|
التوراة.. والانسحاب من غزة!
أ.د. مصطفى رجب
صحيفة الشرق
القطرية 16/3/2005
أصبح العرب
يسيرون بسرعة الصاروخ في تنفيذ إرادة شارون وتحقيق طموحاته السياسية
غير المحدودة، فحين قال: «لا» للاعتراف بأي سلطة للرئيس عرفات، سارع
الحكام العرب إلى تجاهل عرفات تماماً حتى في برقيات التهاني
الروتينية في الأعياد والمناسبات، وقد كادت تلك التهاني تصبح هي
الإنجاز العربي الرسمي الوحيد سنوياً! وحين أعلن شارون خطته للانسحاب
الأحادي الجانب من غزة، وضع الأنظمة العربية كافة في مأزق، لأن
الجميع يعرف أن ذلك إن تم فسوف يلحق أضراراً بالغة بالفلسطينيين،
ولذلك تمسحوا بربط ذلك الانسحاب بخريطة الطريق التي أقرها المجتمع
الدولي، مع ما فيها من إجحاف وقهر يتمثل في تجاهل قضايا جوهرية مثل
القدس والحدود والمياه واللاجئين، وقد مر عام وبعض عام على إعلان خطة
شارون التي أعلنها في الثاني من فبراير 2004 حين قال إنه يعتزم إخلاء
المستوطنات اليهودية في قطاع غزة رغبة منه في حل القضية الفلسطينية
كما قال!!! غير أن تلك الخطة تستثني:
1- قطاعاً
بعرض 20-16 كم في غور الأردن من النهر وحتى شارع آلون، يبقى تحت
السيطرة اليهودية.
2- قطاعا
بعرض 10 كم من صحراء الضفة تحت السيطرة اليهودية.
3- قطاعا
أضيق بطول 7.5 كم على طول الخط الأخضر.
وهذا يعني
-عملياً- تفتيت الفلسطينيين وتوزيعهم على عدة كيانات محاصرة بممرات
أمن يهودية مشددة، كما أنه يعني - وهذا هو الخطير - تفاقم الأزمات
داخل قطاع غزة.
إن قطاع غزة
لم يكن في أي يوم من الأيام جزءاً من دولة يهودية من فجر التاريخ،
فقد كان الفلسطينيون يسكنونه في الزمن القديم - مع بقية أرض فلسطين-
وحتى بعد دخول بني "إسرائيل" إلى مؤاب وعمون ومعكة وأورشليم وغيرها،
بقيت منطقة غزة واشقلون وأشدود وعجلون وصقلاغ وبئر سبع وغيرها مناطق
للفلسطينيين وذلك كذلك في عهد يشوع - الذي ملكهم بعد موسى عليه
السلام- ثم في عهد القضاة بعد يوشع، ثم في عهد الملك شاؤول ثم داود
عليه السلام وفي عهد داود خاصة كانت المنطقة من الساحل الفلسطيني
شمالي يافا إلى جنوبي غزة تابعة لمصر كما يذكر مصطفى الدباغ في كتابه
«بلادنا فلسطين» وظل الحال كذلك في عهد سليمان عليه السلام.
ومن هذا
المنطلق فإن شارون وغيره من متطرفي الصهيونية لا يرون في غزة أية
قيمة توراتية بعكس مناطق أخرى مثل القدس مثلاً وبعض مناطق الضفة،
والحال مشابه إلى درجة ما بالنسبة لمنطقة «أريحا» فهي ليست ذات قيمة
تاريخية أو دينية بالنسبة لليهود، لذلك كان اتفاق أوسلو الذي وقعوه
مع أبو مازن عام 1993 يسمى «اتفاق غزة- أريحا: أولاً» وستظل أولاً
هذه هي أولاً وثانياً وأخيراً، لأن ثانياً وثالثاً: معناها السير في
طريق التنازل عن أراض لها قيمة توراتية مما سيفجر الأوضاع داخل
"إسرائيل"، وسيجد أهل اليمين المتشدد، والمتطرفون من المتدينين،
الفرصة لتبرير الاغتيالات والعنف الذي يهدد المجتمع بعدم الاستقرار.
أما الانسحاب
من غزة- التي لا قيمة تاريخية أو توراتية لها- فسوف يحقق لإسرائيل
عدة أهداف أهمها:
1- التنصل من
خريطة الطريق التي ترتب حقوقاً على كل من اليهود والفلسطينيين، أما
الانسحاب الأحادي الجانب فلا يجعل "إسرائيل" ملتزمة بأية حقوق.
2- تغييب
المرجعيات الدولية المعتمدة فيما يخص القضية الفلسطينية وأهمها
قرارات الأمم المتحدة.
3- يرى شارون
-ويؤكد- أن الانسحاب من غزة سيؤدي إلى خلاف داخلي، فلسطيني-فلسطيني،
بين السلطة والفصائل في صراع حول تقاسم السلطة ونزع الأسلحة التي
ستصر عليه "إسرائيل" تحت زعم أنه أول بند في خريطة الطريق.
4- سيزداد
الوضع الاقتصادي الفلسطيني سوءاً، إذا تم منع الفلسطينيين من فتح
المطار، أو ميناء غزة وربط اقتصاد غزة بالاقتصاد المصري.
5- وسيزداد
هذا الأمر سوءاً إذا تم إغلاق الحدود بين قطاع غزة وبقية الأراضي
الفلسطينية حيث ستزداد معدلات الفقر والبطالة والانحراف ومن ثم سيحدث
خلل أمني يهدد الأمن الاجتماعي للفلسطينيين داخل القطاع.
وتبقى نقطة
جوهرية تتجاهلها التصريحات الرسمية العربية، ويتغافل عنها الإعلام
العربي - سهواً أو عمداً- وهي أن خطة شارون لا تتضمن انسحاباً كاملاً
من كل قطاع غزة، ولكن الخطة تستبقي ممرات وقطاعات معينة تحت السيطرة
اليهودية مما يجعلها في النهاية مجرد مناورة ولن يتحقق للرومانسيين
العرب الحالمين بإعلان دولة فلسطينية في قطاع غزة وما يحلمون به، لأن
شارون لن يستطيع الالتفاف على أيديولوجية حزبه «حزب الليكود» الذي
قرر في 13/5/2002 رفضه فكرة قيام دولتين على أرض فلسطين، إلا إذا
انطلق شارون من مبدأ أن قطاع غزة ليس أرضاً توراتية، ومن ثم فلا مانع
من قيام دولة فلسطينية به لأنه ليس جزءاً من «أرض الميعاد» المزعومة،
فبالله عليكم أيها السياسيون العرب الكبار من منكم قرأ العهد القديم
أو التلمود وفكر - أو حاول مرة أن يفكر - ما مدى صدقية المزاعم
الصهيونية المرتبطة بالوعد الإلهي؟!
|