الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

 

محكمة للعدل ومحكمة للتجميل!

بقلم: محمد خالد الأزعر

صحيفة البيان الإماراتية 29/7/2004

 

الدبلوماسية الإسرائيلية منشغلة هذه الأيام بإلقاء الاتهامات وتوزيع الإدانات والتعبير عن السخط.. فما أن فرغت من تسفيه محكمة العدل الدولية ورمي قضاتها بالتحيز للفلسطينيين في قضية الجدار إياه، حتى كان عليها تجديد شحنة التبرم والغضب ضد الجمعية العامة للأمم المتحدة بسبب تصديقها ومباركتها لفتوى المحكمة.

 

في هذا الإطار، أكدت تل أبيب قطيعتها الكاملة مع ما يدور حولها في هذا العالم. لقد نسيت أن الهيئات التي تستنزل عليها اللعنات هي أعلى وأرقى من يمثل شعوب المعمورة ومن يسهر على القانون والعدالة على صعيد الحضارة الإنسانية برمتها. وفي ردود أفعالهم، أفصح المسئولون الإسرائيليون عن منظورهم الصهيوني الخاص جداً للعلاقة بين دولتهم وهذه الهيئات. فهم يتمنون لو أن العدالة الدولية اشتقت عن أو توافقت مع تصورات محكمة العدل الاسرائيلية العليا، ولو أن القانون الذي تستهدي به الجمعية العامة استند إلى الرؤية الإسرائيلية للأمن.. هذه الرؤية الاستثنائية التي تبيح لهم بناء جدران العزل العنصري والاستيطان في أحشاء أراضي الغير المحتلة!

 

أثناء مناظرة عبر برنامج لإذاعة الـ B.B.C بالعربية، احتج متحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية بأن فتوى المحكمة الدولية لم تتطرق إلى «الإرهاب الفلسطيني» وكان رد كاتب السطور أن المحكمة يمكنها أن تفعل ذلك في حالة واحدة فقط، هي أن تكون متحدثة بلسان وزارة خارجية "إسرائيل" وليس باسم القانون الدولي الذي يشرعن مقاومة الاحتلال!

 

والواقع أن نخبة الحكم والسياسة الإسرائيلية كادت تصدق مزاعمها حول الخلط بين الإرهاب والمقاومة. وقد صور لها وهم التفرد والاستعلاء العنصريين، أن كلمة الصهيونية وفلسفتها هي التي ينبغي أن تحظى بالأولوية إذا ما تعارضت هذه الكلمة والسياق القانوني والسياسي والأخلاقي للأمم المتحضرة.

 

نعثر على تجليات لهذا الوهم في كثير من المقولات الصهيونية حول مفاهيم الأمن والحدود الآمنة والعلاقات مع المحيط الإقليمي وحق الدفاع عن النفس والحرب الاستباقية.. الخ.. لكن أكثر هذه التجليات حضوراً في الوقت الحالي يتعلق بالمرجعية الإسرائيلية للتصرف بشأن قضية الجدار. فهذه المرجعية تستقي من أحكام محكمة العدل العليا في النظام القانوني والسياسي الإسرائيلي، لا من فتاوى واجتهادات محكمة العدل الدولية.

 

وهكذا يحيل المسئولون الإسرائيليون أي خطوة بشأن فكرة ومستقبل الجدار إلى المنظومة الحقوقية التي ابتدعوها بأنفسهم وليس الى ما توافقت عليه الشعوب والأمم الأخرى. نعرف مع كثيرين أن هذا الترتيب يعاكس القاعدة المستقرة في فقه العلاقة بين القوانين المحلية القومية والقانون الدولي. لكن "إسرائيل" لاتعبأ بذلك، لأن هذا الموقف ينبع عن رؤيتها هي لذاتها كدولة متميزة وعلاقاتها بالدول الأخرى.

 

ولذا لا يستشعر المسئولون الإسرائيليون أي تناقض مثير للسخرية عندما يقولون إن «دولتهم تخضع للقانون، والدليل هو خضوعها لقرارات محكمتها العليا»! هكذا بكل تبجح يود هؤلاء القوم إقناع الناس بأن الخصم يمكن أن يكون الحكم، والتمويه على الفارق بين محكمتهم التي استهدفت تجميل القفص الذي يجري حبس الفلسطينيين فيه، بضرورة جعله أكثر مراعاة لإنسانيتهم، وبين المحكمة الدولية التي أفتت بعدم مشروعية بناء القفص والاحتلال من الأساس. وبمناسبة آليات التمويه والتعمية، لا ندري أين كانت المحكمة العليا حارسة العدالة في "إسرائيل" خلال العامين السابقين، حين كانت الجرافات وورشة بناء الجدار (القفص) تعمل على مدار الساعة؟

 

على أن للتبجح فيما يبدو درجاته ومراتبه. فتصويت 14 قاضياً من 15 في المحكمة الدولية بعدم قانونية الجدار، لم يقنع "إسرائيل" بسخافة سياستها. وهي تذرعت بنظرية المؤامرة عندما تحدثت عن انحياز المحكمة للفلسطينيين (عدا القاضي الأميركي بالصدفة!). ومضت "إسرائيل" إلى التعليق بالقدر ذاته من السخافة على قرار الجمعية العامة، الصادر بأغلبية 150 دولة! لكن مندوبها لدى الأمم المتحدة وان جيلرمان بلغ أقصى مراتب الاستحماق ونكران الجميل، حين شكر الله على أن مصير دولته وشعبه لا يتقرر في الجمعية العامة. الغرور ونوازع التميز أنسيا جيلرمان مكرمة قرار الجمعية العامة بإنشاء دولته من الأصل قبل 57 عاماً، وأنسياه أيضاً فضل الأوروبيين من قبل ومن بعد، فراح يقرعهم واصفاً موقفهم بالمخجلة. حقا إن لم تستح فاصنع ما شئت.

 

تقول الخبرات التاريخية إن النظم الاستيطانية العنصرية لا تأمن إلا لنفسها، ولا تعتمد في التعامل مع الآخرين إلا بناء على فلسفتها الخاصة ومصفوفتها الفكرية والقانونية. (وهذا ما يفسر مثلاً سعي "إسرائيل" إلى امتلاك أسلحة الدمار الشامل منذ اليوم التالي لقيامها).

 

وعليه، فإن الإسرائيليين جادون تماماً حين يأنسون فقط لمنظومتهم العدلية الحقوقية التي تقف محكمتهم العليا على رأسها ونجتهد في خدمتها، وكي يجري تصحيح هذا الإعوجاج، لابد من تحول "إسرائيل" إلى دولة كسائر خلق الله من الدول.. وهذا أمل بعيد.

 

- كاتب فلسطيني