|
الرؤية الصهيونية والجدار العازل
د. عبد الوهاب المسيري
صحيفة
الاتحاد الإماراتية 13/2/2004
يميل كثير من
وسائل الإعلام إلى تناول قضية الجدار العازل، الذي تواصل "إسرائيل"
تشييده على رغم كل الاعتراضات الدولية والمحلية، كما لو كانت مسألة
فريدة ليست لها جذور، وكأن "عملية السلام" (بما في ذلك آخر إفرازاتها
فيما يسمى "خريطة الطريق") كانت مستمرة وبشكل إيجابي إلى أن قررت
الدولة الصهيونية إنشاء هذا الجدار. وهذا الطرح يتجاهل أن الجدار
كامن داخل الرؤية الصهيونية الجيتوية. وقد صرح رعنان جيسين، المتحدث
باسم الدولة الصهيونية، بأن قرار الجمعية العامة بإحالة موضوع الجدار
الفاصل إلى محكمة العدل الدولية إنما هو محاولة لنزع الشرعية عن "حق
الشعب اليهودي في أن تكون له دوله يهودية يمكن الدفاع عنها". وهذا
التصريح يربط بشكل واضح وصريح بين الرؤية الصهيونية للواقع والجدار
العازل.
وتنطلق
الرؤية الصهيونية من التصور الأسطوري الخيالي بأن فلسطين "أرض بلا
شعب". وكان الهدف الصهيوني الأصلي هو إخلاء هذه الأرض من سكانها عن
طريق التهجير والطرد (الترانسفير)، ولكن بعد عام 1967، ومع اكتشاف
استحالة تنفيذ هذا المخطط نظراً لضخامة الكتلة السكانية الفلسطينية
التي ضمتها الدولة الصهيونية ونظراً لوعيها وتنظيمها، تم تعديل هذا
الجانب من الشعار الصهيوني بحيث أصبح "فلسطين أرض فيها شعب ليست له
حقوق في هذه الأرض، فوجوده عرضي هامشي بالقياس إلى حقوق الشعب
اليهودي المطلقة". ومع تعاظم المقاومة الفلسطينية أصبح الشعار هو
"فلسطين أرض فيها شعب لا نود أن نراه ولابد من محاصرته وتقييد حريته
وحركته".
يُضاف إلى
هذا أن الأيديولوجية الصهيونية تنكر الزمان، لأنها بذلك تنكر التاريخ
ومن ثم الوجود الفلسطيني. ونظراً لإنكار الزمان، فقد تزايد الإحساس
بالمكان بشكل مرضي في وجدان الصهيوني، وهو إحساس تعمق بسبب تراث
الجيتو والشك العميق في الأغيار، أي غير اليهود. وقد ارتبطت نظرية
الأمن الإسرائيلية تماماً بالمكان (الحواجز الطبيعية والصناعية)
والأشياء (الأسلحة) مع إسقاط عنصر التاريخ والإنسان.
وهكذا يمكن
القول إن فكرة الجدار العازل فكرة مترسِّخة في الوجدان الصهيوني. ففي
الأربعينيات، اقترح (فلاديمير جابوتنسكي)، زعيم ما يسمى "الصهيونية
المراجعة" أو "التنقيحية" Revisionist Zionism
(والتي يعبر عن أفكارها حالياً حزب الليكود بزعامة شارون) إقامة ما
سماه بالحائط الحديدي. وكان جابوتنسكي ينطلق من رؤية مفادها أن أية
تجربة استيطانية استعمارية لابد وأن تُواجه بمقاومة السكان الأصليين،
فلا يوجد شعب تنازل طواعيةً عن أرضه لشعب آخر، وأن حل هذه الإشكالية
هو أن يقيم المستوطنون الصهاينة حائطاً حديدياً حول أنفسهم ويستمرون
في البطش بالسكان الأصليين إلى أن يسلموا بأنه لا مفر من التنازل
واقتسام الأرض مع الكتلة البشرية الوافدة. وهذه هي الفكرة نفسها التي
عبر عنها شارون بعد ذلك بعدة عقود، عندما قال "إن ما لا يؤخذ بالقوة
يُؤخذ بمزيد من القوة".
وقد استمعت
في السبعينيات لمحاضرة في واشنطن لأهارون أرونسون، وهو من أهم
المفكرين الاستراتيجيين الإسرائيليين، وكانت أطروحته في غاية البساطة
وهي أن العالم العربي لا يزال يخوض مرحلة الانتقال من المجتمع
التقليدي إلى المجتمع الحديث، مما يعني أنه ستكون هناك قلاقل وتوترات
ومقاومة لمجتمع حديث مثل المجتمع الصهيوني. ومن ثم، لابد وأن تحمي
الدولة الصهيونية نفسها بأن تنشئ حائطاً نووياً حول نفسها وتنتظر.
وقد أطلق أرونسون على هذا الوضع اسم "حرب المئة عام". (ولعله بذلك
كان أكثر وعياً بحركة التاريخ وبطبيعة الصراع من كثير من "المفكرين"
الاستراتيجيين العرب).
وبعد حرب عام
1967، وقيام "إسرائيل" بضم غزة والضفة الغربية، وهي مناطق مكتظة
بالسكان، ظهر ما يسمى بالمشكلة السكانية (الديموجرافية)، حيث يرى بعض
الصهاينة أنه بحلول عام 2010 سيزيد عدد السكان العرب الذين يعيشون في
كل فلسطين المحتلة عن السكان اليهود. ومن ثم ظهر ما يُسمى "الصهيونية
الديموجرافية" Demographic Zionism (ومعظم
دعاتها ينتمون إلى حزب العمل وما يُسمى "اليسار الإسرائيلي"). ويدعو
أصحاب هذا الاتجاه الصهيوني إلى الانسحاب من الضفة الغربية وغزة، مع
الاحتفاظ بمواقع عسكرية إسرائيلية تضمن عزل الفلسطينيين عن بقية
العالم العربي.
وهناك في
المقابل اتجاه يُسمى "صهيونية الأراضي" Territorial Zionism
(ومعظم دعاته من حزب الليكود وما يُسمى "اليمين الإسرائيلي") وهو يرى
أن بوسع الدولة الصهيونية الاحتفاظ بالأرض الفلسطينية التي احتُلت
عام 1967 والاستيطان فيها وقمع العرب وتحطيم إرادتهم. والصراع بين
الاتجاهين الصهيونيين هو في واقع الأمر صراع بين رؤيتين: إحداهما
استعمارية استيطانية إحلالية والأخرى استعمارية استيطانية مبنية على
الفصل العنصري (الأبارتهايد). وقد عبر (آفي ديختر)، رئيس جهاز الأمن
الداخلي الإسرائيلي (الشاباك)، عن هذا الصراع بقوله "ثمة خياران لا
ثالث لهما أمام الحكومة: إما العودة إلى مدن الضفة الغربية بصورة
دائمة (أي الاستعمار المبني على الفصل العنصري)، أو التوجه نحو الفصل
المطلق فوراً (أي الاستعمار الاستيطاني الإحلالي)، وكل الاقتراحات
الأخرى تشكل تفريطاً بمواطني إسرائيل".
وتجدر
الإشارة إلى أن فكرة الجدار العازل بين الضفة الغربية وأراضي فلسطين
المحتلة عام 1948 كانت في الأصل فكرة عمالية صهيونية (يُقال عنها
إنها "يسارية" وهي في الحقيقة إحلالية). وكان أول من طرحها (بنحاس
سابير) عقب حرب 1967، حيث اقترح إنشاء حدود قابلة للدفاع عنها من طرف
واحد والخروج من بقية المناطق. واقترح بن جوريون، الذي كان آنذاك
زعيماً عمالياً متقاعداً، إعادة كل المناطق باستثناء القدس. ثم وضع
(موشيه شاحل) خطةً للفصل، حين كان يشغل منصب وزير الشرطة عام 1994.
ثم تتالت المشاريع العمالية الإحلالية الأخرى، ولكنها لاقت في بداية
الأمر معارضةً قويةً من اليمين الصهيوني باعتبار أنها ستعطى شرعيةً
للدولة الفلسطينية.
وقد تبدت
فكرة الفصل العنصري في الطرق الالتفافية، وهي طرق تشقها الدولة
الصهيونية لربط المستوطنات الاستعمارية الصهيونية بعيداً عن المناطق
السكنية العربية، كما تبدت في حواجز التفتيش التي يقيمها
الإسرائيليون لمراقبة حركة الفلسطينيين وقمعهم وإذلالهم وتذكيرهم بمن
هو السيد ومن المَسود.
وبعد تصاعد
انتفاضة الأقصى وفشل شارون في قمعها في مئة يوم كما كان يزعُم، بدأ
اليمين يتراجع عن معارضته لفكرة الجدار الفاصل ويتصالح معها بعد
تعديلها، وبدأ الرأي العام الإسرائيلي، الذي يعيش في ذعر من الهجمات
الفدائية، يطالب بإقامة الجدار.
ومما ساعد
على قبول الفكرة أن الصهاينة يبذلون قصارى جهدهم للحيلولة دون قيام
دولة فلسطينية، ولكن أصبح من الصعب عليهم التصريح بذلك بسبب الموازين
الدولية وبعض متطلبات السياسة الخارجية الأميركية في الوقت الحاضر.
ولهذا، فهم يقبلون بمبدأ قيام دولة فلسطينية بشرط أن تكون دولة بلا
أرض، بحيث يتحول الفلسطينيون إلى شعب بلا أرض يُعزل في معازل
(كانتونات) صغيرة مفصولة تتحكم فيها الدولة الصهيونية. وقد عبر
(شاؤول موفاز)، وزير الدفاع، عن ذلك بقوله إن الحكومة الإسرائيلية
تتبنى فكرة إقامة دولة فلسطينية مقسمة من جانب الجيش الإسرائيلي،
ومعزولة عن باقي أراضي الضفة الغربية. والجدار العازل يشكل حجر
الأساس في هذه المحاولة.
ويقول حسن
أيوب، الخبير في شؤون المستوطنات في مكتب "الدفاع عن الأراضي ومقاومة
الاستيطان" في مدينة نابلس، إن الحكومة الإسرائيلية لم تعلن عن
قرارها إقامة جدار أمني فاصل على طول الخط الأخضر إلا في منتصف عام
2002، وإن الحقائق على الأرض تؤكد أن التحضير لإقامة هذا الجدار بدأت
منذ العام الأول لتسلم شارون رئاسة الحكومة أو حتى منذ وجوده في
وزارة الإسكان، حين صادق على عدة قرارات بمصادرة مئات الدونمات من
أراضي المواطنين الفلسطينيين، وخاصة تلك القريبة من المستوطنات
والمحاذية للخط الأخضر.
والله أعلم.
|