|
الثقافة الأميركية - الإسرائيلية لا تحارب
الإرهاب بل تنشره
وليد أبو بكر
صحيفة الوطن
القطرية 23/5/2004
لو لم يكن
الدعم الأميركي لإسرائيل موجوداً، فهل كانت تستطيع أن تستمر في
ارتكاب جرائم الحرب كما تفعل، وكما هي متمثلة الآن بوضوح في رفح
خصوصاً، وعلى كامل الأرض الفلسطينية منذ سنوات طويلة؟
ولو لم تكن
الرهبة من التدخل الأميركي لصالح "إسرائيل" عامة، هل كان بإمكان
مجرمي حرب لا شبهة في إدانتهم، أن يستمروا على رأس جيش مسلح بكل ما
أنتجته آلة الحرب الأميركية، ليواجه مدنيين لا يملكون ما يحميهم منه،
ولا ما يدافعون به عن مأواهم الذي التجأوا إليه في المخيمات، بعد أن
سلبتهم "إسرائيل" بيوتهم ووطنهم منذ سنوات طويلة؟
ولو لم يكن
النموذج الأميركي في إبادة الهنود الحمر، وإقامة ديمقراطية غربية فوق
جثثهم، هو الأسلوب الذي تعتمده "إسرائيل" في حرب الإبادة التي تشنها
ضد الوجود الفلسطيني منذ مائة عام أو يزيد، فهل كانت تستمر فيه، رغم
التنديد الدولي والقرارات الدولية؟
ولو لم تصل
الوحدة الإسرائيلية الأميركية في ممارسة القتل، وارتكاب جرائم الحرب،
إلى حد التشاور والتعاون وتبادل الخبرات، فهل كانت "إسرائيل" قادرة
على أن تفعل ما تفعل؟
ولو أن
وجوداً عربياً لا يخشى فيه الزعماء على مواقعهم يستطيع أن يطلق طلقة
واحدة في الفضاء ليشعر العدوان المركب بأنه يمثل مئات الملايين، هل
كانت "إسرائيل"، ومن ورائها الولايات المتحدة، تعيث فساداً في الأرض،
وتمارس حريتها في القتل والاحتلال وهدم البيوت وتشريد الناس، ووضع كل
الرؤوس التي لا تتقن إلا إهانة شعوبها، في التراب؟
هل نكتفي بعد
ذلك بأن ندين قيام الجيش الإسرائيلي بإطلاق النار على متظاهرين
يحاولون أن يحتجوا على جرائم الحرب التي يرتكبها، وأن يشعروا إخوانهم
تحت ظلال الموت في رفح، أنهم معهم، عند الموت، كما هو الحال مع كل
فلسطيني ينتظر رصاصة قادمة من حيث لا يحتسب، لأن لغة الرصاص وحدها هي
التي تسود، ولأن شارون، رجل السلام، بالمفهوم الأميركي السائد، لم
يعرف في تاريخه قط غير هذه اللغة، وقد بات متأخراً أن يعرف، كما بات
متأخراً أن يجد من يصدقه غيرنا، نحن الذين نموت كل يوم، ونرفع رؤوسنا
من داخل قبرنا لنصرح، ونقول إننا مستعدون للبدء في مفاوضات السلام؟
سلام مع من؟
مع شارون الذي يطلق النار قبل أن يفكر، أم مع موفاز الذي يقول إن
النار التي سقطت من السماء على رأس التظاهرة السلمية، كانت موجهة إلى
جدار مهجور، أم يعلون الذي يبتسم أمام الجثث الصغيرة ويصر على أن
العملية سوف تستمر، كما استمرت خلال المائة عام السابقة عليها، حتى
تحقق أهدافها؟
هل يصدق أحد
أن إطلاق النار على تظاهرة احتجاج سلمية، تقبل بها كل الشرائع،
وتعتبر التعرض لها جريمة حرب، يمكن أن يشكل مبادرة في طريق السلام؟
لن يقبل ذلك
أحد، غير الإدارة الأميركية التي تمنح "إسرائيل" نموذجاً لما يجب
عليها أن تفعل حتى تقوم بحماية نفسها، لا من خلال التاريخ الذي اعتمد
على إبادة الشعوب وحسب، وإنما من خلال المبادرات الحالية لاحتضان
الأسلوب ذاته، وتبنيه، ونشره، في العالم المعاصر، كمثال لما يجب أن
تكون عليه الديمقراطية التي يدعو إليها الرئيس الأميركي بكل وضوح.
عندما كانت
الدبابات الإسرائيلية تهرس البيوت وأصحابها في حي الزيتون، وتدك هذه
البيوت فوق رؤوس سكانها في مخيم رفح، كان الرئيس الأميركي يمتدح
"إسرائيل"، وما تفعله "إسرائيل"، كحليف أميركي لا خلاف عليه، ولا
شبهة في ولائه، وكان يبرر لإسرائيل ما تفعل، لأنها تدافع عن نفسها
أمام إرهاب الأطفال الذي يتجمعون تحت بيوت تهتز مع الريح، لأن
"إسرائيل" سرقت بيوت آبائهم وأجدادهم لتقوم عليها، كما فعل
المستوطنون الأوروبيون في الأرض الأميركية، وبمواطني تلك الأرض
الأصليين.
لم يكن صدفة
أن يتحدث الرئيس الأميركي عن التشابه نفسه، في وقت المجزرة نفسها،
أمام الذين يتوسل إليهم كي ينتخبوه، ممن يسيطرون على أصوات اليهود،
ويبتزون المواقف من مرشحي الرئاسة كل الوقت، ومن غيرهم من مرشحي
السلطة في الولايات المتحدة.
لم يكن من
باب الصدفة أن يقول الرئيس الأميركي بصريح العبارة إن "إسرائيل" تبني
وجودها على الطريقة الأميركية: مستوطنون من أوروبا يقيمون ديمقراطية
غربية في بلاد لم تلحق بالعصر، ويواجهون بأعداء من كل جانب، ويضطرون
للدفاع عن أنفسهم بكل سلاح.
كان الرئيس
الأميركي من قبل قد منح رئيس الوزراء الإسرائيلي رخصة للقتل، عندما
منحه وعداً بقبول التوسع، وبمقاومة حق العودة، أما في خطابه أمام
الإيباك، أكبر المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة، وأكثرها
تأثيراً في سير الانتخابات، وأهمها علاقة بإسرائيل، لدرجة أنه يمكن
أن تسمى «إسرائيل الأميركية»، فقد شرح له أسلوب القتل الذي يجب أن
يعتمد، وهو الأسلوب الذي ينسجم مع حالة التشابه بين البلدين، نشأة
وديمقراطية، كما شرحها الرئيس الأميركي لمن كان يتحدث إليهم من قادة
اليهود، قادة الصهيونية التي تعمل على بقاء "إسرائيل" قوية وعدوانية
ومسيطرة: إنه الأسلوب الأميركي في القضاء على الوجود السابق عليه،
وجود من أطلق عليهم الغرب صفة الهنود الحمر.
شارون، الذي
حمل هذا الأسلوب القديم معه من دعاة الصهيونية المتطرفين، الذين
التزموا بإقحام أنفسهم داخل الأرض الفلسطينية بالقوة، وبطرد
الفلسطينيين من أرضهم، كوسيلة لإقامة الدولة على «أرض إسرائيل»، ليس
قابلاً للتغير، ولا هو قابل أن يفهم أن الأسلوب الذي أقام الدولة،
بعون من الانتداب البريطاني والدعم الأميركي، وبتآمر عربي أو ضعف، لم
يستطع أن يمنحها الأمن الذي تريد، رغم أنها حققت أغلبية على الأرض لم
تكن تحلم بها، وقوة عسكرية لم تتصور أن تصل إليها، لولا تحولها إلى
قاعدة أميركية تهدف إلى منع الشعوب في هذه المنطقة من التحكم
بمقدراتها، وتبقى خيرات هذه المنطقة تحت السيطرة الأميركية.
شارون ما زال
يعيش عصر الثلاثينيات ويتجمد عنده، وليس هناك أمل في أن يتغير، موقفا
أو سياسة أو أسلوب عمل، خاصة وأنه وجد في زمنه من يرى فيه نموذجاً
يحتذى، ويقدم له من الدعم ما لا يقبله عقل أو منطق، وما ينقض
القرارات التي تواضع عليها العالم كله، ثم يبالغ بعد ذلك، وهو صاحب
أكبر قوة عسكرية عرفها التاريخ، فيسير على خطى شارون في حروبه،
ويعتمد الأسلوب الاستيطاني القديم في الإبادة من ناحية، وفي احتقار
البشر من ناحية ثانية، والتعامل معهم بالأسلوب السينمائي لراعي البقر
الذي يربط خصمه بالحبل ويجره مرتدياً ملابسه، أو عارياً حتى من جلده،
كما فعلت المجندة الأميركية بالسجين العراقي.
هل كان صدفة
أن توجه المروحيات الإسرائيلية والدبابات نيران قذائفها إلى رؤوس
الفلسطينيين في مظاهرة سلمية، وتقتل من تقتل، وتجرح من تجرح، ثم تأتي
القذائف الأميركية لتصب نيرانها من كل اتجاه، فوق رؤوس الناس في عرس
عادي في قرية صغيرة، كتب لها أن تكون على الحدود العراقية السورية،
فتقتل من تقتل، وتجرح من تجرح، بالأسلوب ذاته؟
هل كان صدفة
أن تدعي "إسرائيل" أن ما حدث لم يكن مقصوداً، لأن المنطقة ساحة حرب
(هل هي ساحة حرب بالفعل، أم موضوع عدوان؟) وأن التحقيق حول ما جرى
سيتم، ويوضع في الملفات، وكان صدفة أن تقول الولايات المتحدة عبارات
متطابقة، تتحدث عن تهريب الأسلحة أيضاً، وتسلل الإرهاب؟
هل هو صدفة
أن يتحدث العسكريون الإسرائيليون عن نجاح عملياتهم وعن استمرارها رغم
إدانة العالم لها، ورغم قرار مجلس الأمن «الرقيق» الذي يطالب بوقف
هدم البيوت، ولا يدعو إلى حماية للفلسطينيين من نوع ما، ولا إلى ردع
للإسرائيليين من أي نوع، بينما يتحدث الأميركيون عن إصرارهم على
البقاء في العراق حتى يحرروه من آخر أمل في حياة مستقرة خالية من
الموت والآلام؟
لا شيء في
هذا الواقع يحدث صدفة: إنها ثقافة العصر الأميركي الإسرائيلي التي
تعلن أنها تهدف إلى محاربة الإرهاب ونشر الديمقراطية، ولكنها في
الواقع تحارب الديمقراطية، وتساعد على نشر الإرهاب، إنها تحرف
الديمقراطية عن أي مسار مقبول، وتحوله إلى عدوان مباشر، يفرض وجوده،
ويفرض مقاومته على كل أفق، حتى وإن كانت بسيطة أول الأمر، لأنها سوف
تستمر، وسوف تتصاعد، كما أن ما يخلقه من استفزاز، ومن تجاوزات تعزز
الكراهية، ومن إحباط ويأس، يستمر في خلق ما يسميه إرهاباً، ليواجه
إرهاب الدولة التي يسمى دفاعاً عن النفس وعن القيم.
لا جديد
الآن، ولا جديد غداً، وكل أمل في أن يغير شارون جلده، ويتحول إلى رجل
سلام، لن يكون، إلا إذا حدث رغم أنفه، وكل أمل في أن يتحول بوش إلى
رجل دولة حقيقي، يعمل على نشر العدل بدلاً من سيطرة القوة، لن يتحقق،
لأن طبيعة بوش لا تقبل ذلك، الذي يجب أن يتغير هو أسلوب المواجهة،
مهما كانت الآلام، جيش شارون سوف يغادر غزة كما غادر أسلافه لبنان،
لأن الهستيريا التي يعيشها الآن، وتتحول إلى جرائم حرب، ليست دليل
قوة شخصية، ولا قوة مجتمع، وجيش بوش سوف يغادر العراق، كما غادر
أسلافه فيتنام، لأن الضربات الموجعة التي يتلقاها، على مستوى الموت،
وعلى مستوى القيم، سوف تظل في الهواء الطلق، لكن هذا سيكون، بعد أن
ترتوي شهوة الطرفين من الدم العربي، أو يختنقان به.
|