الإطار
والأصول الفكرية للإرهاب الصهيوني
الإرهاب
في العقيدة الصهيونية
يعتبر
ثيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية
من دعاة الإرهاب الصهيوني، فقد شكل
فريقاً من الإرهابيين ووزعهم في
البداية على روسيا والدول الأوروبية
من أجل الانتقام من الدول الأوروبية
التي أخذت في اضطهاد اليهود .
وكان
هرتزل قد ألقى في المؤتمر الصهيوني
الأول مجموعة محاضرات لتعبئة الشعب
اليهودي بالحقد على العالم، وجرى
التكتم على تلك المحاضرات إلى أن نشرت
مقاطع منها مجلة "فرنسا القديمة"
ثم جمعتها في كتاب بعنوان "المؤامرة
اليهودية" وكان أبرزها في تلك
المحاضرات هو وضع المخططات للسيطرة
على العالم عن طريق الوسائل
الإرهابية التي نشاهد تطبيقها على
أرض فلسطين منذ أو وطأت قدم أول يهودي
في مطلع القرن حتى اليوم .
ومن
بين ما نشرته مجلة "فرنسا القديمة"
عن الإرهاب التي نقلتها حرفياً من
محاضرات ثيودور هرتزل قوله: ((وعندما
تخمد نيران الثورة التي أضرمناها
معاً في سائر البلدان وحالما يعلن
رسمياً سقوط الحكومات القائمة نحكم
بالإعدام على كل جمعية سرية لنضمن
نفوذ ما في الدولة الجديدة)) (1) .
وفي
محاضرة أخرى يقوم بتحديد معنى
الإرهاب وتطبيقاته عندما يقول ((لقد
حكم على الجميع أن يموتوا، ولذلك خير
لنا أن نعجل في موت أولئك الذين
يتدخلون في شؤوننا من أن نرى أبناءنا
أو من أن نرى أنفسنا نموت، ونحن الذين
أوجدنا هذه الأنظمة)) .
ويواصل
هرتزل في الحديث عن السيطرة على
الآخرين فيقول ((ومتى أصبحنا أسياد
الناس لا ندع في الوجود سوى ديانتنا
التي تنادي بالإله الواحد الذي يتعلق
به مصيرنا، لأننا نحن شعب الله
المختار ولأن مصيرنا يقرر مصير
العالم ولذلك وجب علينا أن نلاشي سائر
الأديان إلى أن نتوصل إلى السيادة على
سائر الشعوب)) .
ولعل
من أبرز ما جاء في محاضرات هرتزل
السرية خططته لتهويد الحكام حتى
يكونوا عملاء لليهود عندما يقول ((حينئذ
يكون عملاء جميع البلدان يهوداً أو من
صنائع اليهود، وهنا يبدأ العهد
اليهودي العالمي ويبقى كل تنظيم وكل
تدبير في أيدي اليهود دون غيرهم،
ويكون الخوارج ومأموري تنفيذ ليس
إلا)).
وجاء
بعد هرتزل تروتسكي الذي كان يقاوم
عمليات اضطهاد اليهود في روسيا
القيصرية بارتكاب مختلف أنواع العنف،
إلى أن استطاع أن ينضم إلى قيادة
الثورة التي كان يقودها لينين. وكان
أول قراراتها هو اعتبار اللاسامية
واضطهاد اليهود جريمة لا تغتفر في
تنظيماتها حتى أنهم سيطروا على
قيادتها .
وإذا
كان هرتزل نظرياً أكثر منه عملياً أي
أنه كان يخطط للقتل ولم يكن يقوم
بتنفيذ عمليات القتل بيديه إلا أن
تروتسكي كان يختلف عنه نهائياً إذ كان
يخطط وينفذ كل عمليات الإرهاب (2) .
فهو
صاحب نظرية ((إتلاف كل كهل وشيخ ومشوه
وعاجز لا يستطيع أن ينفع نفسه بنفسه
كما تتلف جميع الحشرات أو الحيوانات
الضارة، والتحرر الكلي من المادية))،
وهي النظرية التي يؤكدون بأنها كانت
أساس النظرية النازية التي استعان
بها هتلر في أفكار اليهودي الصهيوني
تروتسكي، وانتهت بأن أصبحت جزءاً من
العمليات الإجرامية النازية التي كان
أول تطبيق وتنفيذ عملي لتفاصيلها في
الشعب اليهودي .
أما
النظرية الإرهابية التي تعتبر أكبر
بشاعة والتي قام تروتسكي بتنفيذها
على مسؤوليته ثم حاول انتزاع قرار
بتطبيقها من القيادة الشيوعية، وهي
التي تؤكد على ضرورة ((تطهير المجتمع
الإنساني بإبادة أكبر عدد ممكن من
الجنس البشري ليعيش ما تبقى منه
برفاهية ورخاء)) (3) .
وكان
أبرز من انضم حول قيادة تروتسكي
مجموعة من الإرهابيين الذين أصبح لهم
مناصب مهمة في الحركة الصهيونية،
ولعل من أشهرهم مناحيم بيغن واسحق
شامير .
العنف
في العقيدة والفكر الصهيوني:
أما
الأصول الدينية للعنف والإرهاب فيوضح
ذلك ما جاء في التوراة ((حين نقترب من
مدينة لكي تحاربها فاعرض عليها
الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك
فكل الشعوب الموجودة فيها تكون لك
للتسخير وتستعبد لك، وإن لم تسالمك
وعملت معك حرباً فلتحاصرها، وإذا
دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع
ذكورها بحد السيف، أما النساء
والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة
كل غنيمتها لنفسك وتأكل عتمة أعدائك
التي أعطاك الرب إلهك، وهكذا تفعل
جميع المدن البعيدة منك جداً، التي
ليست من مدن هؤلاء إلا من ها هنا، وإلى
مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب
إلهك فلا تستبق منها نسمة واحدة)) (4) .
وهكذا
استلهم اليهود من التوراة سياستهم في
البطش والعنف، وليس تدميرهم لأريحا
في قديم الزمان وقضائهم على جميع
سكانها وحتى البهائم، وما دير ياسين
القرية العربية التي دمرها اليهود في
1948، وذبحوا جميع سكانها من نساء
وأطفال وشيوخ إلا شواهد على البربرية
الصهيونية، التي تستمد من التوراة
أفكارها الرئيسية، وتستوحيها في
منطلقاتها السياسية والعملية في
الحياة .
والتوراة
تزخر بالآيات التي تحض على هذا
السلوك، إذ تأمر باستعمال أقصى
درجات العنف مع العدو وتسوق الكثير من
أساليب العنف الوحشية كضرب المدن
بالسيف والعقاب الجماعي والإبادة
التامة ((ويلزم أن تنحدر الأساليب
الوحشية إلى الدرك الأسفل من
البهيمية فتنادي بأن تحطم أطفالهم
أما عيونهم، وتنهب بيوتهم وتفضح
نساءهم، لا يرحمون ثمرة بطن ولا تشفق
عيونهم على الأولاد)) (5) .
ولعل
الذي حدث وما زال يحدث للفلسطينيين
أكبر دليل على استمرار تلك السياسة .
ويتحمل
الفكر الصهيوني المعاصر مسؤولية
أدبية كبيرة بموقفه السلبي وغير
الموضوعي إزاء حملات إبادة الجنس
التي ترتكبها السلطات الإسرائيلية ضد
الأقلية العربية، هذه السياسة التي
تتنافى مع أبسط الحقوق والقيم
الإنسانية التي تعارف عليها المجتمع
الدولي، الذي أقر أن ((لكل إنسان الحق
الطبيعي في الحياة)).
وهناك
أمثلة كثيرة على إبادة الجنس التي
يتعرض لها الفلسطينيون كمذابح قبية،
ودير ياسين وكفر قاسم، وتلجأ
الصهيونية إلى هذا الأسلوب للحد من
معدل المواليد المرتفع بين السكان
العرب، والذي يهدد الطابع اليهودي
للدولة الذي تحرص عليه الصهيونية
تمهيداً للأخذ في المستقبل بمبدأ
الفصل التام بين الجماعتين (6) .
يقول
هرتزل ((فليمنحونا حق السيادة على
قطعة من الأرض في هذه المعمورة تكفي
لإشباع الحاجات المشروعة لأمة من
الأمم، أما الباقي فسنتكفل به
بأنفسنا)) (7) .
وتعتبر
فكرة الصراع عند اليهود فكرة بدائية
تحتوي على الكثير من رواسب حياة الصيد
والقنص وأخطار المعيشة في البادية،
فهناك كل غريب يعتبر عدداً يجب قتله
أو أسره وتسخيره على الأقل، يستوي في
ذلك الحيوان والإنسان .
وفي
حكايات الكتاب المقدس اليهودي ما لا
يحصى من أمثلة هذا الصراع، مثلاً يقرأ
أن يوشع بن نون أراد – بعد موت موسى –
أن يدخل بقومه إلى فلسطين، فعسكر حول
مدينة أريحا وأمر بالنفخ في الأبواق،
((ولما سمع الشعب صوت البوق، هتف الشعب
هتافاً عظيماً، فقط السود في مكانه،
وصعد الشعب إلى المدينة كل امرئ
لوجهته، وأخذوا المدينة، وأبادوا كل
ما في المدينة من رجل وامرأة، وطفل
وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير، بحد
السيف)) (يوشع 21:20:6) .
وتستقر
على مر الزمن فكر الصراع في قلوب
اليهود، ويتطور في نفسية اصطبغت
بالتعصب العنصري والانعزال
الاجتماعي (8) .
ونلاحظ
في التراث اليهودي القديم فناً من
فنون الأدب الديني، يطلق عليه
اصطلاحاً (الأسكاتولوجيا) ومعناه
الحرفي (وصف النهاية) التي تصور حتمية
معينة ينتهي بها هذا العالم، وفي كل
الكتابات اليهودية حول هذا الصراع
نلاحظ اقتران فكرة الصراع بهذه
النهاية الحتمية، ونجد أن المنتصر
الأخير في هذا الصراع هو حتماً
وبطبيعة الحال إسرائيل .
فنجد
أكثر سفر النبي حزقيال من قبيل هذه
الرؤى الحتمية، تشب فيها حروب، تبدأ
بتطهير المجتمع اليهودي نفسه من
الدنس، وهو تطهير يتم بالحرب والحصار
والموت، ويسلط فيه الله غضبه على
أورشليم وساكنيها ((ثلث يموت بالوباء
والجوع يهلكون في وسط المدينة، وثلث
يسقط بالسيف من حولها، وثلث يذريه
الرب في كل ريح، ويرفع من ورائهم
سيفاً مسلولاً)) انظر حزقيال –
الإصحاح الخامس – وبعد هذا التطهير
يكون الشعب المختار – أو من بقي منه –
قد أصبح جديراً بخوض المعركة
النهائية التي ينتصر فيها على العالم
ويخضع لإرادته (9) .
الحقد
والكراهية
إن
من أخطر ما جاء في الأيديولوجية
اليهودية التلمودية الدعوة إلى هدم
الأسرة والأخلاق والدين، دعوة
تلمودية صهيونية، والدعوة إلى
الإباحية من صميم ما خططت له
بروتوكولات حكماء صهيون لفرض السيطرة
على العالم، باستخدام كل الوسائل
وإشاعة الأدب المريض .
يقول
البروتوكول 13 ((سننشر بين الشعوب
أدباً مريضاً قذراً تغثى له النفوس،
ويساعد على هدم الأسرة، وتدمير جميع
المقومات الأخلاقية للمجتمعات
المعادية لنا، وسنستمر في الترويج
لهذا الأدب، وتشجيعه حتى بعد فترة
قصيرة من الاعتراف بحكمنا)).
من
هذا الأدب المريض تنطلق الدعوة إلى
الإباحية المطلقة لهدم الأسرة وتدمير
الأخلاق في المجتمع، ولا ريب أن هدم
الأسرة وتدمير أخلاق المجتمع هما
سبيل القضاء على مناعة الأمة
المقاومة، وقدرة الدولة على رد
التحدي. إنهم يجدون في هذا التهديم
الاجتماعي قوة فاعلة أكثر من التهديم
الأيديولوجي الذي يروجون له في
الحركات الفلسفية والاقتصادية
والعلمية التي يطلقونها بتوقيت معين
(10) .
ويصور
وليم جاي كارفي كتابه ((أحجار على رقعة
الشطرنج)) الدور الخطير الذي قام به
اليهود في تخريب العالم، فيقول أن
المخطط هو تدمير جميع حكومات وأديان
العالم، ويتم الوصول إلى هنا عن طريق
تقسيم الجوييم (غير اليهود) إلى
معسكرات متنابذة تتصارع إلى الأبد
حول عدد من المشاكل التي تتولد دونما
توقف، مشاكل اقتصادية وسياسية
وعنصرية واجتماعية، ويجري تدبير حادث
في كل مرة يكون من شأنه أن ينقض هذه
المعسكرات بعضها بعضاً فيحطمون
الحكومات الوطنية والمؤسسات
والقواعد الدينية .
وللوصول
إلى الهدف أشار المؤلف إلى استعمال
الرشوة والمال والجنس للوصول إلى
السيطرة على الأشخاص الذين يشغلون
المراكز الحساسة في مختلف المستويات،
في جميع الحكومات، وفي مختلف مجالات
النشاط الإنساني، ويعد السيطرة على
الصحافة وأجهزة الإعلام هدف أساسي في
تنفيذ هذا المخطط، بحيث ينتهي الأمر
بهم إلى حملهم إلى الاعتقاد بأن تكون
حكومة أممية واحدة هو الطريق لحل
مشاكل العالم المختلفة (11) .
تحقيق
الغاية القومية وتخليص الذات
اليهودية
الدوافع
النفسية
هناك
قول مأثور ردده التلمود هو ((كما أن
العالم لا يمكن أن يعيش بلا هواء فإنه
لا يمكن أن يعيش بدون إسرائيل)) (12) .
ومن
خلال هذا القول يمكن أن نستنتج النزعة
العنصرية التي تجعل الإسرائيلي يشعر
أنه من جوهر غير طينة البشر جميعاً،
وأن هذا الجوهر مفرد بأسرار ومواهب لا
توجد في غيره، وأن الإسرائيلي قد خلق
كذلك بتدبير سماوي، لأن الدنيا التي
أبدعها الله سبحانه وتعالى ما كان
يمكن أن يستقيم أمرها من غير اليهود .
فنرى
كيف يتحول الإحساس بالقلة والذلة إلى
صورة لا مثيل لها من الغرور وجنون
العظمة والصلف والكبرياء، التي تجعل
عودة تلك الفئة من الناس إلى إطار
المجتمع الإنساني السليم أمراً
مستعصياً، يحتاج إلى إصلاح عميق
وعلاج طويل (13) .
ويكثر
اليهود في صفات المدح والتعظيم على
أنفسهم، منها عبارات شعب الله
المختار، الشعب الأزلي، الشعب
الأبدي، كذلك فهم "شعب مقدس" لا
يقف أمر قداسته عند طاعة الله
وعبادته، بل يتعدى ذلك إلى إهدار دم
الأمم الأخرى، واستباحة أموالها
وأعراضها وأوطانها، ((لا تقطع لهم
عهداً، ولا تشفق عليهم، ولا تصاهرهم،
ولا تعطي بنتك لابنه، ولا تأخذ بنته
لابنك، لأنه يرد ابنك عني، فيعبد آلهة
أخرى، فيحمي غضب الرب عليكم، ويهلككم
سريعاً، ولكن هكذا تفعلون بهم: تهدمون
مذابحهم، وتحطمون أنصابهم، وتقطعون
سواريهم، وتحرقون أصنامهم بالنار،
لأنك أنت شعب مقدس للرب إلهك، إياك
اصطفى الرب إلهك لتكون له شعباً أخص
من جميع الشعوب التي على وجه الأرض،
ليس من سجونكم أكثر عدداً من سائر
الشعوب التحم الرب بكم، بل هو اختاركم
لأنكم أقل من سائر الشعوب، من محبة
الرب بكم، وحفظه القسم الذي أقسم
لآبائكم))(الثنية 2:7 –8) (14).
ونشير
بإيجاز إلى تأثير هذه العقد والأوهام
على الكتابات الصهيونية المعاصرة،
يقول مائير بار أيلان – الزعيم
السابق لمنظمة مزراحي وصاحب فكرة
الصراع الثقافي بين الدين والعلمانية
في إسرائيل – ((إن شعبنا وعقيدتنا
الدينية يختلفان تماماً عن كل الشعوب
والأديان الأخرى، حتى أكثر المسيحيين
أو المسلمين تديناً لا يستطيع أن يجد
في تعاليم دينه نبراساً يهديه في
حياته السياسية)) .
ويستخدم
فلاديمير يابوتنسكي نفس الطريقة في
الإشارة إلى اليهود بصفتهم أكثر
الشعوب خصوصية في العالم، ويفرق بن
غوريون بين كل الثورات الأخرى ضد نظم
سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية ((فإن
ثورتنا ليست موجهة فقط ضد نظام وإنما
ضد القدر، ضد القدر الغريب لشعب نريد))
(15) .
الشتات
والاضطهاد :
مما
لا شك فيه أن اليهود ذاقوا مرارة
الاضطهاد كثيراً وفي عصور متعددة من
تاريخهم، وهناك ذكريات في التاريخ
اليهودي حولها اليهود إلى غذاء
لنيران الحقد والاضطهاد، منها ما سمي
عندهم (الشتات) أو (دياسبورا)، وهي
كلمة يونانية أخذها العبريون إلى
لغتهم، وأدخلوها في اللغات الأوروبية
أيضاً، ومعناها الأصلي التفرق في
الأرض، والذهاب فيها أشتاتاً (16) .
والشتات
ظاهرة كثيرة الوقوع في تاريخ اليهود،
حتى قبل ظهور هذه الكلمة، والحقيقة أن
اليهود قد تصوروا وضعاً طبيعياً
لكيانهم كان في جوهره منافياً
للطبيعة، وبنوا على هذا التصور كل
شعورهم بالاضطهاد، فكم من قوم يتبعون
ديناً واحداً وليسوا من أصل واحد ولا
يطالبون بوطن واحد (17) .
وقد
بدأت الدياسبورا بالمعنى الاصطلاحي
لأول مرة في التاريخ الأكيد المدعم
بالوثائق في سنة 70 ميلادية، حيث ضاق
الرومان ذرعاً بشغب اليهود
وتآمرهم وتمردهم، فوجه إليهم
الإمبراطور فسبازيان في الإسكندرية
جيشاً كبيراً يقوده ابنه تيوس، وبعد
قتال مرير استطاع الرومان تدمير هذا
الوجود اليهودي الضئيل، وبدأ تفوق
اليهود لا في عالم السامين في الشرق
الأوسط فحسب، بل في الجانب الأوروبي
من البحر الأبيض حيث أمكنهم المقام في
العالم الغربي ومنذ الشتات الأول
بدأت الاستراتيجية الإسرائيلية، حيث
بدأت آمال اليهود وأحلامهم بالعودة
إلى أرض الميعاد – فلسطين، ولكن هذه
الآمال والأحلام ظلت مجرد آمال ومجرد
أحلام، وظلت فكرة العودة في نفوس
اليهود تنمو وتكبر كلما لاقى اليهود
من احتقار المجتمعات التي عاشوا
فيها، وما أكثر ما عاناه اليهود من
اضطهاد الشعوب لهم واحتقارهم لشأنهم،
وما ذلك إلى سبب انطوائهم وتعصبهم
وجشعهم، وعدم ولائهم للشعوب التي
عاشوا بين ظهرانيها (18) .
كان
موقف العداوة الذي وقفه اليهود من
جميع أمم العالم مع ضعفهم وقلة عددهم
سبباً في شعورهم الدائم بالخوف،
كانوا يخافون من العزلة التي فرضوها
على أنفسهم، كما كانوا يخافون من
الاندماج، ويرون فيه تهديداً بضياع
كل تراثهم (19) .
فقد
كانت الجالية اليهودية بعد الشتات
تتكتل وتعيش في عزلة عن البشر الذين
يحيطون بها، وكانت دائماً لها
تنظيماً اجتماعياً لا تعلم عنه
الدولة شيئاً تسميه بتحريف آرامي
تلمودي (قهلا قديشا) أي الجالية
المقدسة، وهدفها من ذلك أن تحمي نفسها
من الاندماج في المجتمعات الأخرى.
إن
هذه العقدة المرضية في شخصية إسرائيل
أساسها الشعور بالبناء الهش المتهافت
الذي لا يستطيع الثبات أمام الحضارات
الشامخة التي تبنيها الأمم الأخرى (20)
.
(4)
الروح العسكرية
التاريخ
اليهودي القديم منهل الفكر العسكري
المعاصر
إن
التاريخ الإسرائيلي القديم كان بشكل
رئيسي تاريخ عسكري، فجنود موسى
ويهودا وداوود لم يتوقف القتال حتى
فيما بينهم – حسب ما جاء في التوراة –
فلم يكونوا متساهلين حتى مع أعدائهم
المهزومين، ويهودا إله إسرائيل
كان أيضاً إله الجيوش اليهودية الذين
قاتلوا ضد الآشوريين والبابليين
والمصريين والفارسيين واليونانيين
والرومان .
وفي
ذلك يقول بن غوريون : ((.. إن كل تاريخ
إسرائيل القيم يرويه لنا الكتاب
المقدس إن هو بالدرجة الأولى إلا
تاريخ إسرائيل العسكري لقد حارب
اليهود الأوائل الآشوريين البابليين
والمصريين والعموريين والفرس
والإغريق والرومان، وحين هزموا على
يد فيالق تيتوس بعد معركة يائسة آثروا
أن يقتلوا أنفسهم في مسعدة رمزاً
لإرادتها، فاليوم يقسم المجندون يمين
الولاء فوق قلعة مسعدة وهم يرددون لن
تسقط مسعدة مرة أخرى" .
وترسيخاً
لهذا الفكر العسكري بذل المؤرخون
العسكريون الإسرائيليون عناية جهدهم
لإخراج ما أسموه بالتاريخ العسكري
اليهودي، وذهبوا يربطون بين معارك
العبرانيين في الماضي السحيق وحروب
دولة إسرائيل في الزمن الحديث
ليقنعوا أنفسهم قبل غيرهم بأنهم
أصحاب مهمة إلهية (21) وحيث استلزم
تثبيت هذه المفاهيم في وجدان
المواطن وخلق رباط تاريخي متين في
ماضي العبرانيين السحيق وحاضر
الصهيونيين الماضي أمسى ضرورياً
مداومة التأكيد على أن هذا الحاضر إن
هو إلا امتداد للماضي، وأن الحروب
حتمية تاريخية لا محيد عنها لإنجاز
الرسالة اليهودية .
وهكذا
عقدوا المقارنات بين فرسان داوود
وسليمان وبين دبابات إسرائيل
الحديثة، وأقاموا الندوات لبحث أوجه
الشبه والخلاف بين الأساليب القديمة
والتكتيكات المعاصرة، اقتناعاً منهم
بالآتي: إنه طالما ينمو العمل
الصهيوني نحو التوسع فلا مناص أن
يعتنق أنماط الاستراتيجية التعرضية
بأشكالها المباشرة وغير المباشرة
وبكل ما يستتبعه ذلك من ضرورات ترسيخ
عقائد ومفاهيم دينية تلائمه يكون
قوامها الحق اليهودي في الاستيلاء
على أرض الميعاد حتى يؤمن الجنود
بشرعية خوض الحرب العدوانية عن قناعة
ورضا نفس، وتتوفر لهم حوافز ممارسة
النضال العنيف إطاعة لوصايا رب
الجنود وتنفيذاً للوعد الإلهي، ولما
كانت تعبئة جيش ضخم تتطلب تحويل مجتمع
إسرائيل برمته إلى شعب مسلح أصبح
لزاماً أن تحاط بهالة من القدسية حتى
يصير شرف الانخراط في سلك الجندية
أملاً يتمناه الكافة، وامتيازاً
ينفرد به الصفوة .
ولتحقيق
ذلك لا تنتهي المؤسسة العسكرية
الإسرائيلية عن بذل غاية الجهد
لترسيخ تعاليم الديانة اليهودية التي
تحض على القتال وتحث على تعبئة
الموارد والإعداد للحرب كما تعمل بلا
ملل على نشر الوصايا الدينية
العسكرية لتصبح جزءاً من حياة الجنود
وزادهم اليومي، ثقة منهم بأن ذلك هو
السبيل الأمثل نحو خلق الشخصية
العسكرية المقاتلة المتمتعة بصفات
المبادأة والتعرض المشحونة بروح
الهجوم والرغبة في القتال .
وهكذا
يلقن الجيش الإسرائيلي رجاله دروس
التاريخ العسكري لليهود جنباً إلى
جنب مع الدروس الحربية المستقاة من
التاريخ العسكري العالمي، القديم
والحديث، وتنظر إسرائيل إلى تاريخها
في القرن العشرين على أنه امتداد
للتاريخ السابق، ويرى المفكرون
العسكريون الإسرائيليون أن دراسة
معارك تلك الغزوات قد تفيد إفادة
مباشرة في تلقي الدروس والنتائج
المستفادة الملائمة للحرب الحديثة (22)
.
وخلاص
القول أن الديانة اليهودية تمثل
إطاراً عاماً للنظرية الصهيونية،
فالتوراة مصدر العقيدة اليهودية،
منها نبعت فكرة "الخلاص والعودة"،
وعلى هديها رسم اليهود حياتهم ورتبوا
معاملاتهم .
الأصول
الدينية والأيدلوجية للفكر العسكري
الإسرائيلي
عملت
الحركة الصهيونية على تحويل العقيدة
الدينية اليهودية إلى نظرية سياسية
تطالب بحق تاريخي، وتستند إلى وعد
إلهي، ولهذا كان الدين اليهودي هو
الأساس الذي ارتكزت عليه النظرية
السياسية الصهيونية، والذي اتخذه
دعاتها للمناداة بالقومية اليهودية
وسنداً للمطالبة بتحقيق الوعد
الإلهي، وصكاً لملكية أرض فلسطين وحق
العودة إليها لبناء الدولة الحديثة
والمعبد الثالث في أورشليم، وتزعم
الصهيونية أنه مثلما حفظ الدين
اليهودي الشعب من الاندثار والضياع
عبر قرون طويلة، يستطيع الدين في
الحاضر أن يعيد شمله فوق أرض الميعاد،
وأن يشكل العروة الوثقى التي تربط بين
تراث الماضي السحيق وتطلعات الحاضر
وأمنيات المستقبل، ثم لا تكتفي
الصهيونية بما اقتطعتها التوراة من
أراضي فلسطين، فتلك وصية الرب ووعد
الإلهي لشعبه المختار . . ((كل موضع
تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيه كلما
كلمت موسى)).
وفي
نفس المعنى قال بن غوريون :((هنا تكون
الحدود حيث يصل الزحف الإسرائيلي إن
ما حدده الرب هو أفضل ضمان لإسرائيل،
أما الضمانات التي أعطتها لنا الدول
الثلاث فليس لها مثيل هذا الوضع أو
تلك الثقة)) (23).
التوراة
المصدر الرئيسي للفكر العسكري
الإسرائيلي
ويستمد
الفكر العسكري جذوره من العقيدة
الصهيونية، فاستخدام القوة والقتل
والإرهاب والعنف هو أساس هذه
العقيدة، وقد جاء في التوراة ((إذا لم
تطردوا سكان الأرض من أمامكم يكون
الذين يستبقون، فهم أشواكاً في
أعينكم ومناخس في جوانبكم،
ويضايقونكم على الأرض التي أنتم
ساكنون فيها.
ويحاول
المؤرخون الإسرائيليون والقادة
الصهاينة استقراء التجارب الحربية من
نصوص التوراة من أجل غرس روح القتال
في نفوس الجنود اليهود، وبيان قدرة
إسرائيل في الماضي والحاضر والمستقبل
على شن الحملات الناجحة وفق تخطيط
دقيق وفكر أصيل متطور .
ويؤكدوا
باستمرار على أن ضخامة الجيش وكثرته
ليست هي العامل الأول في إحراز
النجاح، بل أن الروح الهجومية
العالية والقدرة على تحقيق المفاجأة
من حيث وقت ومكان وأسلوب شن الهجوم هي
العامل الأساسي في تحقيق النصر
الحاسم .
ويعزز
موشي دايان هذه الآراء فيكتب قبل حرب
1967 مقالاً عن روح المحارب يسوق فيه
قصة المبارزة الصغيرة بين داوود
وجالوت ليظهر بعض أوجه الشبه بينهما
وبين الموقف الذي كان سائداً بين
العرب وإسرائيل في 1967 بالنسبة
لاختلال ميزان القوى بين الطرفين
المتصارعين، ويسهم دايان في سرده
لأحداث تلك المبارزة القديمة بإظهار
جانب المقارنة بين خفة الحركة وبين
البطء والجمود لتبيان قيمة المرونة
المادية والفكرية في تحقيق النصر (24) .
ويطبق
الجيش الإسرائيلي عدداً من مبادئ
الحرب الأساسية والتي هي مستوحاة في
معظمها من التوراة منها: (25)
المفاجأة:
أظهرت
التجارب أن الجانب الذي يفاجئ خصمه في
القتال يحصل على أحد عوامل التفوق
والنجاح، لذا فإننا نجد أن مبدأ
المفاجأة يحتل مقاماً جد هام في مبادئ
الحرب العسكري الإسرائيلية، وهي بحد
ذاتها وسيلة من الوسائل للحصول على
التفوق وتعويض النقص والضعف في نقاط
أخرى .
المبادأة:
وتهدف
الاستراتيجية الإسرائيلية من وراء
تمسكها بمبدأ المبادأة إلى تقوية
معنويات الجيش ورفع مستوى الروح
الهجومية العدوانية لديه إلى أعلى حد
ممكن، ويؤكد ذلك بن غوريون بقوله ((إن
أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم)).
الردع
والهجوم المسبق في الاستراتيجية
الإسرائيلية:
تقوم
الاستراتيجية الإسرائيلية على القوة
وفرض الإرادة ورفض التسوية، وبالتالي
فهي استراتيجية متشددة أو صلبة، وهذه
السياسة قائمة على أساس الاعتقاد بأن
المطمح الأول والأخير لعدو ما هو
العمل على تحطيمها، وأن ما يحول
بين العدو وبين تحقيق هذا المطمح هو
إدراكه مناعتها التي لا تقهر من جهة،
وإدراكه ضعفه وتعرضه لخطرها من جهة
ثانية .
الهوامش
-
عرفات
حجازي، الإرهاب في العقيدة
الصهيونية، صحيفة الدستور (عمان)، 21
أغسطس/ آب 1997، ص 14 .
-
المصدر
السابق .
-
المصدر
السابق.
-
د.غازي
ربابعة، الإستراتيجية الإسرائيلية
للفترة 1948-1967، مكتبة المنار (عمان)ن
1983، ص 84، نقلاً عن العهد القديم،
سفر التثنية، 20، 10، 14/16.
-
المصدر
السابق، ص 21-22 .
-
د.محمد
محمود ربيع، أزمة الفكر الصهيوني
المعاصر، المؤسسة العربية
للدارسات والنشر (بيروت)، 1979، ص 149-150
.
-
المصدر
السابق، ص 157 .
-
د.
حسن ظاظا،الشخصية الإسرائيلية،
دار القلم (دمشق)، 1990، ص 41-42 .
-
المصدر
السابق، ص 44 – 45 .
-
أنور
الجندي، المخططات التلمودية
اليهودية الصهيونية، دار الاعتصام
(القاهرة) ، 1977، ص 171 .
-
المصدر
السابق، ص 218 .
-
د.
حسن ظاظا، مصدر سابق، ص 9، نقلاً عن
التلمود البابلي، عبودة زارة 10 آب،
1969 .
-
المصدر
السابق .
-
المصدر
السابق ، ص 0 – 5، (سفر الثنية 2:7-8) .
-
د.
محمد محمود ربيع، مصدر سابق ص 102 .
-
د
حسن ظاظا، مصدر سابق، ص 66 .
-
المصدر
السابق، ص 68 .
-
د.
غازي ربابعة، مصدر سابق، ص 231،
نقلاً عن :
-
Michael
Barzohar, The armed prophet: A Biography of Ben Gurion,
translated by Lenortzen, London: Arther Barker K p. 15 .
-
د.
حسن ظاظا، مصدر سابق ص 50 – 51 .
-
المصدر
السابق، ص 51 .
-
مركز
الدراسات السياسية، الاستراتيجية
العسكرية الصهيونية، مؤسسة
الأهرام، المجلد الثاني، القاهرة،
1974، ص 17 .
-
المصدر
السابق ، ص 16 .
-
د.
غازي ربابعة ،المصدر السابق .
-
المصدر
السابق.
-
المصدر
السابق، ص 91 – 94.
|