الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة


 

أسلحة التدمير الشامل الإسرائيلية .. بين سكوت المجتمع الدولي والتسويغ الأمريكي

‏ د. فيصل سعد‏

صحيفة البعث السورية 10/3/2003

 

فيما تسارع الولايات المتحدة إلى تجريد العرب حتى من أبسط الأسلحة التقليدية، وحرمانهم من كل مقومات الدفاع عن النفس، تسارع إلى تسويغ امتلاك "إسرائيل" لترسانة نووية وكيميائية هائلة بذرائع تستهين بالعرب وتستغفل العقل البشري عموماً‏.

تتهدد أسلحة الإبادة الشاملة حياة البشر في كافة بلدان المعمورة وأقاليمها المترامية، فالمصادر الدولية المعنية والمكاتب الاستراتيجية المختصة تظهر بالأرقام أن العالم اليوم يتوفر على كميات من هذه الأسلحة، النووية والكيماوية والبيولوجية، كافية لتدمير مائة ضعف من مساحة الأرض وإبادة نحو ستة آلاف ضعف من عدد سكانها الحالي!.‏

ويتفق الجميع على أن الولايات المتحدة هي صاحبة أكبر مخزون نووي وكيماوي في العالم، وأن "إسرائيل"، ودائماً حسب المصادر والتقارير الدولية، رابع أكبر قوة نووية في العالم، حسب المحللين العسكريين، وهي الوحيدة في هذه المنطقة التي تمتلك سلاحاً نووياً تقدره بعض المصادر بنحو ثلاثمائة رأس نووي.‏

وإذا كان انضمام الولايات المتحدة الأمريكية إلى اتفاقية نزع أسلحة الدمار الشامل والحد من انتشارها، كعضو دائم فيها منذ إبرامها سنة 1969 ثم تجديدها عام 1994، يتعارض بشكل فاقع مع مخزونها الهائل من تلك الأسلحة وسعيها المحموم إلى تطويره كماً ونوعاً، فإن من الخطورة والمفارقة بمكان أن تستحوذ "إسرائيل"، برعاية الولايات المتحدة ودعمها، على ترسانة نووية وكيماوية هائلة في ظل إيديولوجيا صهيونية عنصرية ودموية تتمرد على القرارات الدولية، إذ تمعن باحتلال الأرض العربية وترتكب أبشع المجازر الوحشية بحق سكانها الأبرياء وتشرد ملايين البشر من المواطنين العرب خارج ديارهم.‏

وفي الوقت الذي ترفض فيه "إسرائيل"، بتأييد أمريكي كامل، التوقيع على تلك الاتفاقية والالتزام ببنودها واستحقاقاتها، فإن الولايات المتحدة تسعى اليوم، ومنذ الإعلان عن نظامها العالمي الجديد، إلى تجريد العرب حتى من أبسط الأسلحة التقليدية، وهي إذ تتذرع بامتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، تعمل في هذه اللحظة التاريخية التي تعيش فيها أعلى درجات الجنون السياسي على تجييش العالم بأسره استعداداً لإعلان الحرب على العراق، وغيره بطبيعة الحال، تحت راية هذه الذريعة ومرادفاتها الأخرى بغرض «قص» هذه المنطقة وتفصيلها على مقاس أهدافها، بعد أن يتم تجريد البلدان العربية بكاملها، وليس مجرد بلد عربي واحد بعينه، من جميع مقومات الدفاع عن النفس.‏

في ظل هذه الظروف التي يفتقد فيها العرب أسلحة الإبادة الشاملة التزاماً باتفاقية حظر هذه الأسلحة والحد من انتشارها، وإعراض "إسرائيل" عن الانضمام إليها للإبقاء على ترسانتها التدميرية وتطويرها، تسعى الولايات المتحدة اليوم كما سعت بالأمس إلى تبرير امتلاك "إسرائيل" لهذا النوع الخطير من السلاح الفتاك تحت مزاعم واهية متبدلة وعديدة، فطيلة المدة الواقعة بين عامي /1956- 1991/ كانت الولايات المتحدة تلجأ إلى تبرير سلاح التدمير الإسرائيلي الشامل بزعم أن ا"إسرائيل" في حالة حرب دائمة مع العرب مفروضة عليها من جانب البلدان العربية المجاورة!.. أما المزاعم الجديدة التي تذهب إليها أمريكا اليوم ومنذ ذلك الحين /1991/ بغرض إضفاء الشرعية على امتلاك "إسرائيل" للأسلحة النووية والكيماوية وتبرير ترسانتها من هذه الأسلحة أمام الرأي العام الأمريكي والدولي، فهي التالية:‏

 - تزعم الولايات المتحدة الأمريكية اليوم، كما في الأمس القريب، أن ثمة دولاً وقوى عربية تصفها بالراديكالية أو المارقة تهدد أمن "إسرائيل"(!!)، الأمر الذي يبرر، ودائماً حسب الزعم الأمريكي الجديد، استحواذ سلاح الدمار الكلي، مع أن الواقع يشير إلى أنه ليس ثمة دستور في "إسرائيل" يرسم لها حدوداً محددة بدقة، فهي ذاتها ترفض تحديد نفسها بحدود سياسية، معلنة نهجها التوسعي على حساب العرب، وبالتالي فإن السلاح التقليدي وغيره يجب أن يكون، منطقياً، على الجانب العربي وليس على الجانب الإسرائيلي، دفاعاً عن الوجود العربي أمام هجوم الهوس والصلف الصهيوني.‏

- تزعم الإدارة الأمريكية مرة أخرى أن وجود خمسة ملايين "إسرائيلي" ضمن محيط «غير يهودي» مكون من ثلاثمائة مليون عربي «معاد» هو وجود غير مضمون يصبح مضموناً بشرط امتلاك "إسرائيل" للسلاح النووي وتجريد العرب منه ومن الأسلحة التقليدية القادرة على إصابتها والتأثير فيها!!.. وعلى هذا النحو يدعو الجانحون الأمريكيون إلى تأمين توسع "إسرائيل" على حساب تهديد الوجود العربي وتقلصه أو مسخه، وكأن العرب هم الغزاة الطامعون، والصهاينة ضحايا الغزو المسالمون؟!.‏

- أما الزعم الآخر الذي يطلقه اليوم صقور الكونغرس والبيت الأبيض في إطار حملتهم الشعواء على العراق، فمفاده أن الدول العربية دول دكتاتورية أوتوقراطية، في حين أن "إسرائيل" دولة ديمقراطية جوارية، وبالتالي فإن أسلحة الإبادة الشاملة في "إسرائيل" تخضع لإرادة عقلانية جماعية تحسن التصرف بهذه الأسلحة وتحدد اللحظة المناسبة لاستخدامها، بينما من الخطورة بمكان أن يستحوذ العرب على تلك الأسلحة تجنباً للتصرف بها على نحو فردي غرائزي!!.‏

والحال، هل ثمة من هو أكثر دموية وحماقة عنصرية من شارون رئيس وزراء "إسرائيل" الحالي؟ ثم ألا يختزل شارون اليوم كافة الإسرائيليين بنفسه كفردية عنصرية غازية لا مثيل لها؟.‏

-  يذهب الأمريكيون من المتصهينين في هذا الاتجاه أو الصلف إلى أبعد من ذلك بكثير، فيزعم هؤلاء أن موافقة البلدان العربية بالإجماع على اتفاقية حظر الأسلحة النووية والجرثومية تحول دون شرعية امتلاكها لهذه الأسلحة، اليوم وفي المستقبل، هذا في حين أن إعراض "إسرائيل" عن الانضمام للاتفاقية نفسها يضفي الشرعية المطلقة على استحواذها مئات الرؤوس النووية والكيماوية الموجهة لمختلف مدن وعواصم البلدان العربية؟!.‏

أما بعد، فإن هذه المزاعم وكثير غيرها إذ تعكس الصلف الصهيو- أمريكي، فهي لا تعبّر عن تجاهل للعرب واستهتار بهم فحسب، بل وعن استغفال للعالم وللعقل البشري.