضوء فيها مضاءً. أطلق موسكوفيتش ست رصاصات، اثنتان في الهواء، ثم الأربعة الأخرى على أهداف معينة. وبالطبع كونه خدم فترة 18 شهراً في الجيش الإسرائيلي، لا بدّ أنه كان يعرف ويدرك خطورة إطلاق النار في منطقة سكنية. حسب ملف القضية رقم 1440/92 "دولة إلكيان ضد موسكوفيتش"

وفي البداية أتهم موسكوفيتش بجريمة القتل غير العَمد، ثم تم تخفيف التهمة إلى القتل بسبب الإهمال. وقالت القاضية روث أور موضحة ذلك في نص قرار المحكمة: "النيابة لم تجادل في أن المتهم أطلق النار بنيّة القتل، وربما ذلك السبب هو الذي دفعها إلى القبول بالمساومة وتخفيف التهمة إلى القتل بسبب الإهمال."

لكن الإدانة بجريمة القتل غير العَمد لا تتطلب وجود النية في القتل، فيكفي وجود إمكانية التسبب في الضرر الجسدي، الذي قد يؤدي إلى الموت. إطلاق النار على منزل واضح أنه مأهول، دون أن يكون مطلق النار في وضع خطر، يشير إلى إهمال عام كبير وعدم اتخاذ الحيطة المعقولة، وذلك كافٍ لتوجيه تهمة القتل العَمد. إن كون موسكوفيتش أطلق النار في منطقة سكنية بطريقة واضح فيها عدم اكتراثه بالعواقب يؤسس مبدأ القتل غير العَمد، لذلك فإنه من الصعب فهم لماذا وافقت النيابة على تخفيف التهمة إلى القتل بسبب الإهمال.

كما أن من الصعب فهم حقيقة أن النيابة العامة في الدولة وافقت، ضمن المساومة مع المحكمة، على أن يتم الطلب عدم تجاوز عقوبة السجن سبعة أشهر، وهي عقوبة تشير إلى عدم احترام كامل لقيمة حياة الفلسطينيين وهي بلا أدنى شك لا تردع بواز موسكوفيتش وأمثاله من المتطرفين اليهود عن القيام بجرائم واعتداءات ضد الفلسطينيين.

القاضية أور حكمت على موسكوفيتش بالسجن لفترة خمسة أشهر خدمة مجتمعية في مستشفى هداسا، قسم الكمبيوتر، و18 شهراً آخر مع وقف التنفيذ. وقالت القاضية في إصدارها الحكم أن "المتهم لم يطلق النار من أجل أن يصيب أحداً، وبالتأكيد لم يطلق النار من أجل أن يقتل". بالطبع لم يدُر في تفكير القاضية أنه طالما أن موسكوفيتش لم يقصد أن يصيب أحدا، فلماذا وجّه نيرانه صوب المنازل المأهولة؟  وفي شرحها العقوبة، قالت القاضية أور أن قضية الحاخام ليفنغر تعتبر سابقة، وهي أخطر بكثير، حيث أنه أطلق النار في وضح النهار وكان هناك جنود في المكان، بينما موسكوفيتش كان وحده، وفي الليل، وأطلق النار من مسافة ليست قصيرة. وقد خلصت القاضية إلى القول: "أنه من المستحيل منع شخص من إطلاق النار بشكل تام إذا شعر أن حياته في خطر."

وفي سابقة هي الأولى من نوعها، أمرت المحكمة الإسرائيلية في القدس، بعد عشر سنوات من وقوع الجريمة، القاتل موسكوفيتش بدفع مبلغ 156 ألف شيكل (ما قيمته 39 ألف دولار أمريكي) كقصاص تأديبي، إلى عائلة الضحية.

 

يورام سكولنيك :

أدين يورام سكولنيك بتهمة قتل فلسطيني متعمّداً في شهر آذار 1993 ، و حكم عليه بالسجن مدى الحياة ، بعد أن أطلق النار من مسافة قريبة جداً على  موسى أبو صبحة ، المعتقل الفلسطيني ابن العشرين سنة و هو مكبّل اليدين . لكن القاتل سكولنيك خرج من السجن بتاريخ 18/2/2000 بعد أن أمضى فترة سبع سنوات و نصف . و قام الرئيس (الإسرائيلي) السابق عيزرا وايزمن مرتين بتخفيض الحكم على سكولنيك :

المرة الأولى في سنة 1997 حيث تم تخفيض الحكم من السجن مدى الحياة إلى السجن لفترة 15 سنة ، و المرة الثانية في كانون ثاني 1999 حيث تم تخفيض الحكم إلى 11 سنة و ثلاثة أشهر . أي أنه كان من المفروض أن يتم الإفراج عن سكولنيك بتاريخ 22/6/2004 .

من المعروف و المألوف أن يقوم رؤساء الكيان بتخفيض العقوبات التي يحكم بها على المستوطنين اليهود . فعلى سبيل المثال ، في سنة 1984 ، حكم على 25 متطرفاً يهودياً بالسجن مدى الحياة لمحاولتهم تفجير خمس حافلات عربية في القدس الشرقية ، و محاولة تفجير المسجد الأقصى المبارك لكن أفرج عنهم جميعهم في سنة 1992 بعد أن أمر رئيس الكيان حاييم هيرتصوغ بتخفيض عقوبة السجن .

على أية حال ، قرّرت سلطات السجن الإفراج المبكر عن سكولنيك في العام 2000 بعد أن أمضى ثلثي فترة السجن المخفضة . و قد فسّرت سلطة السجن قرارها بالقول : "لقد أبدى السجين أسفه الشديد على ما قام به ، و حسب ما أظهره سكولنيك ، فقد كان الحادث نوبة غضب ليس أكثر ، و هو قد تعلّم الدرس جيداً . و خلال فترة سجنه كان سلوكه حسناً و لم تشِبه شائبة . و مجلس سلطة السجن مقتنع أن السجين قد أخذ عقوبة السجن بجديّة تامة" .. و قد ورد في ملحق صحيفة هآرتس الأسبوعي بتاريخ 25/5/2001 على لسان رئيس مجلس سلطة السجن إيلي شارون أن المقياس الذي يأخذه بعين الاعتبار حينما ينظر في تخفيف العقوبة عن أيّ سجين هو ماضي ذلك السجين الإجرامي ، و فرص إصلاحه المستقبلية .

لقد أثار قرار الإفراج المبكر عن سكولنيك ضجة عامة ، و قدّمت عدة طلبات استئناف ضد هذا القرار لدى المحكمة العليا من أجل الرجوع عن ذلك . و قد انتقد المستشار القضائي للحكومة (الإسرائيلية) إلياكيم روبنشتاين قرار الإفراج المبكر عن سكولنيك حيث قال : "لقد أخطأت سلطة السجن في عدم رؤيتها أن الإفراج عنه قد يضرّ بالأمن العام و سلامة المجتمع . فحالة عدم الاتزان في شخصية سكولنيك لم تتغيّر لدرجة تجعلنا نضمن أن لا يعود إلى فعلته إذا أتيحت له الفرصة" . صحيفة هآرتس بتاريخ 25/5/2001 .

أوقفت المحكمة العليا قرار الإفراج المبكر عن سكولنيك ، حيث قرّرت في نيسان 2000 أن سكولنيك ما زال يشكّل تهديداً على العامة . لكن خلال أقلّ من عامٍ واحد أصبح سكولنيك مرة أخرى لائقاً للإفراج المبكر ، فوافق مجلس سلطة السجن على ذلك ، شريطة أن يسكن داخل الخط الأخضر و لا يدخل المناطق المحتلة . و في هذه المرة لم يعارض المستشار القضائي للحكومة قرار الإفراج المبكر ، و يبدو أنه لم يعد يرى في سكولنيك خطراً على العامة . و قد جاء في رسالة بعث بها عضو الكنيست غال - أون إلى المستشار القضائي للحكومة أنه "من غير المقبول أن لا يمانع المستشار القضائي للحكومة مثل هذا الأمر مع أن أبسط قواعد الديمقراطية و المبادئ اليهودية تقول (لا تقتل) و قد تم انتهاك ذلك بكلّ وقاحة".

ملحق صحيفة هآرتس بتاريخ 25/5/2001

و لم تعارض الشرطة قرار الإفراج المبكر عن سكولنيك ، و لو أنها فعلت ذلك لتم إيقاف القرار ، كون رأي الشرطة بأن السجين قد يضرّ بالنظام العام ، يلغي مبدأ الإفراج عنه لحسن سلوكه .

لكن اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في (إسرائيل) قدّمت استئنافاً لدى المحكمة العليا ضد قرار الإفراج المبكر عن سكولنيك أوضحت فيه أن السجين ما زال يشكّل خطراً على الأمن العام و أن الإفراج عنه قد "يشجّع متطرفين يهوداً آخرين على الحذو حذوه" .

صحيفة هآرتس بتاريخ 8/1/2001

و قد قبلت المحكمة العليا الاستئناف المقدم من اللجنة بعد أن قرّرت تشكيل لجنة من سبعة قضاة للنظر في قرار مجلس العفو المشروط بخصوص الإفراج المبكر عن سكولنيك . و قد جاء على لسان أحد القضاة ، و هو ميخائيل غيشين ، ما يلي : "إن حياة الإنسان ذات قيمة عالية جداً في نظري ، و لن يسمح لي ذلك أن أوافق على قرار الإفراج المبكر الذي وافقت عليه هيئة العفو المشروط" .

صحيفة هآرتس بتاريخ 19/2/2001

أصبح سكولنيك حراً طليقاً بتاريخ 18/2/2001 . و قد علّق وزير العدل (الإسرائيلي) آنذاك يوسي بيلين عن عدم رضاه شخصياً حول تخفيض عقوبة السجن على رجل قام بارتكاب جريمة وضيعة .

صحيفة هآرتس بتاريخ 19/2/2001

 

ناحوم كورمان :

بتاريخ 27/10/1996 قام هذا القاتل اليهودي بضرب الطفل الفلسطيني حلمي شوشة (12 سنة) على رأسه بمسدسه حتى الموت . كان كورمان يعمل حارس أمن في مستوطنة هدار (الإسرائيلية) عندما تعرّض للرشق بالحجارة من مجموعة من الصبية الفلسطينيين بالقرب من قرية حوسان جنوبي بيت لحم ، فلحق بهم و أمسك بالشهيد حلمي شوشة و قتله .

وجّهت إلى كورمان تهمة القتل بطريقة عفوية "بالصدفة" ، حيث ادّعى كورمان أن شوشة "انهار و سقط على الأرض" . لكن أقوال شاهدي عيان و تقرير الأخصائي يهودا هاس و هو طبيب قام بفحص الجثة ، تعارضت مع ما قاله القاتل . 

فقد قال إبراهيم شوشة ، ابن عم الشهيد و شاهد عيان على ما حدث لم يكن يبعد سوى ثلاثة أمتار عن مكان الجريمة ، أنه شاهد حلمي يهوي على الأرض بعد أن ضربه كورمان بقوة على رأسه . و قد أكّد فلسطينيون آخرون قامت الشرطة باستجوابهم هذه الأقوال . فقد قام كورمان بضرب الشهيد على رأسه فسقط على الأرض ، فدعس كورمان بحذائه العسكري على عنق الطفل ، ثم ضربه مرة أخرى على رأسه و هو ملقى على الأرض . و قد أكّد تقرير التشريح الجنائي أن سبب الوفاة كان ضربة قوية على الرأس ، و استبعد أن يكون سبب الوفاة السقوط لأن تجمّع الدم في الدماغ كان في ناحية أو جانب واحد .

في نهاية المحاكمة التي استمرت ثلاث سنوات ، وجدت القاضية روث أور في محكمة القدس اللوائية أن المتهم كورمان بريء من التهمة الموجّهة إليه ، و قد استندت في قرارها هذا على "عدم ثبات" أقوال شهود العيان ، و "عدم شمولية" تقرير التشريح الجنائي . و قالت القاضية إنه : "لا يوجد سبب يدعوها للاعتقاد أنه حدث اشتباك (اتصال) جسديّ بين المشتبه فيه و الضحية . و أنه يوجد تفسيرات منطقية للجروح التي وجدت على جسد الضحية كما بيّنها تقرير التشريح ، إذا أخذنا بعين الاعتبار المنطقة التي سقط فيها الطفل و هي مليئة بالحجارة و قطع الحديد و القاذورات . ثم أن نقل الضحية في سيارة جيب في طرق وعرة و تدخل الناس لتقديم المساعدة ، و الجهود التي بذلت للحفاظ على حياة الضحية  كلّ ذلك لا يمكن أن يؤكّد أن وجود المشتبه فيه في موقع الحادث يعني أنه قد تسبّب في سقوط الفتى و بالتالي وفاته" .

 

نص قرار المحكمة ، قضية : دولة (إسرائيل) ضد ناحوم كورمان ، صفحة 358 :

و قد أضافت القاضية : "من الجائز أن سبب انقطاع الشريان في الدماغ – و هو ما بيّنه تقرير تشريح الجثة - عائد إلى خلل خَلْقيّ كان الطفل مصاباً به" مع أن تقرير التشريح نفسه لم يذكر أي وجود لأيّ خلل خلقي . و استخلصت القاضية أور أنه لا يوجد تفسير منطقي يجعلها تؤمن بأن من الممكن أن يكون المشتبه فيه قد ارتكب مثل تلك الجريمة البشعة .

لكن عندما قام الطبيب يهودا هاس الخبير بعلم الأمراض بزيارة موقع الجريمة وجد أنه لا يمكن أن يكون شيء قد اصطدم برأس الضحية و سبب الوفاة بالطريقة التي حدثت ، و هذا ما بيّنه بوضوح في تقرير التشريح الذي أعدّه و قدّمه للمحكمة .

قامت النيابة العامة بالاستئناف على قرار محكمة القدس (الإسرائيلية) لدى المحكمة العليا التي رأت أن كورمان مذنبٌ بجريمة القتل غير العَمد من الدرجة الثانية ، و أعادت القضية إلى محكمة القدس للحكم في العقوبة . و قد جاء في رأي المحكمة العليا أن القاضية أور اعتمدت في حكمها أن المتهم بريء على درجة خاطئة من الأدلة . "درجة تحديد أدلة الإثبات يشار إليها بدرجة وجود الشكّ و هي قوية ، لذلك إمكانية البراءة غير واردة ، و هي لا يجب أن تقوم على أساس منطق عقلاني يفترض وجوده ، بل يجب أن تعتمد على ما هو موجود و ملموس" .

 

رأي المحكمة العليا في قضية : دولة (إسرائيل) ضد ناحوم كورمان :

المحكمة العليا قالت إنه لم يكن في موقع الجريمة سوى القاتل كورمان ، و أنه لا يمكن أن يكون الطفل شوشة قد عانى من خللٍ خلقي أدّى إلى وفاته . و قد جاء على لسان القاضي بينيش في قرار المحكمة العليا أنه : "من حيثيات القضية لا يمكن لي إلا أن أؤيّد فكرة أن كورمان قد ضرب الطفل و تسبّب في وفاته" .

لكن المحكمة العليا رأت أيضاً أن كورمان لم يقصد أن يقتل الطفل حلمي شوشة ، و الدليل على ذلك أنه قام بالاتصال بمجلس مستوطنة بيتار هدار و طلب منهم أن يرسلوا مساعدة لإنقاذ الطفل المصاب . و مع ذلك ، أضافت المحكمة أن كورمان تصرّف في البداية بتسرّع و عدم اكتراث ، حيث كان ينبغي عليه أن يدرك أن ضربة عنيفة على ذلك الجزء من جسم الطفل (الرأس) قد تكون مميتة .

القاضية أور عادت و طلبت من مكتب المستشار القضائي للحكومة و محامي الدفاع ضرورة التوصل إلى اتفاق بالنسبة للحكم . فاتفق الطرفان على الطلب منها أن تحكم على كورمان بستة أشهر خدمة مجتمعية و 15 شهراً مع وقف تنفيذ ، و ذلك الحكم أقلّ من عقوبة سرقة سيارة ، إضافة إلى دفع مبلغ 70 ألف شيكل (17500 دولار أمريكي) كتعويض لعائلة الضحية . و قد وافقت القاضية أور على تلك التسوية ، حيث وجدت – على حد قولها - عناصر مشجّعة ، مثل عدم وجود سجلّ إجرامي سابق للمتهم و أن لديه مشاكل شخصية و عائلية .

 

نص قرار المحكمة بتاريخ 21/1/2001 :

"و لم يعترف القاتل كورمان أبداً أنه قتل الطفل شوشة ، أو حتى لمسه . حيث قال و هو يغادر قاعة المحكمة بعد صدور القرار النهائي ، و قضائه ثمانية أشهر في السجن خلال فترة المحاكمة : "لا أتحمّل أية مسؤولية عن مقتل الصبي ، أنا لا أعترف بشيء ، و أعتبر نفسي بريئاً ، و قد أعربت عائلة الضحية عن خيبة أملها من قرار المحكمة النهائي ، حيث إنه عندما يتم التوصل إلى تسوية بين النيابة و الدفاع فغالباً ما يكون هناك تنازل من الطرفين ، لكن في حالة كورمان ، لم يخسر المتهم شيئاً و كان التنازل جميعه من طرف النيابة" .      صحيفة هآرتس بتاريخ 22/1/2001 .

"بتاريخ 3/3/2001 قدّمت اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في (إسرائيل) التماساً لدى المحكمة العليا تطلب فيه إعادة النظر في الحكم الصادر ضد كورمان ، و أن تأمر المحكمة كلاً من مكتب النائب العام للدولة إدنا آربل ، و المستشار القضائي للحكومة إلياكيم روبنشتاين بأن يستأنفا ضد الحكم المخفف الذي صدر ضد كورمان . و قد جاء في الالتماس أيضاً أن يقدّم المستشار القضائي تفصيلاً مقنعاً لحيثيات صدور الحكم بذلك الشكل . لكن بتاريخ 25/6/2001 تم سحب الالتماس بعد أن تبيّن للجنة مناهضة التعذيب أنه لم يلقَ ما يستحق من تجاوب .

بتاريخ 21/1/2001 ، أي في نفس اليوم الذي حكم فيه على كورمان بستة أشهر خدمة مجتمعية ، أصدرت محكمة عسكرية (إسرائيلية) حكماً بالسجن الفعلي مدة ست سنوات و نصف على الفتاة الفلسطينية سعاد حلمي غزال من قرية سبسطية في الضفة الغربية ، لأنها في العام 1998 ، و كان عمرها آنذاك 15 عاماً ، قامت بطعن مستوطن (إسرائيلي) من مستوطنة شافيه شومرون بسكين فجرحته . و قد خضعت سعاد للسجن الانفرادي مدة 37 يوماً لم يسمح لها برؤية أي فردٍ من أسرتها أو مقابلة محامي الدفاع . و لأنها حوكمت في محكمة عسكرية ، فبالطبع ليس لها حقّ في أن يتم تخفيف العقوبة عنها ، أو أن يصدر قرار عفو رئاسي يخفف عنها الحكم أو يأمر بالإفراج عنها .

بتاريخ 23/1/2001 و بسبب الانتقادات الحادة من منظمات حقوق الإنسان و وسائل الإعلام ، أعلنت النائب العام للدولة إدنا آربل أن مكتبها ارتكب خطأ بالتوصل إلى العقوبة المخفّفة بحق ناحوم كورمان ، و قالت إن مكتبها لن يقبل أية تسوية من ذلك القبيل في المستقبل" . صحيفة هآرتس بتاريخ 22 ، 23 , 24/1/2001 .

 

الخلاصة :

إذا استمر النظام القضائي (الإسرائيلي) بالسماح للمستوطنين اليهود بارتكاب جرائم و أعمال عنف ضد الفلسطينيين ، بما فيها القتل ، و بمنحهم ما يشبه الحصانة التامة ، فذلك يعتبر انتهاكاً صارخاً لأبسط قواعد حقوق الإنسان و تدميراً لمبدأ سيادة القانون و تحدّياً للقيم الإنسانية الأساسية .

إن هناك تناقضاً واضحاً في كيفية معاملة الفلسطينيين عندما يكونون ضحايا اعتداءات يرتكبها المستوطنون ، و مبادئ الديموقراطية الحقيقية . و إذا لم يحدث تغيّر حقيقي فإن الديمقراطية في (إسرائيل) سوف تستمر في الانحطاط . فدولة (إسرائيل) دائماً تعرّف نفسها ، و تتباهى ، أنها الديمقراطية الوحيدة العاملة في الشرق الأوسط .

جميع سلطات تنفيذ القانون في الكيان ، من جيش و شرطة و محاكم و نيابة و مستشار قضائي ، يشتركون في تحمّل المسؤولية في فشل توفير الحماية للفلسطينيين و حصولهم على المعالجة القضائية الضرورية و تحقيق العدل لهم . حتى توصيات لجنة كارب التي صدرت في العام 1984 في هذا الخصوص لم يتم تنفيذها حتى الآن .

فالجيش في كثير من الأوقات يقف موقف المتفرج و لا يتدخل أو يقوم بأي شيء و هو يرى المستوطنين اليهود يهاجمون المدنيين الفلسطينيين ، بل و يقتلونهم . و الشرطة (الإسرائيلية) لا تقوم بالتحقيق بالشكل السليم و الفعّال في شكاوى المواطنين الفلسطينيين التي تصل إليها . و القضاء (الإسرائيلي) ما زال يصدر أحكاماً مخفّفة جداً على المستوطنين الذين يعتدون على الفلسطينيين فيقتلونهم و يجرحونهم أو يخرّبون ممتلكاتهم أو يصادرونها .

و من المتعارف عليه قضائياً ، أن تطبيق القانون الجنائي و معاقبة المعتدي يعتبر المرآة الحقيقية لبناء الحضارة الإنسانية الناجحة .

انتهــى