الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

إشهار سلاح معاداة السامية في وجه العرب

 

بقلم / د‏.‏عماد جاد – المصدر : صحيفة الأهرام 9 تشرين الثاني (نوفمبر) 2002 :

تعرّض مسلسل "فارس بلا جواد" لحملة عنيفة في الولايات المتحدة الأمريكية و عددٍ من العواصم الغربية ‏،‏ و تزايدت الطلبات بمنع بثّ المسلسل لأنه من الأعمال التي تعدّ معادية للسامية لاحتوائه على تفاصيل تتعلق ببروتوكولات حكماء صهيون ‏، التي توظّف لكراهة اليهود و كانت سبباً في الاعتداء عليهم في أوروبا ‏،‏ و قد تبنّت الحملة منظمة في الولايات المتحدة تسمى عصابة مكافحة التشهير‏ Anti Defqmqtion Leqguemhg‏ و المعروفة اختصاراً بـ ‏ADL‏ ، و قبل ذلك تولّت منظمة صهيونية أخرى و تدعى Middle East Mediq Rescqrch Institute  و تعرف اختصاراً باسم‏ MEMRI‏ و عبر فرع لها في باريس رفع الدعوى القضائية ضد الأستاذ إبراهيم نافع رئيس مجلس إدارة و رئيس تحرير الأهرام ‏.

و الحقيقة أنه لا يكاد يمرّ يوم دون أن توجه منظمة من المنظمات الصهيونية العاملة في عواصم العالم الرئيسية اتهاماً لشخصية أو جهة رسمية بكتابة مواد عنصرية أو بارتكاب فعل عنصري أو الحض على الكراهية أو غيرها من المسميات و التي تقود بعد ذلك إلى إشهار سلاح معادة السامية في وجه الجهة المستهدفة ‏.

و تميّز الجماعات و التنظيمات الصهيونية العاملة في هذا المجال في رصدها لما تعتبره أعمالاً معادية للسامية بين أقوال و أفعال و وقائع تستخدم للإثارة الإعلامية و دعوة عواصم دولية و جهات بمسميات مختلفة للتعليق و الإدانة ،‏ و بين وقائع يمكن توظيفها على نطاق أوسع من خلال إثارة الشق القانوني ‏.‏ و من ثم التقدّم بشكاوى قانونية في عواصم دولية تنتقي بدرجة عالية من الدقة لحسابات كثيرة من بينها النظام القانوني و نظام التقاضي ‏،‏ طبيعة العلاقة مع "إسرائيل" و التنظيمات اليهودية‏ ،‏ و أيضاً طبيعة العلاقات العربية مع العاصمة المعنية ‏.‏ و وفق حسابات دقيقة تتم عملية تحريك الدعاوى و خدمتها عبر تحريك آلة الإعلام و تسليط الضوء عليها و مخاطبة وسائل الإعلام و صنّاع القرار و أعضاء الهيئات التشريعية في عواصم العالم الرئيسية ‏.

و من أجل توضيح الصورة نقول إن حملة إشهار سلاح السامية في وجه العرب تخطّط لها و تقودها منظمتان متخصصتان تعملان تحت أسماء عامة لا علاقة لها بما تقوم، بل بعضها يفعل عكس ما صاغه في اللافتة التي تعمل تحتها المنظمة الأولى و الأكثر صخباً في عملها تسمّى معهد أبحاث وسائل إعلام الشرق الأوسط‏MEMR ‏ و مقرها الرئيسي في العاصمة الأمريكية واشنطن و لها فروع في برلين و لندن فقط ،‏ و كان الهدف المعلن للمنظمة هو متابعة ما ينشر في الصحافة الشرق أوسطية باللغات العربية و الفارسية و العبرية و ترجمتها إلى اللغات الإنجليزية و الفرنسية و الألمانية و الإسبانية و الروسية و إرسالها إلى قادة الرأي و صنّاع القرار في عواصم العالم الرئيسية‏ ،‏ و رئيس المنظمة هو الكولونيل ايجال كرمون كان ضابطاً في الاستخبارات العسكرية الصهيونية في الفترة من‏ 1968- ‏1988‏ و عمل بعد ذلك مستشاراً لشئون مكافحة "الإرهاب" لرئيسي الوزراء إسحاق شامير و إسحاق رابين في الفترة من‏ 1988‏ - ‏1993 ،‏ كما كان عضواً في الوفد الصهيوني الذي تولّى المفاوضات على المسار السوري و من بين ستة شخصيات رئيسية في المنظمة ‏،‏ نجد أن ثلاثة منها عملت في الاستخبارات العسكرية الصهيونية ..  و بمرور الوقت تأكّد أن المنظمة‏ هي عبارة عن نشاطٍ من أنشطة الاستخبارات العسكرية الصهيونية ،‏ و هو ما كشفه كاتب بريطاني‏ هو "برايان" و ابتكر في مقالٍ له بصحيفة الجارديان في‏ 12‏ آب (أغسطس) الماضي بعنوان اتفاقية ميمري‏ Selective MEMRI‏ حيث أشار بوضوح إلى هوية القائمين على العمل و أن عمل المنظمة يتسم بالانتقائية و يهدف إلى تشويه صورة العرب عبر اقتطاع الفقرات من سياقها و التلاعب في عملية الترجمة و غير ذلك من الألاعيب ‏،‏ و قد ردّ رئيس المنظمة إيجال كرمون على هذا المقال في نفس مكان مقال "وايتكر" في‏ 21‏ آب (أغسطس) متهماً "وايتكر" بالانتقائية و تبرير كتابات و تصريحات العرب العنصرية‏ ،‏ و أشار كرمون إلى أنه شخص موضوعي يقود منظمة أكاديمية محايدة بدليل أن قناة الجزيرة القطرية استضافته في أحد برامجها من واشنطن .

أما المنظمة فهي عصابة مكافحة التشهير‏ ADL‏ و قد تأسّست في شيكاغو بالولايات المتحدة عام‏ 1913‏ أي منذ نحو تسعين عاما‏ً ،‏ بهدف الدعوة إلى العدالة الاجتماعية و أهداف أخرى عامة ‏.‏ و في غضون السنوات القليلة الماضية بدأت المنظمة تركّز على ما تراه معاداة السامية في الصحافة العربية و تفرد شقاً خاصاً للصحافة المصرية‏ ،‏ سرعان ما بدأت تضمنه الكتابات المعارضة للتطبيع مع الكيان الصهيوني باعتبارها كتابات معادية للسامية ‏.

و قد كانت هذه المنظمات تمارس نشاطها دون تأثير واسع النطاق‏ ،‏ و يبدو أن هناك مجموعة من التطورات التي قادت إلى ما يمكن اعتباره استئساد هذه المنظمات و اتساع قاعدة التأييد لها ‏،‏ إضافة إلى تزايد القطاعات التي تتعامل معها و تأتي في مقدمة هذه التطورات اعتداءات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) التي وضعت العرب بشراً و ثقافة و حضارة في مكانة المعتدين ، كما أن تداعيات الحملة الأمريكية على ما أسمته "الإرهاب" و توجّه شقّ رئيسي منها إلى العالم العربي قد أوجدت لهذه المنظمات مساحة جديدة من التفاعل مع منظمات و جهات رسمية أمريكية ‏.

أيضاً فإن عودة الحديث عن المواجهات الثقافية و الحضارية و كذلك الدينية أوجد مساحة إضافية لعمل هذه المنظمات ‏،‏ باختصارٍ أوجدت تداعيات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) بيئة بدا فيها العرب معتدين و لدى بعض الدوائر في حالة عناء مع الحضارة الغربية ، و من ثم وجدت المنظمات الصهيونية أن الفرصة سانحة لشنّ هجوم مضادٍ على العرب بالتركيز على قضايا ثقافية و الهدف النهائي لهذه الحملات يصبّ في خانة تبرير سياسات الإرهاب الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني، و زيادة مساحة الدور الذي تلعبه دولة الكيان على الساحتين الإقليمية و الدولية ‏.

و يبدو واضحاً أن ما شهدناه حتى الآن من نشاطٍ لهذه المنظمات لا يعدو أن يكون مجرّد بداية لعمل متكاملٍ ستتضح أبعاده في المستقبل القريب ‏،‏ و أن هذه المنظمات تعتمد على صورة نمطية للعرب تقول إن العرب لا يجيدون العمل المنظم المستمر و المتواصل ‏،‏ و أن عملهم عادة ما يكون نوعاً من رد الفعل الانفعالي ‏،‏ سرعان ما يتجزّأ و لا يمكن تصوّر نجاح العرب في القيام بجهدٍ منظمٍ و منتظم و مستمر‏ ،‏ و يرون أن أيّ جهد عربي في مواجهة "إسرائيل" على الصعيد الثقافي و الحضاري و أيضاً القانوني عادة ما يكون ثمرة تحرّك عناصر أوروبية و أمريكية معادية للسامية و كارهة لليهود ‏،‏ فتقدِم على تبنّي مواقف داعمة للعرب نكاية في اليهود و "إسرائيل" و يرون أن العرب يتحمّسون بسرعة و يعقدون المؤتمرات و الندوات ،‏ ثم  ما يلبث أن ينفضّ الحشد ذو الطابع الاحتفالي و هكذا ينتهي كل شيء ‏..‏ و يدلّلون على ذلك بعشرات القضايا و المناسبات مثل قضية قتل الأسرى المصريين‏ ،‏ و مذبحة صبرا و شاتيلا‏ ،‏ و محاكمة شارون كمجرم حرب‏ ... الخ ‏.