الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

شارون الذي لا نعرفه

 

بقلم: محمد خالد الأزعر

 

صحيفة البيان الإماراتية 1/6/2004

 

رئيس الوزراء الإسرائيلي مصمم على دحض آراء من وصفوه مراراً بالبلادة العقلية والافتقار للخيال السياسي وقلة الدراية بأساليب المناورة خارج المجال العسكري. لقد شاعت هذه الآراء بين يدي مسئولين ومحللين استراتيجيين عرب بعيد وصول أرييل شارون إلى قمة صناعة القرار في "إسرائيل". وذهب بعض هؤلاء إلى أن الرجل لا يملك مشروعاً سياسياً ولا خيارات للتسوية على أي من مساراتها وعليه، فإن عهده سيشهد جموداً في المشهد الإقليمي.

 

والأفضل أن يستعد الفلسطينيين والعرب للمرحلة التالية لهذا العهد الذي سيكون فقيراً وغير ذي أثر.كان هذا التقدير برأينا ـ ومازال ـ مجافياً للمنطق، فقد يكون شارون جلفاً وفظاً شأنه شأن أي مجرم حرب، بيد أنه لا يعمل بهذه المواصفات بعيداً عن رؤية سياسية أشمل، لها أنصار في الداخل الإسرائيلي تمكنوا من هزيمة خصومهم وتصعيده إلى حيث يمكن وينبغي تنفيذ هذه الرؤية وعموماً ليس من تقاليد "إسرائيل" الفصل ما بين التحركات العسكرية على درجة أو أخرى من مراتب الإرهاب وبين الطروحات السياسية، كل الاعتداءات الإسرائيلية المسلحة، داخل الأرض الفلسطينية المحتلة وخارجها، كانت دوماً مسخرة لخدمة غايات ومخططات ذات أبعاد سياسية على مدى زمني أو آخر. ولا يمثل شارون بحركته المزدوجة على المحورين العسكري والسياسي استثناء من هذه النظرية.

 

 ومصداقاً لهذه القناعة نلاحظ أن شارون لم يكد يفشل في الحصول على موافقة حزبه على خطته للانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة في استفتاء الثاني من مايو، حتى اتجه إلى تسريب بديل من هذه الخطة للتسوية الفلسطينية عبر صحيفة «يديعوت أحرونوت» بعد أربعة أيام فقط، هذا التولي في عرض المشروعات يقطع بأن الرجل معني باستمرار الأخذ بزمام المبادرة وذلك بطرح بدائل التسوية واحداً تلو الآخر.

 

وضيق المسافة الزمنية بين المشروع والآخر، يؤكد أنه ينهل من جعبة مملوءة بالخيارات وليست فارغة كما يحسب الذي رموه بالعته السياسي وضيق الأفق. ينتقل شارون برشاقة بين عدد من المشروعات سريعة التجهيز، وكأن فضاء القضية الفلسطينية الإقليمي والدولي يخلو من التصورات الأخرى: قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية ذات الصلة، ومبادرة قمة بيروت العربية في مارس 2002، وخريطة الطريق الأميركية بالأصالة والدولية بالتبني.

 

وهو في حركته الدؤوبة هذه إنما يصدر عن إدراك بالمعطيات المحيطة بـ"إسرائيل" على جميع الصعد، لاسيما فلسطينياً وعربياً ودولياً أميركياً بالذات، إن هذه المعطيات تمثل بالنسبة له رياحاً مواتية لتحقيق غايتين:

الأولى: المضي إلى آخر الشوط في محاولة تركيع الشعب الفلسطيني بالحديد والنار.

والثانية إشغال كل المعنيين بالتناظر حول المشروعات التي يعرضها، بما يفرض عليهم جدول أعماله، ويحرفهم عن التفكير في البدائل والأجندات الأكثر عطفاً على الحقوق الفلسطينية.

 

التكامل بين هذين الهدفين يبدو واضحاً، فأثناء التناظر والجدل حول المبادرات المتوالية، يتيح لشارون الوقت والمناخ للتحرك على مضمار رفع الفلسطينيين نحو الاستسلام. وهكذا رأيناه يغتال شيخي حماس أحمد ياسين وعبدالعزيز الرنتيسي في غمرة الحديث عن الانسحاب الأحادي من غزة، ثم رأيناه يجتاح حي الزيتون ومخيمات رفح والشريط الحدودي مع مصر محدثاً حالة من الدمار الشامل، في الوقت الذي يلوح فيه بالمشروع البديل بعد 6 مايو، ما معنى ذلك غير المزاوجة بين الأدوات العسكرية والسياسية في الحركة؟

 

وهل يصح بعد ذلك التنطع بالقول بأن شارون مجرد إرهابي أحمق لا يجيد فنون التلاعب السياسي وإدارة الصراع؟

علينا الاعتراف في كل حال أن المجرمين العتاة يستحوذون على قدر من التذاكي لكنهم يستخدمونه في احتراف الإجرام. شارون واحد من هؤلاء.. وآخر ما تفتق عنه ذهنه من تجليات سياسة يعرض نموذجاً مضافاً لهذه الحقيقة، ففي مشروعه الأخير يقترح انسحاباً كاملاً من غزة و89 في المئة من الضفة، وتنازل مصر عن 600 كم2، من سيناء تضم إلى غزة وتحصل في مقابلها على 200كم2 من النقب الإسرائيلية ونفق بري تحت سيادتها يربطها بالأردن، الذي يحصل بدوره هو والعراق والسعودية على منافذ إلى البحر المتوسط عبر أنفاق برية، وضمن الصفقة الإقليمية هذه توضع المناطق الفلسطينية تحت وصاية مصر والأردن والولايات المتحدة.. كل ذلك في إطار رعاية دولية من خلال مؤتمر تدعو إليه وتشارك فيه أوروبا وروسيا والولايات المتحدة.

 

هذا العرض مثير حقاً.. لأنه يستبطن تأجيج التدافع حوله من حيث الجدوى والمغزى ليس فقط بين الأوساط الفلسطينية، وإنما داخل المحيط العربي برمته أيضاً، بل وربما انطوى على الدسيسة بين الفلسطينيين والدول العربية المذكورة والمعنية به مباشرة.

 

ويبدو شارون من خلال عمليات القسمة والطرح والجمع التي يضطلع بها هذا المشروع، وكأنه وكيل عقارات في الرحاب الإقليمية من حول دولته، والأهم أنه يتبرع بمخارج غير تقليدية لهدف توطين اللاجئين الفلسطينيين في غير أراضيهم المغتصبة منذ 1948 و1967، ثم إنه يكاد يستهدف تسجيل سابقة موحية.

 

فإذا مرت هذه التسويات بالنسبة لبند الأرض لماذا لا ينسحب الأمر ذاته على بنود أخرى، كالمياه والطاقة؟

إلى ذلك كله، يود شارون بمشروعه الإقليمي الموسع للتسوية الفلسطينية الانتكاس بالحقيقة الكيانية الفلسطينية إلى مرحلة بواكير النكبة، مرحلة الوصاية العربية قبل منظمة التحرير والسلطة الوطنية دفعة واحدة. إنه يريد محو آثار النضال المرير الذي خاضه الفلسطينيون – بمؤازرة عربية للحقيقة - على طريق إعادة التبلور والتأطر السياسي، وأنه يعهد إلى العرب بضبط الفلسطينيين على مقاس المفهوم الإسرائيلي للتسوية.. وهذه على الجملة غايات خبيثة لا يضمرها أو يجليها إلا بعض شياطين الإنس.

 

* كاتب فلسطيني