الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

بحث فــي الجذور الثقافية  للعنصرية الصهيونية

 

بقلم / رائد الدبس

                                                                                           

مقدمــــــة:

لا يمكن دراسة العنصرية والبحث فيها كظاهرة مستقلة بذاتها – أو كوباء معزول – ، فالعنصرية ظاهرة يمكن دراستها بشكل موضوعي ، إذا ما تم الكشف عن الروابط العضوية التي تربطها تاريخيا بالعبودية والتوسع والهيمنة .

إن العنصرية تظهر جلية في حقلها الثقافي البنيوي ، وفي الروابط  العضوية التي تربطها بثقافة الاستعمار والاسترقاق والهيمنة ، عبر تشكيلات وأنماط عقائدية ومعرفية ، تستخدم الدين والميثولوجيا والفن والأدب والعلوم الإنسانية والطبيعية ضمن نمط بنيوي واحد وعلاقات ثابتة .

سوف أحاول أن أبحث فيما أنتجته ثقافة العبودية والاستعمار والهيمنة  والعنصرية من أنماط وتشكيلات ثقافية فوقية متسلطة  . فالثقافة و الفن و الأدب والمعرفة بوجه عام سلطة ، وحين يتم تسخير هذه السلطة لصالح الاستعمار والهيمنة فلا مناص من العنصرية .

عرف التاريخ العبودية كنظام ذو قواعد قانونية تشرع حق استرقاق الناس وتعتبرهم جزء من الثروة والممتلكات المادية واستخدامهم ضمن دائرة الإنتاج البدائي منذ عهود اليونان ثم الرومان القدامى ، حيث استلهمت روما من حضارة اليونان القدامى نموذج أسبارطة وتركت لهم "أثينا" والمدينة الفاضلة .

منذ تلك العهود الغابرة نشأ نظام يفصل بين البشر . لقد تأسس القانون الروماني القديم على نظام من الفصل الحاسم والتماهي مع القوة : ـ قانون للرومان وقانون للــبرابرة (الشعوب الأخرى) أو قانون لروما وآخر لمستعمرات روما ، قانون يشرع حق روما في استرقاق أسرى الحرب واستخدامهم كعبيد للعمل اليدوي الشاق 0       

كانت فكرة الملكية وفكرة تفوق الرومان تؤسس لمنظومة فكر سياسي ذو نزعة إمبراطورية تفرط في تقديس القوة وترفعها إلى مكانة الحق المطلق ، فالشعوب والجماعات الأقل قوة كانت في نظر روما أدنى مرتبة لأنها  تملك مطالب إنسانية أقل وقيما إنسانية أدنى وبالتالي حقوقا أقل .. وإن الرسالة الحضارية لروما هي أن تتدبر أمر ومصير تلك الشعوب و أن تحكمها بالقوة – فهي شعوب دونية همجية لا تفهم إلا لغة القوة – وما على تلك الشعوب سوى أن تخضع لحكم روما إذا أرادت أن تعيش بسلام ، أما البديل فهو الدمار ، هكذا استلهمت روما من اليونان القدامى تجربتهم مع طروادة لفرض (سلام) مع قرطاجنة بعد تدميرها دمارا شاملا ، ولم يكتمل سلامها إلا بعد أن بدأ من تبقى على قيد الحياة من أهل قرطاجنة ينطقون باللغة الرومانية وفقدوا لغتهم وذاكرتهم تماما مثلما حدث مع أهل طروادة من قبلهم ، حيث لم يكتمل سلام أسبارطة مع من بقي حيا في طروادة إلا بعد أن صاروا يتحدثون باليونانية ويحفظون أشعار هوميروس .

منذ ذلك الوقت كانت عقدة الاستعلاء والتفوق العرقي على "الآخر" تضاعف إنتاج مرضياتها وتشوهاتها الذاتية ، مثلما كانت تنتج مرضيات وعقد وتشوهات لدى الآخر إما من قبيل التماهي بالمنتصر ومحو الذاكرة الذاتية – الفردية والجمعية – و إما من قبيل العزلة والانغلاق على الذات ورفض الآخر رفضا أصوليا تاما .

"إن أصل كلمة برابرة جاء من اللغة اليونانية ، حيث استخدم اليونانيون القدامى ذلك المصطلح قبل الرومان للدلالة على الشعوب الأخرى ، " فتسمية اليونانيين للمتحدثين الغرباء بكلمة بربر "Barbario" ، ومنها اشتقت الكلمة الانجليزية (Barbarian) أي الناس الذين يتحدثون دون فهم . وهذه التسمية قد تكون ذات دلالة على موقفهم ، إذ ليس لدينا دليل على وجود اهتمام جدي لدى اليونانيين باللغات الأخرى" .(1)

إن هذا المدلول لكلمة البرابرة (أي الذين يتكلمون دون فهم ) سينتقل إلى اللغة الرومانية ثم إلى كل اللغات الأوروبية للدلالة على الهمجية والتخلف ، علما بأن الأصل في استخدامها هو وصف (المتحدثين الغرباء) الذين كان اليونان ثم الرومان يجهلون لغاتهم . وهذا الجهل بالآخرين وبلغاتهم كان سببا كافيا لوصفهم بالبربرية .

 

النظرية العنصريـــة : ـ

يعرف الدكتور شاكر مصطفى سليم في قاموس الـ  Anthropology النظرية العنصرية كما يلي : ـ

(نظرية تبني التوكيد على الصفات العنصرية (Racial Traits) وهي الصفات الطبيعية الوراثية الظاهرة في الجسم . وتربط النظرية العنصرية بين هذه الصفات الطبيعية الوراثية وبين السمات الحضارية (Cultural Trait) وتدعو إلى اتخاذها أساسا لفعاليات الأفراد والجماعات ، كما تقول بوجود عناصر بشرية متفوقة رفيعة ، و أخرى متخلفة وضيعة لوجود صفات ذاتية متأصلة فيها ، وتؤمن بوجود دم نقي ودم عكر . وتذهب النظرية كذلك إلى أن العنصر البشري هو الذي يخلق الحضارة ، لذا يجب أن تعطى العناصر المتفوقة الرفيعة السيادة والقيادة ، وليس لهذه النظرية سند علمي ، فلقد دحضتها الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة ، بعد أن أثبتت أن لا علاقة البتة بين السمات العنصرية والسمات الحضارية ، و أن لا وجود لعنصر متفوق وآخر متخلف وضيع ، و أن لا وجود لدم نقي وآخر عكـر ، وقد ثبت علميا أن هذه النظرية لا تصلح أساسا ولا منهجا لفلسفة لافتقارها للصحة ) (2)

ولو أخذنا تعريفا آخر للعنصرية ، حيث يلخصه بشكل مكثف عالم الاجتماع الإنجليزي البروفيسور ( سيغموند باومن ) محددا جوهر الفكرة العنصرية بما يلي : ـ

"تقوم العنصرية على اقتناع بفكرة أن مجموعة معينة من البشر لا يمكن أن تندمج في نظام منطقي ، مهما بذلت من جهود ….." (3)

نستطيع أن نستخلص من هذين التعريفين أن العنصرية تبدأ بفكرة تنطلق من التوكيد على الصفات الطبيعية البشرية الظاهرة ، ثم تربطها ربطا متخيلا بالسمات الحضارية Cultural Trial   ثم تتخذ منها أساسا جوهرانيا للحكم على فعاليات الأفراد والجماعات البشرية ، من خلال عقيدة تربوية ثقافية كانت قد قامت بزرع فكرة التفوق ، و إذا ما نظرنا إلى مفهوم الثقافة لدى الرومان ، ونظرنا إلى أصل كلمة Culture لوجدنا أنها مشتقة من الكلمة الرومانية colere بمعنى "زرع" لذا فقد ارتبط مفهوم الثقافة منذ عهود الرومان بالزراعة ثم توسع إلى معان كثيرة كان أهمها مفهوم التربية . حيث ساهم شيشرون بتكريس هذا المفهوم للثقافة وربطه بالتربية وذلك في محاضرتــه ( التوسكولانية) .

في كتاب "تاريخ الحياة الثقافية في أميركا" يتحدث "لويس بيري" عن أصل مفهوم الثقافة الذي تكرس في الحياة الثقافية الأمريكية قائلا : ـ

(إن أصل هذا التعبير جاء من دنيا الزراعة والبستنة (علما بأن بعض الأمثلة من هذه الفئة تشير إلى زراعة "تربية" العقل) ، ولكن القاموس قدم معنى ثانيا للمصطلح وهو "فن التحسين والتشذيب" وضرب جونسون في مقاله المعنون " ذي تاتلر" هذا المثل : ـ قد يلبس الإنسان أي عاطفة أو هوى آخذا ذلك من أسرته بالثقافة ، كما يفعل الجنائنيون (من جنائني) حين يخلعون بعض أوراق الزنبقة لئلا يؤدي لونها الباهت إلى إفساد الجمال اللوني للزنبقة ذاتها) (4)

هكذا تؤدي العنصرية إلى تسطيح الثقافة و إلى مسخ دورها بصورة تقليصية و حصرية . لكن السؤال الذي يطرح نفسه إذن ، ما هي الثقافة ؟

و إذا كانت العنصرية تنتج  مفهوما وظيفيا (ولائيا) للثقافة ، فكيف يمكن أن تكون الثقافة إنسانية سامية فوق الولاءات الوظيفية والحصرية والعنصرية ؟

سوف أتناول مفهوم البروفيسور إدوارد سعيد للثقافة ، فهو يعرف الثقافة في كتابه "الثقافة و الإمبريالية" تعريفا يدل على أمرين اثنين : ـ

"أولا : جميع تلك الممارسات مثل فن الوصف والتوصيل والتمثيل التي تملك استقلالا نسبيا عن المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتي كثيرا ما توجد في أشكال جمالاتية تشكل اللذة واحدة من غاياتها الرئيسية ، ويندرج في ذلك طبعا كلا مخزون المأثورات الشعبية حول أجزاء نائية من العالم ، والمعرفة المتخصصة المتاحة في حقول تفقهية مثل علم الأعراق الوصفــي (العرقوغرافيا) وعلم التاريخ وفقه اللغة وعلم الاجتماع والتاريخ الأدبي .

وثانيا : وبصورة تكاد تكون عصية على الإدراك الحسي ، فإن الثقافة مفهوم يضم عنصرا منقيا ودافعا إلى السمو ، هو مخرون كل مجتمع من أفضل ما تحققت المعرفة به والتفكير فيه كما قال "ماثيو آرنولد" في عام 1860 . لقد آمن أرنولد بأن الثقافة تلطف إن لم تكن قادرة بشكل تام على أن تحيد وقع متآلف الوجود الحضري الحديث العدواني التجاري المولد للفظاظة والخشونة" .(5)

إن ما يهمنا التركيز عليه لغايات البحث هو الأمر الثاني ، لأن فيه تعريفا للثقافة في بعدها الإنساني النبيل وأدائها لدورها المعرفي والتنويري لا لخدمة عنصر بشري معين لذاته ، ولا لخدمة تشكيلة عقائدية أو سياسية أو اقتصادية ، بل لخدمة الإنسانية وبهدف مواجهة الروح العدوانية المتولدة من واقع تجاري رأسمالي فظ يسود عالمنا .

الثقافة بهذا المعنى ليست متنزها فكريا وليست حكرا على عنصر بشري دون غيره ، وليست متعالية في أبراج عالية ، بل هي دنيوية وأرضية  ، إن الثقافة حيث تصطدم بالفظاعات التي تخلفها ممارسات مثل العبودية والعنصرية والاستغلال ، تجد نفسها في موقع الدفاع عن القيم الإنسانية السامية ، وفي هذه الحالة تسمو الثقافة ذاتها ويسمو معها المدافعون عن هذه القيم ضمن هذا المعترك وهذا المفهوم للثقافية يتعارض تماما مع مفهوم الزراعة والبستنة .

إن هذا يقودنا إلى جدلية علاقة الممارسات الثقافية بمجمل الممارسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، إذ إن مفهوم الثقافة والزاوية التي ينظر إليها من خلالها تلعب دورا حاسما في تحديد طبيعة العلاقة والصلات التي تربط مختلف ميادين الممارسة ببعضها .

 

علاقة الثقافة بممارسات الهيمنة والقوة:

في كتاب الثقافة والإمبريالية يطرح إدوارد سعيد هذه القضية الشائكة برؤيا جديدة لعالم الثقافة ، كاشفا الكثير من أغلفة البراءة والالتباسات الثقافية التي تنتجها ممارسات القوة في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وهو إذ يفعل ذلك يكشف النقاب عن حقيقة "أن معظم محترفي العلوم الإنسانية (في الغرب)عاجزون عن أن يعقدوا الصلة بين الفظاظة المديدة الأثيمة لممارسات مثل الرق والاضطهاد الاستعماري والعنصري ، والإخضاع الإمبريالي من جهة …. وبين الشعر والرواية والفلسفة التي ينتجها المجتمع الذي يقوم بمثل هذه الممارسات من جهة أخرى .(6)

إن هذا العجز لدى محترفي العلوم الإنسانية (في الغرب) عن عقد مثل هذه الصلات التي يكشف النقاب عنه وعنها إدوارد سعيد ينم عن التعقيد الشديد والتناقضات الهائلة وروح النزعات الضدية التي تخلقها ممارسات القوة . وتبقى القوة حريصة على استمرارية تحفيز تلك النزعات الضدية المصطنعة و إبقاء حالة من الارتياب الثقافي من "الآخر لإضفاء الشرعية على ممارسات القوة ولتضييق الخناق على فرص إقامة صلات وجسور ثقافية أكثر سلامة ، ومناخات ثقافية أكثر صفاء .

 و إن الكشف عن حقيقة هذا التشابك الطويل والمعقد ، بين الثقافة والإمبريالية والاستعمار والعنصرية وممارسات العبودية ، لا يقلل من الناحية الفنية والجمالية من شأن الأعمال الثقافية  والأدبية التي أنتجتها ولا من مساهمتها في إغناء عالم الثقافة .

ولكن تكمن خطورة النظرية العرقية العنصرية في أنها تصفح نفسها باقتناع إيماني يتخذ لنفسه صفة الحقيقة المطلقة أو "القدر المتجلي" أو "القضاء المحتوم" بالتفوق ، مما يشكل عقيدة راسخة . وتقتضي العقيدة بحكم طبيعتها التكوينية إنتاج سلوك ثقافي ومادي يتلاءم معها على وجه التحديد والحصر .

حيث تصبح الثقافة الخاضعة لهذه العقيدة بمثابة رخصة تمنح الحق بممارسة سلوك التفوق  ، والهدف هو السيطرة والتملك ، وهكذا يمكن القول إن ممارسات مثل العبودية والاستعمار والتوسع والاستيطان والهيمنة والنهب الاستغلالي قد عرفتها البشرية منذ ظهرت نزعة التملك والسيطرة والتوسع .

 

تكون الوعي الأوروبي الحديث والتجربة الاستيطانية الأمريكية :

"عقلية اكتشاف الأقاليم . بلورة العقيدة الاستيطانية – فكرة التطهر في البراري . اختراع التراث وتنقيته".... لقد ابتدأت الحملات الأوروبية لاكتشاف أقاليم جديدة في القرن الخامس عشر ابتداء من اكتشاف أمريكا عام 1492 (وللمفارقة التاريخية فقد كان ذلك عام سقوط غرناطة) وحين وطأت قدما كريستوفر كولومبوس أرض "العالم الجديد" وبعد أن شاهد سكانها الأصليين (الهنود الحمر) كتب في مفكرته عبارته الشهيرة: (ما أسهل تحويل هؤلاء الناس إلى النصرانية ثم جعلهم يعملون لصالحنا)(7)

ويشير ريجيس دوبريه في كتاب "زائر الفجر" إلى مسألة تنصير الهنود الحمر التي بدأت حملاتها على يد المكتشفين الأسبان مصورا كيف اتخذت الحملات طابع المقايضة التجارية : (الأسبان يقدمون الدين ويأخذون الذهب) .(8)

في واقع الأمر فإن هذه التبادلية المنعدمة التكافؤ كانت ترسي أساسا لعلاقة تفوق من يمنح الدين والإيمان مقابل من يملك ذهبا ولا يملك دينا …. ويصبح بديهيا و الحالة هذه أن من يملك الدين أحق بامتلاك (الثروة) و أجدر بالتصرف بها ممن لا يملك دينا . لكن مصير العلاقة مع هؤلاء السكان الأصليين سرعان ما اتخذ منحى مأساويا سيبقى شاهدا على عصر تكونت فيه إمبراطورية ودول استيطانية فيما بعد . كان القرن الخامس عشر هو بداية عهد الإصلاح الديني في أوروبا وكانت الكنيسة بعد عهود محاكم التفتيش قد اتبعت منح صكوك الغفران مقابل اكتشاف أقاليم جديدة ، هذا من ناحية الكنيسة الكاثوليكية ... أما أصحاب المشروع الاستعماري في العالم الجديد (أمريكا) فكانوا "بأعمالهم الأنانية ينفذون خطة مقدسة تفضي إلى "الوفاق النهائي" وهكذا فإن الله تعالى على حسب ما يراه الكتاب الإنجليز قد أخر استعمار العالم الجديد إلى ما بعد الإصلاح الديني البروتستانتي لكيلا تقع أمريكا بغير منازع في حضن الظلام البابوي" .(9)

واستنادا إلى كثير من الكتب والمقالات فإن قادة نيو انجلاند هم الذين أسسوا الموضوعات والانشغالات الذهنية لتقاليد بروتستانتية متكتمة ومهيمنة في الحياة الثقافية الأمريكية ، وذلك يعني البدء بمبتكرات (البيورتان) المتطهرين  اللاهوتية و أفكارهم المتميزة عن الكنيسة . ويمكننا أن نعتبر طلائع المتطهرين الأصليين حملة الثقافة الأوروبية مع تعديلها لتلائم الظروف العالمية المستجدة" . (10)

كان زعماء نيو انجلاند يعلقون مرارا وتكرارا على التزامات الحياة المتمدنة ، وكانوا حين يذهبون إلى أبعد من المقارنة التقليدية بين البرابرة والإنجليز المهذبين يركزون على التفريق بين الحيوانات والبشر . (11)

يتحدث لويس بيري واصفا الحياة الثقافية الأمريكية في نيو انجلاند في القرن السادس عشر والسابع عشر قائلا : "ينبغي ألا ننسى أن معظم سكان نيو انجلاند كانوا لا يرقون إلى مستوى التعليم الجيد ، و أن وجهات نظرهم كانت دون مستوى التثقيف العام ، وفي الغالب كان تفكيرهم تقليديا تشوبه الأساطير ، وكانوا ميالين لاعتبار كل ما هو محيط بهم على أنه برية تنتظر حضارة منظمة تستنقذها ، أما الهنود الحمر فكانوا مذكرين دراميين بالهوة الفاصلة بين وسائل حياة العالم القديم أو بين العالم الجديد وتجاربه" (12) . "ولقد تمسك المتطهرون البيورتان بتقاليد الإصلاح الديني البروتستانتي ولا سيما جماعة "كالفن" أو "الجانب المصلح" ، ولقد كان في جنيف الكالفينية أن قام علماء البيورتان بإصدار إنجيل جنيف عام 1576 وهي ترجمتهم الرائعة للنصوص إلى اللغة الإنجليزية مع ملاحظات وشروح وافية عن الروابط بين العهدين القديم والجديد ومستقبل المفاداة ، وقد أدى المتطهرون الأمريكان أدوارهم التاريخية بعد قرن من ظهور كالفن في أوروبا" .(13)

ثم تواصلت الحملات الأوروبية في عصر النهضة في القرن السادس عشر نحو أفريقيا والهند والصين . كان عصر النهضة يشهد بداية تفسخ علاقات الإقطاع الأوروبي ومؤشرات ولادة الرأسمالية وازدهار تجارة الرقيق والتنافس الاستعماري بين الدول الأوروبية .

لقد كان شكسبير بما أنتجه من شعر ومسرحيات عظيمة في القرن السادس عشر  أفضل معبر عن التحولات الضخمة التي كانت تشكل الوعي الأوروبي الجديد لذاته وللعالم من حوله ، في محاولة لفهم اللحظة التاريخية من جهة ولرسم السلوك والسياسة الملائمة من جهة أخرى .

في مسرحية يوليوس قيصر كان شكسبير يستحضر الإمبراطورية الرومانية بمهارة الفنان الذي يستحضر التراث ليس لأجل الحنين إلى الماضي ، بل لصنع رؤيا مستقبلية .

في كتاب تاريخ المسرح لباند ولفي وفيتو ، نجد تحليلا أدبيا دقيقا واهتماما خاصا بيوليوس قيصر لشكسبير ، يقول المؤلفان :

(إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الضرورات الإمبراطورية "لروما" وخصوصا واقعة (fact) أن البلدان الخاضعة لسيطرتها كانت في الغالب تملك حضارة متفوقة ، فإن "يوليوس قيصر" و "أنطوان" من جهة و "بروتوس" و "كاسيوس" من جهة أخرى يمثلون في نظر شكسبير التناقض الأزلي القائم بين التفسير السياسي لواقع ما ، والحاجة إلى عدالة … وكان من المنطقي في هذه الحال أن يعلو معنى الوقائع . وهو شأنه شأن "ميكافيللي" في "الأمير" قبل ذلك بقرن تقريبا كان يتطلع لأن يطرح أسباب الوقائع التي تجري في أحد منعطفات التاريخ و أن يحدد السلوك الذي يلائم على أفضل نحو ، طبيعة الحدث . وكان لا بد لروما بهذا المعنى أن توفر له إمكانيات أعظم فائدة وبيانا من تاريخ إنجلترا ذاته .) (14)

لقد كان شكسبير فنانا مبدعا في التعبير عن روح عصره  ، ومثلما كان الهاجس المحوري لمكافيللي – السياسي هو تصور نظام أوروبي جديد يجب أن يولد على أنقاض الممالك الإقطاعية المنتشرة في أوروبا في عصره ، كان شكسبير الفنان بعده بقرن من الزمن يحاول أن يحل المسألة ذاتها من خلال المسرح معيدا ربط الماضي بالحاضر .

وبهذا المعنى يمكننا أن نقرأ توصيفا للوعي الأوروبي لدى الدكتور حسن حنفي إذ يقول :

(الوعي الأوروبي منذ نشأته اليونانية والرومانية ، يعتبر اليونان مركز العالم وبدايته ، والرومان سادته وأسياده . يونان وبرابرة ، رومان وبرابرة  ، المركز والأطراف ، روما ومستعمراتها …. الوعي الأوروبي روماني أكثر منه يونانيا . أسبرطة أكثر منه أثينا ، للقوة أولوية فيه على العقل ، وللجسد الصدارة على الروح) (15)

في تلك الأثناء التي كان يجري فيها تشكيل الوعي الأوروبي الجديد ، واستحضار التراث الذي كان يحوي في طياته نزعة القوة وادعاء التفوق حتى على شعوب كانت تمتلك حضارة متميزة ، كان التوسع الأوروبي وحملات اكتشاف الأقاليم والاستيطان فيها ونهب الثروات ونقل العبيد من أفريقيا إلى أوروبا الغربية وأمريكا في حالة من التصاعد المستمر .

وفيما كان القانون الدولي القديم الذي تأسس في القرن السادس عشر يرسي قواعد قانونية تشرع حق امتلاك الأقاليم المكتشفة وفعالية وضع اليد عليها …. كانت عقلية المكتشف الأوروبي تنشئ مستوطنات  استعمارية  لملء ما كان يعتبر مجرد فضاءات فارغة على الخريطة الجغرافية للعالم ، وكانت تفرض العبودية على السكان الأصليين لتلك المستعمرات وتمارس بحقهم كل أشكال الاضطهاد العرقي العنصري حتى الإبادة الجماعية . يصف لويس بيري ذلك بالقول (في بداية حملات الاستيطان في القرن السادس عشر ، راح الناس في إنجلترا يرددون القول بأن المدنية ليست الطريق لكسب المتوحشين ، وبدأ الجنود يصطادون الهنود الحمر بكلاب الحراسة ويداهمون قراهم ومدنهم فيشعلون فيها النيران ، ثم يغرروا بهم لإعادة تجميعهم في القرى وبعد ذلك ينقضون عليهم في مذابح جماعية) .(16)

 

الاستعمار والهيمنة الإمبريالية ونظرية التفوق العرقي:

"إن أصل فكرة الاستعمار و إنشاء المستعمرات تعود إلى العهود الرومانية الغابرة ، فكلمة مستعمرة (colony) كانت تعني لدى الرومان القدامى امتلاك أراض جديدة في بلدان وأقاليم أجنبية والسيطرة عليها بالقوة العسكرية بهدف إقامة منشآت زراعية جديدة ، وحكم تلك الأقاليم وتحويل سكانها الأصليين إلى عبيد يعملون في تلك المنشآت الزراعية المقامة فوق أراضيهم لصالح الإمبراطورية ، ولقد دخل هذا المدلول لكلمة مستعمرة (colony) إلى كل اللغات الأوروبية " . (17)

يعتبر البروفيسور إدوارد سعيد أن "الاستعمار هو من عقابيل الإمبريالية" لكنه يصف "الإمبريالية" ليس كمرحلة تاريخية محددة مرتبطة بتطور الرأسمالية كمرحلة تاريخية محددة أيضا بل : الممارسة ، والنظرية ووجهات النظر التي يملكها مركز حواضري مسيطر يحكم بقعة من الأرض قصية …. الإمبريالية تستمر حيث كانت موجودة دائما : في مناخ ثقافي وفي ممارسات عقائدية واقتصادية معينة" .(18)

بهذا المعنى فالمركز الحواضري للإمبراطورية الرومانية الذي كان يسود فيه نمط الإنتاج العبودي كان إمبرياليا مثلما كانت بريطانيا العظمى الرأسمالية إمبريالية ومثلما هي الولايات المتحدة الأمريكية إمبريالية .

نلاحظ أن الأمر المشترك في المناخ الثقافي والممارسات العقائدية للإمبرياليات القديمة والحديثة هو نظرية التفوق العرقي التي تطبع السلوك والممارسة العدوانية الإمبريالية بطابعها ، ويكون الاستعمار – والحالة هذه – جزءا مهما من مملكة الضرورة كما يقال .

ها هو إدوارد سعيد إذ يعرف الاستعمار ، يتحدث عن ثقافته كاشفا النقاب عن مفردات تلك الثقافة قائلا :

(أما الاستعمار (colonialism) الذي هو دائما من عقابيل الإمبريالية فهو زرع مستوطنات في بقاع من الأرض قصية . و إن مفردات الثقافة الإمبريالية العريقة في القرن التاسع عشر ، لتحفل بألفاظ وتصورات مثل "دوني" و "أعراق تابعة محكومة"و  "شعوب خاضعة تبعية"و "توسع  سلطة" . إن إحدى الحقائق الشاقة التي اكتشفتها اثناء اعدادي لهذا الكتاب هي ندرة الفنانين البريطانيين والفرنسيين ممن أعجب بهم ، الذين اعترضوا على مفهومي (الأعراق الخاضعة) و (الأدنى مكانة) وغيرهما . لقد لاقت هذه المفاهيم قبولا واسعا وقدمت الوقود للاستيلاء الإمبريالي على الأراضي في أفريقيا وآسيا عبر القرن التاسع عشر بأكمله) . (19)

أما المسألة الأكثر أهمية وحيوية والتي سنواجهها في إطار البحث ، فهي تتعلق بقدرة التكوينات العقائدية للإمبريالية ، المندفعة بقوة من مركزية نظريتها في التفوق العرقي ، على تجديد ذاتها وخلق " تشكيلات " ثقافية جديدة أكثر تكيفا مع الوقائع الجديــدة .

 لقد استمرت وتيرة حملات الاستيطان وتجارة نقل الرقيق الأسود طيلة القرون : السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر ،  وشهد القرن التاسع عشر ذروته وبشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ البشري حيث بات الاستعمار الأوروبي يسيطر على معظم أرجاء الكرة الأرضية : آسيا ، أفريقيا ، أمريكا الشمالية ، أمريكا الجنوبية (اللاتينية) جزر الكاريبي ، كندا ، نيوزلندا ، إيرلندا ، أستراليا ( التي ظل سكانها الأصليون يعتبرون عرقا دونيا مثل الهنود الحمر ومثل كل الأعراق غير الأوروبية حتى القرن العشرين). وكانت فكرة ارتقاء الغرب وتفوق العنصر الأوروبي تفرض حضورها المركزي على كل دوافع الثقافة الأوروبية وعلومها وفلسفتها وآدابها ، وعلى مجمل الممارسات الاستيطانية الأوروبية في العالم غير الأوروبي أو ما سمي (وراء البحار) ولقد اتخذت تلك المركزية الأوروبية أكثر تجلياتها صرامة في الثقافة الإنجليزية .

وإذا كان القرن السادس عشر قد شهد بداية استحضار التراث و إحيائه وصولا إلى القرن التاسع عشر ، فإننا نلحظ إعادة صياغة ذلك التراث برافديه الروماني واليوناني القديم ، في إطار من الصياغة المركزية الشمولية ، وفي سعي ثقافي محموم لامتلاك تاريخ  يربط الشعب بالأراضي الجديدة التي كان يستوطنها ويربط الاستيطان بفكرة الفضيلة وبضرورات فرض حضارة العنصر الآري المتفوق ، جرت عملية تنقية صارمة لهذا التراث واستبعاد أي أثر أو جذور للثقافات السامية والمصرية القديمة فيه وخصوصا تلك الجذور السامية والشرقية العريقة في الحضارة اليونانية القديمة .

في كتاب بعنوان المركزية الغربية – إشكالية التكون والتمركز حول الذات ، يتناول الدكتور عبد الله إبراهيم تمركز الثقافة الغربية من خلال تناوله للفلسفة الغربية وخصوصا في القرن التاسع عشر ، وما أنتجته من ثقافة "المطابقة" مع الماضي ومفاهيم الديمومة والنقاء من الشوائب التاريخية والطهرانية الذاتية وإقصاء "الآخر" قائلا (تكشف لنا إشكالية أصول الفلسفة الإغريقية أمرين متلازمين ، أولهما ضخامة الإكراهات التي مورست بحق الأصول الحقيقية لتلك الفلسفة وبخاصة الموارد الشرقية وثانيهما الاستراتيجية التي اتبعها منهج الوحدة والاستمرارية في إقصاء المغذيات الطبيعية لتلك الفلسفة وإسقاط منظور حديث أنتجته المركزية الغربية يهدف إلى تخليص الفكر الغربي والفلسفي منه على وجه التحديد من الصلات التي تربطه بالمواطن الحضارية المجاورة ، هذا المنظور الذي بدأ منذ انطلاقة العصر الحديث وعلى يد هيجل يرتب قضاياه داخل سياج دوغمائي محكم ، ولم يكن عليه إلا إعادة النظر في موروثه لإقصاء كل أثر "دخيل" أو "غريب" والانكفاء على الذات في حركة محورية تفترض أول ما تفترض السمو والتفوق العقلي "للأنا" والوضاعة والانحطاط للآخر ، وداخل هذا السياج تحصنت كشوفات العقل الغربي) (20)

وهكذا فقد أنجزت في القرن التاسع عشر عملية اختراع التراث الثقافي الذاتي بل وتنقيته وتصميمه كتراث آري وفقا للمفهوم القديم – الجديد للثقافة ، على طريقة البستنة الجنائنية ، ورغم اعتراف اليونانيين أنفسهم أن ثقافتهم هجينة من عدة ثقافات وحضارات ، فقد جرت عملية إقصاء دقيق لكل الوقائع "المحرجة" في تلك الثقافة وفي التاريخ الأوروبي  القريب نسبيا .

والملفت للنظر أن عملية اختراع التراث وتصميمه بشكل يواكب روح العصر الاستعماري قد تمت بمنتهى المركزية والتمحور حول الذات المفرطة في نرجسيتها ، لنأخذ على سبيل المثال ما كتبه هيرمان أحد أكبر دعاة الاستعمار والتفوق الأوروبي سنة 1910 : (( إن ثمة تراتبية بين الأعراق والحضارات وإننا ننتمي للحضارة والعرق المتفوقين . إن المشروعية الأساسية للفتح والغلبة على شعوب أصلانية تكمن في الإيمان بتفوقيتنا ، لا الآلية والاقتصادية والعسكرية فحسب ، بل الأخلاقية أيضا … وهي ما يتبطن حقنا في أن نوجه بقية البشر ونقودهم ، وما القوة المادية سوى وسيلة لتحقيق ذلك )) (21)

لقد تم تحديد المراتب العرقية للبشر من منظور قمة الهرم ،  وتم رسم خطوط وملامح نمطية لكل الشعوب المستعمرة أو السكان الأصليين للمستوطنات : شعوب متخلفة ، دونية ، وتم تصوير مقاومة تلك الشعوب للاستعمار الأوروبي على أساس يجرد هذه الشعوب من إنسانيتها .

ولعبت الرواية كشكل أدبي محدد أوروبي النشأة (إنجليزي على وجه التحديد) دورا بالغ الأهمية . فلقد ترافقت ولادة الرواية مع ازدهار حركة التوسع الاستعماري في القرن التاسع عشر ، وغني عن القول أن سلطة الأدب وسلطة الرواية على وجه التحديد في تكوين وتوجيه الوعي الاجتماعي ليس لها حدود . حيث تساهم في تشكيل عالم متماسك متخيل ، تحاك ضمنه صور للذات عن ماضيها وتصاغ فيها نزوعات وتكوينات عقائدية ويتم إدخال مكونات الدين ، اللغة ، العرق ، الأساطير ، والخبرة الشعبية ، وتخيل أنماط للآخر في إطار من السرد والتواطؤ مع اللغة حيث يصبح السرد عن الموضوع بديلا عن الموضوع وحيث يتم ربط المعرفة بالقوة وربط التاريخ بالسرد الروائي وخلق أبطال مستكشفين ، باحثين ، مبشرين ، فاتحين ومستوطنين ، وحاملين لعبء الحضارة ….. وخلق شخصيات نقيضة ، سلبية ، باهتة ، صامتة وغامضة ، أو متوحشة غريزية وقد كان اليهود منذ عهود روما ، ومرورا بكل العهود الأوروبية يخضعون كسلالة سامية وشرقية لتصنيف "دوني" مثل غيرهم من السلالات والشعوب الشرقية .

لذا فإنني أعتقد أنه لا بد من العودة قليلا إلى التاريخ لإلقاء الضوء على الظروف التي كان يعيش فيها اليهود في أوروبا قبل حدوث هذا التحول الثقافي الضخم .

 

نبذة تاريخية موجزة عن حياة اليهود في أوروبا:

بعد أن انتهى العصر الذهبي الذي عاشه اليهود في الأندلس فور سقوط الدولة الإسلامية ، بدأ اليهود يعاملون معاملة قاسية من قبل الكنيسة الكاثوليكية منذ القرن العاشر الميلادي ، وازداد الأمر سوءا على اليهود خلال الحروب الصليبية حيث كانوا يتنقلون مع الجيوش الصليبية كتجار حرب يجمعون الثروات مما أثار سخط البابوات وعامة الناس عليهم ، و أصبحت الكنيسة تمنع الجيوش الصليبية من مرافقة اليهود منذ القرن الثالث عشر .

بدأ طرد اليهود من أوروبا على يد ملك ألمانيا فريدريك الثاني في 1236سنة  وهو الذي كان قد اضطهدهم واعتبرهم عبيدا . ثم تبعه ملك فرنسا لويس التاسع عشر في 1254سنة وانتهت حملات طرد اليهود من فرنسا 1394سنة ، ثم انتقلت عدوى طرد اليهود إلى إنجلترا فنزحوا منها إلى ليتوانيا ثم إيطاليا وتركيا وشمال أفريقيا ومصر وغيرها ، وعندما اجتاح الطاعون أوروبا في القرن الرابع عشر تم طرد من كان قد تبقى منهم في فرنسا وإنجلترا وألمانيا ، إذ اعتبر اليهود مصدر الطاعون وناقلين لعدواه .

تتابعت الحرب على اليهود باسم الكنيسة الكاثوليكية ومحاكم التفتيش في القرن الخامس عشر والسادس عشر ، ففي عام 1492 (وهو عام سقوط غرناطة آخر معقل للعرب في أسبانيا بعد سقوط الأندلس ) أصدر ملك أسبانيا قرارا يقضي بطرد اليهود من أسبانيا ويقضي بمنع عودتهم إليها نهائيا ثم تبعتها البرتغال و أصدرت قرارا مماثلا .

كان القرن السادس عشر (قرن شكسبير) بحق ، فلقد أسهمت أعماله الأدبية في بداية بلورة وعي مركزي للذات الأوروبية ، الخارجة من عصور الإقطاع (ولقد تطرقت إلى هذه المسألة في سياق البحث) وكانت الشخصية "الشايلوكية" التي صاغها شكسبير لليهودي في "تاجر البندقية" تكرس ما ترسخ في الوعي الأوروبي منذ قرون سابقة عن شخصية اليهودي المرابي والجوال ، وهي شخصية منفرة ستبقى مكرسة بقوة في الوعي الأوروبي حتى القرن التاسع عشر ، ولقد ارتبط بتلك الشخصية مفهوم وشعور أوروبي عام بالعداء للسامية ، حيث اقترن تعبير العداء للسامية بالعداء لليهود وكرههم في جميع الدول الأوروبية (الغربية والشرقية من دون استثناء) وكانت المركزية الأوروبية في غمرة صعودها المضطرد  تعمق في الوعي الشعبي الأوروبي صورة ملتبسة ونظرة دونية إلى كل السلالات السامية الشرقية مختزلة إياها باليهود .

وهكذا كانت الشعوب الأوروبية قد تعودت عبر قرون طويلة أن تنظر لليهودي المقيم بينها في أوروبا نظرة عرقية دونية تركز وتختزل شعورها بالاختلاف والتفوق على كل السلالات الشرقية ، من خلال اضطهاد اليهود واحتقارهم ومضايقتهم ، وغني عن القول أن هذه الممارسات العرقية البغيضة كانت تخلق لدى اليهود ردات أفعال من نفس الطبيعة العنصرية ذاتها وتكرس مشاعر ومفاهيم تتمركز حول الذات اليهودية ، من قبيل الدفاع السلبي عن الذات مثل "اليهودي المكروه بسبب تميزه و قداسته" و إلى آخر القائمة من المشاعر النفسية المركبة النابعة من الشعور البغيض بالعزلة والملاحقة والاضطهاد التي كانت تكرس مفاهيما ثقافية ملتبسة ومفرطة في نرجسيتها الذاتية وفي كرهها "للأغيار" .

وصولا إلى القرن الثامن عشر(عصر التنوير) الذي شهد تحسنا ملحوظا في حياة اليهود في أوروبا حيث لعبت الثورة الفرنسية و إعلان حقوق الإنسان دورا مهما في ذلك وبدأ ينظر لليهود نظرة أفضل من قبل ، فشعارات الثورة الفرنسية : حرية – إخاء – مساواة ، كانت تدفع نحو تحسين مناخ التعامل مع اليهود و إلى فك عزلة (الغيتو) اليهودي ، كما أن اندماج اليهود في الحياة الثقافية الأمريكية بفعل التيار الديني اليهوسيحي "البيورتاني" البروتستانتي قد لعب دورا هاما ،  وكان لهذا المناخ أثره على إنجلترا وغيرها من الدول الأوروبية ، فلقد ظهرت في إنجلترا في مطلع القرن التاسع عشر أشعار للشاعر الإنجليزي ( بايرون ) تتحدث عن الشخصية الرومانسية اليهودية ، وكان ذلك يخفف من حدة التصادم التاريخي في الوعي الأوروبي المسيحي ، مع الشخصية اليهودية السلبية ويخفف شيئا فشيئا من حدة النظرة الأوروبية إلى اليهود كعرق دوني ، لكن تحولا نوعيا لم يحدث .

في عام 1817 ظهرت أول رواية إنجليزية تتحدث عن الشخصية اليهودية بنمط جديد ، حيث تظهر لأول مرة في تاريخ الثقافة الأوروبية معالم شخصية يهودية طيبة ، وغير هامشية وهي رواية "هارنغتون" للكاتبة الإنجليزية "ماريا ادغورت" ، لكن تلك الرواية بما طرحته من نمط جديد لم تلق رواجا واسعا في إنجلترا وفي أوروبا ، بل لاقت استهجانا من الجمهور وشكلت صدمة لأنها خدشت النمط القديم عن اليهودي المنفر أو اليهودي الشايلوكي ولكنها بذلك حققت خطوة مهمة إلى الأمام ، وحققت نجاحا واسعا في أمريكا فاتحة الباب على مصراعيه أمام اجتهادات وتساؤلات ثقافية مختلفة في أوروبا حول جوهر الشخصية  اليهودية "الغامضة" المصنفة تصنيفا دونيا متأصلا في الوعي الأوروبي .

يصف الدكتور هاني الراهب ، هذا التحول الذي بدأ يظهر في الأدب الإنجليزي منذ بداية  القرن التاسع عشر قائلا : ((من شخصية شايلوك المرابي والتائه الجوال إلى اليهودي الطيب المتفائل تفاؤلا ميثولوجيا طوبويا ، الباحث عن الأرض و الأمة وعن الرسالة النبيلة ، لكنه لا يتخلى عن براغماتيه في نفس الوقت)) (22)

في سنة 1833 ظهرت رواية لكاتب إنجليزي (يهودي) هو "دزرائيلي" بعنوان "ديفيد الروي" وهو الاسم الذي يحمله بطل الرواية ذاتها ، ويظهر البطل اليهودي في الرواية كبطل "قومي"  يرفض الاندماج في المجتمع الأوروبي الذي يعيش فيه حاملا قضية التميز والتفوق اليهودي عبر التاريخ كتميز ديني وعرقي يهيء اليهود لقيادة الكون …

لكن هذا الحل لم يكن ممكنا قبوله فالنظرة العرقية المتعالية التي كانت تزداد تجذرا في الثقافة الإنجليزية في القرن التاسع عشر بشكل مذهل ، لم تكن لتقبل بحل عنصري كهذا يطرح نفسه بدرجة من التعالي الانفعالي (يهيئ اليهود لقيادة الكون) مهما حدث من تقارب ثقافي ومهما حدث من تطور على نمط كان مصنفا تصنيفا دونيا .

فجاءت رواية " جورج أليوت " لتنتقد رواية (دزائيلي) على ما تنطق به من عنصرية صريحة مفرطة ، ولتطرح في روايتها "دانييل ديرونا" اقتراحا روائيا من نوع أنضج و أكثر مهارة ، يجعل مشروع خلق نسخة ثقافية عنصرية جديدة ، أقدر على الوقوف على قدميه ضمن النسق الثقافي المركزي العام للثقافة الأوروبية ، ليس على مستوى القبول في الوعي الأوروبي فحسب ، بل على مستوى قدرة هذه النسخة الثقافية الجديدة "الصهيونية" أن تخدم مصالح الاستعمار البريطاني بقدر ما سيخدمها و أن تزيل عقبات التصادم النمطي القديم .

لقد طرحت جورج أليوت في تلك الرواية ولأول مرة فكرة الذنب الأوروبي المتمثل في اضطهاد اليهود والعداء للسامية وضرورة التكفير عنه من خلال دعم اليهود كي يتجمعوا من التيه الذي يعيشون فيه في وطن قومي هو فلسطين ، وطرحت بطلها اليهودي كرجل سياسي يتميز بالبطولة والحكمة فالبطل "مردخاي" في الرواية يلقي المحاضرات التي تخاطب الوعي المسيحي قاذفا إياه بعقدة الذنب ، وطارحا نفسه كشريك استعماري مفترض ، كبديل عن علاقة التصادم والتنافر العرقي القديمة ، لكن هذا الجوهر الجديد ما هو إلا حل من الطبيعة العرقية والعنصرية ذاتها ، فها هو البطل "مردخاي" يقول: ((ألا يوجد بيننا نبي أو شاعر يجل آذان أوروبا المسيحية تقرع بالعار لما يلحق بالكفاح المسيحي الذي يطعن بالسر فيما يحدق الأتراك ، كما يحدق مؤجر الحلبة لصراع الوحوش ؟ . سيكون لجنسنا مركز عضوي : قلب ودماغ ليحرس وينفذ ….. سوف يكسب العالم (إسرائيل) من جديد كما ستكسب (إسرائيل) بدورها ، لأن مجتمعنا سيكون في طليعة الشرق ، يحمل ثقافة وأحاسيس الأمم الكبيرة في ذروة ازدهارها )) .(23)

لقد ظهرت رواية جورج أليوت الشهيرة هذه "دانييل ديرونا" في ذروة التوسع الاستعماري البريطاني وفي ذروة نجاح التجربة الاستيطانية الأمريكية وثقافتها ، ولم تكن الصهيونية قد ظهرت بعد لا ثقافيا ولا سياسيا ، فكانت هذه الرواية بمثابة تهيئة ثقافية منظمة لحل ثقافي متكامل سيولد فيما بعد ، والحقيقة أن تأثير التيار الثقافي الأمريكي "اليهوسيحي" على نظيره الإنجليزي ، وخاصة تأثير ثقافة "نيو انجلاند" كان حاسما ، فالحقيقة التاريخية اللاذعة المتمثلة بظهور هذه الرواية قبل نصف قرن تقريبا ، من ظهور رواية ثيودور هرتسل "الأرض القديمة الجديدة" (التي كتبها هرتسل في نهاية القرن التاسع عشر وشكلت ولادة رسمية للصهيونية الثقافية قبل ولادة الصهيونية السياسية في مؤتمر بازل 1897) تلك الحقيقة الدامغة تظهر بوضوح أن عملية التهيئة لولادة الصهيونية الثقافية قد تمت على يد الثقافة المركزية الأوروبية وفي حاضنتها وبرعاية تامة منها ، ومن رديفتها الأمريكية الاستيطانية التي كانت قد استقلت عنها .

لقد أسهمت رواية جورج أليوت بظهورها (في منتصف القرن التاسع عشر) بتقدم كبير لفكرة تقارب ثقافي يهودي – مسيحي ، وفي تلك الفترة بالتحديد حدث لأول مرة في التاريخ الأوروبي أن أصبح شخص يهودي هو البارون الثري روتشيلد عضوا في البرلمان الإنجليزي وذلك سنة 1858 .

ولكي نتمكن من رؤية أوضح لهذه الحقيقة ، لنتأمل فيما قاله أحد منظري الاستعمار الإنجليزي في القرن التاسع عشر هو البروفيسور "رسكن" حيث قال في محاضرة ألقاها سنة 1870 أمام طلاب جامعة أكسفورد ما يلي : (( إن إنكلترا التي ستكون سيدة على الكرة الأرضية لا يمكن أن تبقى هي نفسها كومة من النفايات ، إن عليها أن تجعل جلالتها نقية لا تلطخها شائبة ….. سيكون لإنجلترا من سفن بحريتها الثابتة ، أو بالمعنى الحق والأقوى كنائسها "اللا متحركة" التي يحكمها ربابنة على بحيرة طبريا الجليل)) .(24)

بعد ذلك بعقدين من الزمان تقريبا ظهرت رواية هرتسل "الأرض القديمة الجديدة" والتي شكلت القفزة النوعية الحاسمة والتي كانت بمثابة إعلان رسمي صريح لولادة الصهيونية الثقافية كنسخة ثقافية استعمارية عنصرية سبقت ولادة الصهيونية السياسية وإعلانها على يد هرتسل نفسه ، ولقد صاغ هرتسل في روايته رؤيا صهيونية مكملة للرؤيا الاستعمارية العنصرية البريطانية سواء على صعيد رسم العلاقة بين الطرفين أم على صعيد رؤية الصهيونية لدورها ولذاتها .

لنتأمل فيما كتبه الشهيد غسان كنفاني حول رواية هرتسل "الأرض القديمة الجديدة" : ((هذه الرواية التي استبقت عند هرتسل نفسه الصهيونية السياسية وكانت حافزا لقلب هرتسل الفنان إلى هرتسل السياسي ، فهرتسل نفسه بعد أن يظهر ندمه الشديد لاضطراره لترك نشاطه الأدبي ليتفرغ نهائيا للعمل على إنشاء المنظمة الصهيونية ، يعترف وبكل وضوح أن هدف روايته لم يكن فنيا ولكنه كان هدفا دعاويا . في الواقع لم يقم هرتسل في هذه الرواية إلا بدفع "مردخاي" بطل رواية "دانييل ديرونا" لجورج أليوت خطوة إلى الأمام ووضعه في نطاق التنفيذ ، بعد أن كان عند ج . أليوت مجرد داعية .

فأرض فلسطين "المضاعة" كانت تستلقي بانتظار اليهود ليعودوا ويصلحوها ويسكنوها … ولكن لا شيء عن الشعب الذي يسكنها . واليهود في اتجاههم نحو فلسطين إنما كانوا يقدمون خدمة فقط للعقل الغربي . فـ "هرتسل" يؤكد بتكرار متواصل أن اليهود سينقلون إلى الأرض القديمة الجديدة المؤسسات المتحضرة التي كانت موجودة في البلاد المتحضرة في أواخر القرن التاسع عشر ، وربما لذلك بالذات تحدث هرتسل في روايته عن الدور الذي ستلعبه (إسرائيل) في أفريقيا وآسيا "المتخلفتين" ، بشكل يتجاوز دور الداعية الذي يتلاعب بالألفاظ ، و إلى وضع البطل موضع التنفيذ .. لكن الأرضية المشتركة هي مــزج الدين بالقومية)) (25)

إن ما لاحظه الشهيد غسان كنفاني من مزج بين القومية والدين في الأدب الصهيوني لم يكن وصفة صهيونية مبتكرة من بنات أفكار هرتسل ، كما أن جورج أليوت التي سبقته بروايتها "دانييل ديرونا" بنصف قرن تقريبا وكانت قد استخدمت هذا المزج لم تأت بجديد ، إننا نجد المزج بين الدين والعرق والقومية في كل الأدب الأوروبي في القرن التاسع عشر والإنجليزي منه خاصة . فالمتتبع لشخصيات وأبطال ذلك الأدب يجدها شخصيات مشحونة بشبوب عاطفي ، يرنو إلى الفضيلة والتطهر والنبل الأخلاقي ، وتتصرف بحكمة الإنسان الذي يدرك أنه صاحب رسالة حضارية ينبغي نشرها وفرضها بالقوة  ، شخصيات لا يقيد سلوكها سوى الكفاءة في نشر الحضارة المتفوقة ، التي هي بحد ذاتها مزيج من الدين والعرق الآري والقومية الأوروبية أو بتعبير آخر هي شخصيات محورها بطل "رجل" أوروبي غربي مسيحي – بروتستانتي أبيض ذو أخلاق وقيم وسلوك حضاري مهذب وكفاءة إنسانية استثنائية ، فيما تظهر الشخصيات التي تمثل الشعوب الأصلانية (أصحاب الأراضي المستعمرة الأصليين) إن ظهرت فهي تظهر كشخصيات بدائية همجية متخلفة أو ساكنة باهتة في أحسن الأحوال يشوبها الغموض والغرابة .

((ويسمح لإحكام عجائبي أن يحدث على كلا جانبي العلاقة ، وتنتج عنه نتيجة عامة هي أن هوية كل منهما تتدعم فيما تأخذ تنويعاتها المختلفة على الجانب الغربي في التكاثر ، وتضم إليها عن طريق الانتساب والصلات عددا هائلا من النساخات الثقافية الموافقة ، لكن الأكثر إشاقة في الوقت نفسه ، التي تملك كل منها نبراتها وملذاتها الخاصة وخصائصها الشكلية الخاصة)) (26)

من هذه النقطة الدالة ، يمكننا أن ننطلق لرؤية التصميم الذي تم إنشاؤه للبطل اليهودي بعد ترميم شخصية "اليهودي" التي كان قد تم ترميمها قبل ذلك بانقلاب الصورة الشايلوكية ، لكي نرى بوضوح أن صورة هذا البطل "الصهيوني" الجديد ليست سوى نسخة عنصرية مطابقة للأصل في الجوهر وكما أسماه تشومسكي ((إعادة تشكيل العقائدية ، التي تشمل مكوناتها مفاهيم عن الانتصارية الغربية اليهوسيحية والتخلف الطبعي الكامن في العالم غير الغربي)) (27)

فالملاحظة البالغة الدلالة التي لاحظها الشهيد غسان كنفاني في صورة البطل غير اليهودي في الأدب الصهيوني (وهو يقصد الإنسان الأوروبي الغربي) هي أنه يكتشف فجأة مسؤوليته الشخصية عما حدث لليهود في أوروبا ((فيؤمن بالدعوة الصهيونية تكفيرا عن الذنب ، ويضحي بدوره صاحب قضية صهيونية)) (28) بعد أن كان قد آمن بتلك القضية الصهيونية ، المستوطن الأمريكي من قبله .

لكن السؤال المنطقي الذي يطرح نفسه هو : لماذا يكتشف الإنسان الأوروبي نفسه مذنبا تجاه اليهودي فقط ، بينما لا يكتشف ذلك الذنب تجاه شعوب الكرة الأرضية كلها تقريبا ، تلك الشعوب التي تم استرقاقها واستعمارها واستيطان أراضيها وقمعها وإبادة جزء منها بوحشية مثلما حصل في أمريكا مع الهنود الحمر مثلا ؟ أو مثلما حصل من ممارسات مشينة مع سكان القارة الأفريقية طيلة قرون من العبودية ، لماذا لم تتحرك عقدة الذنب بسبب اضطهاد الإنجليز لشعب قريب منهم جغرافيا على الأقل كالشعب الأيرلندي مثلا ! الذي تم اضطهاده واستعماره واعتباره عرقا دونيا طيلة قرون عديدة ، وكان الأولى أن تتحرك مشاعر الذنب تجاهه فهو أقرب إلى الإنجليز من اليهود بكثير ؟؟ .

ولكن جزءا هاما من التفسير الثقافي لهذا السلوك الذي يبدو غريبا ومتناقضا في الوقت نفسه هو في أنه لم يخرج عن إطار مفهوم الزراعة والبستنة القديم ، و إن اتخذ شكلا حداثيا ، و أنتج نسخة جديدة ما هي إلا ترجمة أنجلو ساكسونية  والهدف هو الحفاظ على ممارسات القوة والتفوق وحماية المصلحة الاستعمارية وتكيفها مع الوقائع الجديدة التي كانت قد أنشئت في ظل عقيدة "القدر المتجلي" في "نيوانجلاند" وفي ظل عقيدة الجلالة البريطانية الاستعمارية .

 ((جدة طريفة تقوم بشكل كلي تقريبا على إعادة تشكيل شظايا قديمة ، بل تكاد تكون مزمنة مأخوذة – بوعي تام للذات – من أمكنة ومصادر وثقافات متباينة ، ذلك أن العلامة الفارقة للشكل الحداثي هي : الإقحام التجاوري الغريب للملهاوي والمأساوي ، العالي والواطئ ، العادي المبتذل والغرائبي ، المألوف والأجنبي ، وكان الحل الأكثر مهارة لذلك هو توحيـــد "جويس" لـ "الأوديسة" باليهودي التائه)) (29)

فالملهاوي والمأساوي والعادي المبتذل والغرائبي في هذا الإقحام التجاوري ، نجده واضحا تمام الوضوح فيما لاحظه غسان كنفاني في أن البطل الصهيوني ((يظل محتاجا إلى تبرير عدم اندماجه في المجتمع الذي جاء منه (من أوروبا إلى فلسطين) وبالتالي فإن تركيزا فجائيا على اضطهاد العالم لليهود يتكرر باستمرار)) (30)

هذا من ناحية ، أما  الناحية الثانية للمأساة – الملهاة ، فهي أن البطل الأوروبي يظل محتاجا لتبرير دعمه لفكرة عدم اندماج "اليهودي" في مجتمع البطل الأوروبي ، وضرورة مساعدته لتحقيق فكرة وطن "قومي" لليهود ، بعقدة الذنب التي يكتشفها البطل الأوروبي فجأة ، بعد ممارسة التحقير والاضطهاد بحق اليهود لقرون طويلة ، ولا شيء يمكن أن يخطر ببال كلا "البطلين" عن ضحية لا ذنب لها سيتم تشريدها وقتلها هو الشعب الفلسطيني في غمرة ممارسة طقوس البراءة وغسل الذنوب وإنصاف "المظلوم" .

(( وإذا ومض في رواية شخص ما عربي يحبه البطل اليهودي ويحترمه فهو ذلك العربي الذي يعتقد أن اليهودية هي الحل الوحيد للعرب ، وعبر الأحداث يركز المؤلف على "وحشيـة العرب" وعلى عدم وجود أية علاقة لهم بالأرض التي خربوها على مر الأجيال)) (31)

"وفي مقولة مدهشة يسأل "دزرائيلي" العرب ، من هم العرب ؟ ويجيب : إنهم مجرد يهود يمتطون الخيول" (32)

لكن المعضلة الحقيقية التي سيبقى الخيال العنصري عاجزا تماما عن حلها مهما بذل من جهود ، ومهما نجحت شخصية "البطل الصهيوني" في محاكاة صورة "البطل الأوروبي" المستوطن الإنجليزي الأبيض البروتستانتي White Anglo-Saxon Protestant ، حامل عبء الحضارة الآرية المتفوقة ، ومهما حدث من تبادل واستعارة بين الصورتين تبقى معضلة الهوية الثقافية اليهودية إشكالية وملتبسة بشدة ، حتى يومنا هذا ، ويبقى السؤال المزمن  من هو اليهودي قائما. وهل اليهودية ديانة أم قومية ؟! لأن المزج الذي تم على الطريقة الأوروبية بين الدين والقومية ، لأجل خلق شخصية بطولية صهيونية تحمل رسالة تاريخية حضارية ، لم يتمخض عنه حل يجعل اليهودية قومية ، بل فاقمت من عجزها عن تحديد ذاتها وهويتها بعد أن أقامت مشروعا استيطانيا بنسخة ثقافية أوروبية وسط محيط الثقافة العربية الأصيلة ، وهكذا يمكننا أن نقرأ المبتذل والغريب ، العالي والواطئ في الإقحام التجاوري الذي يظهر جليا في منطق أحد أبرز أساتذة الأدب الصهيوني في جامعة حيفا "يهوشواع" حين يقول ((إن اليهودي يضع نفسه دائما في صراع ، لأنه خنثى  ، هذه مشكلة …. هذا يعطيه التفرد ….. كائن إنساني يجمع في نفسه بين العنصرين : الأنيميا والأنيموس … لا تعرف مع من تتعامل : هل أمامك شعب أم دين ؟؟ هذا الغموض يجعل اليهودي إشكاليا ، لذا فقد أحضرناه إلى هنا كي يصبح طبيعيا … كي يصبح شعبا ، لنحوله من خنثى إلى شعب .. ساعدونا عل التحول إلى طبيعيين .(33)

إننا نجد أنفسنا أمام وعي صهيوني مزدوج ومتناقض ، فهو يدمج كيف يشاء ويفصل حين يشاء .. يقارب ويباعد ، وفي الحقيقة فإن هذا الوعي يبقى محكوما بشروط نشأته التاريخية وظروف تكوينه العقائدي من رافدين واستعماريين استيطانيين ، رافد عدم الاندماج في المجتمعات الأوروبية وما تمخض عنه من عقد العداء للسامية والسعي لإيجاد حل استعماري تقليدي للتخلص منها على الطريقة الإنجليزية الاستعمارية ، ومن رافد الاندماج الثقافي اليهوسيحي البروتستانتي الاستيطاني الأمريكي ويسعى "البطل الصهيوني" في فلسطين إلى إعادة استنساخ التجربة الاستيطانية "الناجحة" للمستوطن الأبيض في أمريكا ، معتقدا أن نجاح تلك التجربة وصعودها الاستقلالي المذهل عن إنجلترا "الأم" وصولا إلى حكم العالم كفيل بنجاح النسخة الصهيونية الجديدة .. ولا شيء يذكر عن اختلاف الجغرافيا والتاريخ والوقائع والتجارب البشرية عن بعضها البعض ، فكل شيء قابل للتشكيل والصياغة ، والدمج أو الفصل القسري ، والنسخ والاستنساخ والانتساب أو الإقصاء والإلغاء من منظور عقائدي ذاتي مركزي لاهوتي صارم .

"فثمة حس بالهوية المشتركة بين (إسرائيل) والولايات المتحدة الأميركية لأسباب عديدة متنوعة من بينها "العهد القديم" . إن الولايات المتحدة أكثر دولة متدينة في العالم ، ففي استطلاع رأي أجري منذ سنوات قليلة ، اعتقد 88% من الأمريكيين أن الله يحبهم . ومن ثم كان من السهل جدا عليهم التوحد مع (إسرائيل) . هناك حس بأن ثمة مهمة (لهم) هناك في البرية . إن الكتابات المبكرة البيورتانية في أمريكا تكرر فكرة أن على اليهود الذهاب إلى هناك (البرية أو فلسطين) و أن هذه المهمة الروحانية لا بد واقعة" . (34)

وفيما كانت بيورتانية نيو إنجلاند المبكرة في أمريكا تتشكل كنوع من اليهودية الجديدة ، أو يهودية بتعابير أنجلو ساكسونية ، كانت الصهيونية تتشكل من شظايا عنصرية قديمة قدم التاريخ ، ومن عقائدية استعمارية استيطانية أنجلو ساكسونية جديدة ، تدمج في ذاتها عناصر القدم التاريخي والكلاسيكية الاستعمارية الإنجليزية مع الحداثة الاستقلالية الصاعدة للتجربة الاستيطانية الأمريكية الأنجلو ساكسونية البروتستانتية . وكما لاحظ لويس بيري في معرض حديثه عن التجربة البيورتانية وعن "جون أليوت" ، أحد روادها الثقافيين الذي بشر بتمجيد شواطئ أمريكا بأعمال الرجال القديسين في القرن السابع عشر وأشار إلى "بوسطن" في إشارة من "عجائب وامتحانات هذا العصر الراهن ، باعتبارها القدس الجديدة …. " .(35)

فهل هنالك ما يدعو للدهشة في تحالفات عصرنا ؟

 

الهوامش :

(1)   كتاب " موجز تاريخ علم اللغة في الغرب المؤلف :   R.H Robins

       دار النشر : London and New York Longman

(2)   قاموس الـ Anthropology  ( علم الإنسان ) تأليف د. شاكر سليم مصطفى

      الطبعة الأولى سنة 1981 ص (801-802) .

(3)   Zigmond Bauman

       المصدر : Modernity and Holocaust

                                    Cambridge , 1991 , P.65                   

        الترجمة للباحث

(4)    كتاب تاريخ الحياة الثقافية في أمريكا – لويس بيري/ترجمة أحمد العناني

          مركز الكتاب الأردني 1990 ص (285) .

(5)    الثقافة والإمبريالية / إدوارد سعيد . دار الآداب – بيروت 1993 ص( 58 )

(6)    إدوارد سعيد : الثقافة والإمبريالية ص( 59 ).

(7)   لويس بيري : تاريخ الحياة الثقافية في أميركا ص (31) .

(8)   ريجيس دوبريه ، زائر الفجر: كريستوفر كولومبوس .. مكتشف أم قرصان

        ترجمة ليلى غانم ، الدار الجماهيرية للنشر ، ليبيا 1994 ص (60)

(9)   لويس بيري: "تاريخ الحياة الثقافية في أمريكا" ترجمة أحمد العناني / مركز

        الكتب الأردني 1990 ص (13)

(10)   نفس المصدر السابق ص (56)

(11+12+13)   نفس المصدر السابق ص (57)

(14)   تاريخ المسرح : تأليف : باند ولفي ، فيتو/منشورات وزارة الثقافة السورية

        سنة 1984 / ترجمة إلياس زحلاوي ص (56) .

(15)  د. حسن حنفي كتاب " ما العولمة " دار الفكر المعاصر ، بيروت 1999 ص(21)

(16)   لويس بيري: تاريخ الحياة الثقافية في أمريكا ، ترجمة أحمد العناني ص (33)

(17)   قاموس المصطلحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ص (40) .

(18)   إدوارد سعيد : الثقافة والإمبريالية ، دار الآداب ، بيروت 1997 ص (80)

(19)   نفس المصدر السابق .

(20)   د.عبد الله إبراهيم ، المركزية الغربية – إشكالية التكون والتمركز حول

        الذات ، المركز الثقافي الغربي 1997 الدار البيضاء ، ص (104) .

 (21)   إدوارد سعيد/ الثقافة والإمبريالية ص 87

 (22)   هاني الراهب / الشخصية الصهيونية في الرواية الإنجليزية/ المؤسسة العربية

         للدراسات والنشر سنة 1979 ص (7)

 (23)   غسان كنفاني في الأدب الصهيوني ، ص 67

 (24)   إدوارد سعيد ، الثقافة والإمبريالية ص 169

 (25)   غسان كنفاني / في الأدب الصهيوني / ص 93 ، 94

 (26)   إدوارد سعيد ، الثقافة والإمبريالية ص 172

 (27)   إدوارد سعيد ص 360

 (28)   غسان كنفاني في الأدب الصهيوني ص 104 .

 (29)   إدوارد سعيد ، الثقافة والإمبريالية ص 248

 (30)   غسان كنفاني في الأدب الصهيوني ص 105

 (31)   غسان كنفاني / في الأدب الصهيوني ص 105

 ( 32)  إدوارد سعيد ، الحق يخاطب القوة ، Duke University Press  طبعة

          أولى سنة 2001 ، ترجمة د. فاطمة نصر ، صفحة 28 .  

 (33)   مجلة الكرمل / العدد 50 ، شتاء 1997 في مقابلة أجراها معه حسن خضر  

        سكرتير تحرير مجلة الكرمل .

(34)   إدوارد سعيد ، الحق يخاطب القوة ، Duke University Press  طبعة

                  سنة 2001 ، ترجمة د. فاطمة نصر ، صفحة 37

(35)   لويس بيري ، تاريخ الحياة الثقافية في أمريكا ، ترجمة د. أحمد العناني ،

         مركز الكتب الأردني سنة 1990 ص 90 .

 

 

المصادر:

(1)   أنطونيو غرامتشي ، بعض أبعاد المسألة الجنوبية ص (461 )

(2)   كتاب "موجز تاريخ علم اللغة في الغرب" المؤلف :  R.H Robins

       دار النشر : London and New York Longman

(3)   قاموس الـ Anthropology  ( علم الإنسان ) تأليف د. شاكر سليم مصطفى

      الطبعة الأولى سنة 1981 ص (801-802) .

(4)   Zigmond Bauman

       المصدر : Modernity and Holocaust

                                    Cambridge , 1991 , P.65                   

        الترجمة للباحث

(5)    كتاب تاريخ الحياة الثقافية في أمريكا – لويس بيري/ترجمة أحمد العناني

          مركز الكتاب الأردني 1990 ص (285) .

(6)    الثقافة والإمبريالية / إدوارد سعيد . دار الآداب – بيروت 1993 ص( 58 )

(7)    نفس المصدر السابق ص( 58 )

(8)    Frank Snowden , Blacks in Antiquity, Cambridge Mass

        1970 , P –P.182-183

(9)    إدوارد سعيد : الثقافة والإمبريالية ص( 59 ).

(10)   لويس بيري : تاريخ الحياة الثقافية في أميركا ص (31) .

(11)   ريجيس دوبريه ، زائر الفجر: كريستوفر كولومبوس ... مكتشف أم قرصان

        ترجمة ليلى غانم ، الدار الجماهيرية للنشر ، ليبيا 1994 ص (60)

(12)   تاريخ المسرح : تأليف : باند ولفي ، فيتو/ منشورات وزارة الثقافة السورية

        سنة 1984 / ترجمة إلياس زحلاوي ص (56) .

(13)   إدوارد سعيد : الثقافة والإمبريالية ص (75) .

(14)   د. حسن حنفي كتاب " ما العولمة " دار الفكر المعاصر ، بيروت 1999 ص(21)

(15)   دراسة دوبوا وفانون والحياة المستحيلة للمثقف الأسود ، بقلم روس بوزنوك

        ترجمة شوقي جلال / مجلة الثقافة العالمية/العدد 86 يناير-فبراير1998 ص(94)

(16)   لويس بيري: تاريخ الحياة الثقافية في أمريكا ، ترجمة أحمد العناني ص (33)

(17)   قاموس المصطلحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ص (40) .

(18)   إدوارد سعيد : الثقافة والإمبريالية ، دار الآداب ، بيروت 1997 ص (80)

(19)   نفس المصدر السابق .

(20)   د.عبد الله إبراهيم ، المركزية الغربية – إشكالية التكون والتمركز حول

        الذات ، المركز الثقافي الغربي 1997 الدار البيضاء ، ص (104) .

(21)   نفس المصدر السابق .

(22)   إدوارد سعيد/ الثقافة والإمبريالية ص 87

(23)   فرانس فانون ، المعذبون في الأرض ص 96 .

(24)   لويس بيري : كتاب تاريخ الحياة الثقافية في أمريكا ص 382

(25)   هاني الراهب / الشخصية الصهيونية في الرواية الإنجليزية/ المؤسسة العربية

         للدراسات والنشر سنة 1979 ص (7)

(26)   كارل ماركس / في المسألة اليهودية ص 54

(27)   غسان كنفاني / في الأدب الصهيوني ، ص 67

(28)   إدوارد سعيد ، الثقافة والإمبريالية ص 169

(29)   غسان كنفاني / في الأدب الصهيوني / ص 93 ، 94

(30)   إدوارد سعيد ، الثقافة والإمبريالية ص 172

(31)   إدوارد سعيد ، الثقافة والإمبريالية ص 360

(32)   غسان كنفاني ، في الأدب الصهيوني ص 104 .

(33)   إدوارد سعيد ، الثقافة والإمبريالية ص 248

(34)   غسان كنفاني ، في الأدب الصهيوني ص 105

(35)   غسان كنفاني / في الأدب الصهيوني ص 105

(36)   مجلة الكرمل / العدد 50 ، شتاء 1997 في مقابلة أجراها معه حسن خضر  

        سكرتير تحرير مجلة الكرمل .