|
شارون والدرس الخطأ من اوشفيتز
د. عبد
الوهاب الأفندي
صحيفة
القدس العربي اللندنية 29/1/2005
لم يتهم أحد
رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون بأنه تلميذ نجيب، ولكن حتى أقل
التلاميذ قدرة على التحصيل يمكن أن يتعلم شيئاً إذا جلس في نفس الفصل
واستمع إلى نفس الدرس لمدة ستين عاماً، إلا شارون على ما يبدو.
شارون خرج
علينا هذا الأسبوع بتصريح يقول فيه إن العبرة من اوشفيتز والمحرقة هي
أنه لن يدافع عن اليهود إلا اليهود. وأضاف شارون في تصريحاته التي
تزامنت مع الاحتفال الدولي بذكري تحرير معسكر اوشفيتز على أيدي
الحلفاء، إن الدرس من تلك التجربة هي أن على اليهود الاعتماد على
أنفسهم فقط، لأن الأوروبيين وغيرهم لم يحركوا ساكناً لإنقاذ اليهود
رغم علمهم بما كان يجري في معسكر الإبادة.
وإذا لم يكن
شارون يقصد من تصريحاته ابتزاز الأوروبيين والمزيد من الضغط عليهم
لإشعارهم بالذنب تجاه اليهود، وهو افتراض لا ينبغي استبعاده، فإن
شارون يكون أغبى تلميذ على وجه الأرض. ذلك أنه لو لم يكن لليهود صديق
كما يزعم، وكان العالم كله عدواً لهم، لكان عليهم أن يقولوا على
الدنيا السلام. فما الذي يستطيع خمسة عشر مليوناً من اليهود عمله
أمام ستة مليارات من الأعداء؟
الدرس
الحقيقي من اوشفيتز هو بالعكس تماماً، يشير إلى رفض عالمي كامل
لفظاعات النازية، وانحياز كامل إلى صف الضحايا. الرسالة التي تلقاها
العالم من اوشفيتز كانت هي ألا يسمح بعد اليوم للضحايا أن يقفوا
وحدهم أمام الجلادين، وأن تكون الإنسانية يداً واحداً ضد مرتكبي
الفظائع. لم تكن هذه مجرد شعارات، بل تحولت إلى برنامج دولي تمثل في
إنشاء الأمم المتحدة والإعلان الدولي لحقوق الإنسان، والمعاهدة
الدولية ضد الإبادة الجماعية، ومواثيق جنيف ضد جرائم الحرب إلى غير
ذلك من المؤسسات والاتفاقيات والترتيبات الدولية.
العالم كله
تعاطف مع ضحايا النازية، وهو تعاطف تستثمره بعض الجهات الصهيونية
لابتزاز الآخرين، وتتخذه ستاراً لارتكاب جرائم كثيرة ما كانت تتم
لولا هذا التعاطف الممزوج بالإحساس بالذنب.
مزاعم شارون
بعداوة العالم كله لليهود كانت ستكون مثاراً للسخرية لولا خطورة ما
يترتب عليها من ترويج لأيديولوجية تزعم أن العنف، والعنف فقط هو الذي
يضمن سلامة شعب معين وحقه في الوجود. وإذا تم تعميم هذا المبدأ
عالمياً فإنه سيكون مبرراً للإرهاب والفاشية، وتحول العالم إلى غابة
من الوحوش لا مكان فيها للقانون والقيم الإنسانية المتمثلة في العدل
والرحمة والتسامح واحترام حقوق الضعفاء.
لا شك أن
العالم لم يتحول اليوم إلى جنة يمرح فيها الحمل مع الذئب في سلام،
وما تزال تتحكم فيه عوامل تعتمد منطق القوة والمصلحة. الضعفاء في
العالم ما زالوا لا يجدون حقوقهم والأقوياء يجدون الكثير مما يطلبون.
ولكن العالم
بنفس القدر ليس غابة لا توجد فيها قيم ولا قوانين وتعتمد أوضاعه على
العنف والقهر فقط. بل بالعكس نجد أن أوضاع العالم اليوم أقرب منها من
أي وقت إلى اعتماد المبادئ الإنسانية أسلوباً للتعامل، مع وجود ميل
للتعاطف مع الضحايا في معظم الأحوال. ويعتبر هذا أحد نتائج الصدمة من
جرائم النازية، والحذر من تكرارها. ولهذا شهدنا الرأي العام العالمي
يتحرك بقوة حين يقع العدوان على المستضعفين، كما حدث في رواندا
والصومال وكوسوفو وليبيريا والبوسنة ودارفور، أو في المجاعات
والكوارث الطبيعية في أثيوبيا والمحيط الهندي وغيرها.
الدرس الأهم
من اوشفيتز هو أن العالم أثبت أنه أكثر إنسانية مما يزعم شارون، وأنه
يتجه في ذلك الاتجاه بسبب ارتفاع أصوات المستضعفين والأقليات. ولكن
وجود أشخاص مثل شارون وحركات تتبنى منطقه الأعوج هي التي تهدد بردة
فاشية عنصرية تجتاح العالم. وإذا كان شارون يعتقد أن أمن اليهود لن
يضمنه إلا أمثاله عبر ما يرتكب من فظاعات ومجازر، وعبر تحويل الآخرين
إلى مستعبدين وحصرهم في سجون كبيرة على شكل معتقلات النازية
وغيتواتها، فان شارون يثبت أنه هو الخطر الأكبر على يهود العالم.
|