عندما يتحول الأطباء الصهاينة إلى معذبين
جمعة خليفة أبو جبل

قطع الأطباء رجله المصابة في أسفل الساق من الفخذ
لتحقيق أكبر قدر من الإعاقة
جنين – خاص
رغم أن قسم
"أبو قراط" الذي يؤديه كل أطباء الدنيا قبل ممارسة مهنة الطب يدعوهم
لمعالجة المريض بكل أمانة وإخلاص مهما كانت جنسيته أو عرقه أو دينه ،
إلا أن الدماء العنصرية التي تسري في عروق بعض الأطباء الصهاينة قد
أنستهم واجبهم الطبي عند علاج الفلسطينيين الذين تختطفهم القوات
الصهيونية من مصابين الانتفاضة أو مرضى السجون، وهذا ما حصل مع
المواطن جمعة خليفة أبو جبل الذي تركه الأطباء في مستشفى العفولة بعد
أن أصيب بعيار ناري في ساقه حتى تعفنت، ليتم قطعها من الفخذ لزيادة
إعاقته رغم إمكانية قطعها من الساق.
جمعة سعد
خليفة أبو جبل من مخيم جنين، بدأت رحلته هذه بعد إصابته أثناء اجتياح
مخيم جنين ، واعتقاله وتلذذ الجنود الصهاينة في سماع أناته في منطقة
"حرش السعادة" إلى قطع رجله وثم تحويله إلى السجن وتمديد اعتقاله عدة
مرات وصلت في مجموعها إلى خمسة عشر شهراً، رحلة طويلة من العذاب الذي
ذاقه على أيدي الأطباء والجنود الصهاينة على السواء، حتى إطلاق سراحه
قبل ثلاثة أشهر، فاقد لحريته بقيده الجديد، ولعمله بوضعه الحالي مع
الإعاقة، بدأ جمعة خليفة أبو جبل المولود بتاريخ 1/1/1967 بالحديث عن
قصته التي تعتبر صفحة من سجل كبير من الاعتداءات الصهيونية، التي
طوتها الأمم المتحدة بمنعها إرسال لجنة لتقصي الحقائق عن أحداث مجزرة
مخيم جنين.
إصابة لم أشعر بها:
يقول جمعة
الذي بدأ جبينه يتصبب عرقاً وهو يتذكر تلك الحادثة: إنه أصيب أثناء
اجتياح القوات الصهيونية لمخيم جنين، كان ذلك في يوم الجمعة الموافق
6/4/2002 أي في اليوم الثالث من الاجتياح الذي بدأ في 3/4/2002 ،
كان الرصاص منهمراً من كل مكان، وكنت أريد الانتقال من أحد المنازل
في حي الحواشين إلى بيت أخي خالد، وكان لزاما علي قطع شارعٍ للوصول
إليه، فانتظرت حتى هدأ إطلاق النار، يقول جمعة: فركضت مسرعاً لاختراق
الشارع إلى الجانب الآخر، وفجأة بدأت زخات الرصاص تنطلق نحوي لتسقطني
أرضاً، مع أنى لم أشعر بأي ألم يضيف جمعة، ولكن سمعت صوت شيء ما قد
انكسر!!، نظرت حولي وإذا بالدم ينزف من ساقي اليسرى، فبدأت أزحف إلى
الجانب الآخر، ثم وقفت على قدمي اليمني وبدأت أقفز والدماء مازالت
تنزف نتيجة تحريك قدمي التي لم يبقى لها إلا القليل من اللحم ليربطها
برجلي، وصلت إلى بيت شقيقي، وكانت هناك عقبة أخرى تواجهني، فلم تكن
طرقاتي المتواصلة كفيلة بفتح باب المنزل الذي هجره أهله، مما اضطرني
إلى تسلق الجدران و الدخول من فتحة الشباك التي بلغ ارتفاعها
المترين، واستلقيت بعدها على فرشة من الإسفنج داخل البيت واتصلت مع
بعض الأصدقاء لأخبرهم بما جرى معي وأطمئنهم على حالي، وفي محاولة
لوقف نزيف الدماء المتدفق الذي نال مني الكثير من الجهد قمت بوضع
كمية كبيرة من القهوة على الجرح ودخلت بعدها بحالة من الإغماء،
لاستيقظ على صوت أخي خالد الذي قدم لي العلاج اللازم والقليل من ماء
الشرب خشية تجدد النزيف.
"حرش السعادة" وجولة من التعذيب الوحشي:
بعد ثلاثة
أيام من الإصابة جاءت قوة كبيرة من الجيش الصهيوني لاقتحام المنزل
بحثاً عن الشخص الذي أصيب قرب المنزل قبل عدة أيام، بعد أن دلت
الدماء الموجودة على الجدار على مكاني، فقام الجنود بفتح الباب
بقنبلة دمرت أجزاء كبيرة منه واستخدام عدد من المواطنين كدروع بشرية
ليقوم الجنود بعدها بنقلي داخل دبابة إلى "حرش السعادة" الوقع على
مشارف مخيم جنين والذي تحول إلى ثكنة عسكرية، كان ذلك في الساعة
العاشرة ليلاً ، حيث فتشني الجنود بدقة، وأخذوا مني كل ما أملك من
نقود وهواتف نقالة، وباءت محاولاتي لإقناع الجنود والضابط الصهيوني
المسئول عن الأمن في مدينة جنين من قبل الصهاينة والمتواجد معنا
"الكابتن جمال" لنقلي إلى المستشفى لسوء حالتي الصحية باءت بالفشل ،
حيث أخبرني بأنه من سيهتم بحالتي الصحية!!، فجاءني أحد الجنود وهو
يبكي ويحمل صفحة من جريدة "إسرائيلية" كانت عليها صور القتلى
الصهاينة الأربعة عشر في كمين المخيم واخبرني: بأنكم قتلتم كل
أصدقائي وبدأ ومجموعة من الجنود بتعذيبي والتناوب على ذلك، بالقفز
على صدري عشرات المرات، لدرجة شعرت أن قفصي الصدري قد دمر نهائياً
بعد أن بدأت أسعل دماً، في حين قام بعضهم باستغلال رجلي المكسورة
كوسيلة للتعذيب بركلها بكل قوتهم وركلي على وجهي بأحذيتهم والوقوف
عليه وفرك أحذيتهم بجبهتي وأنفي، وكان يقطع صراخي الناتج عن الألم
الشديد حالات إغمائي المستمرة نتيجة التعذيب، واستمر الوضع على هذا
الحال لأكثر من خمس ساعات وحتى الساعة الثانية ليلا ً.
في مستشفى العفولة:
في الساعة
الثانية ليلاً تم نقلي إلى مستشفى العفولة حيث أجريت لي عملية جراحية
تم خلالها توصيل قدمي المبتورة بساقي بواسطة سيخ من البلاتين وكانت
نتيجة العملية الجراحية ناجحة إلا أن الأطباء منعوا عني الأدوية
والعلاج لما علموا أنى حضرت من مخيم جنين وأصبت خلال الاشتباكات، حيث
بدأت ملامح التلف تظهر على رؤوس أصابع رجلي وجاء أحد الأطباء ليخبرني
بضرورة قطعها، فوافقت على ذلك لما رأيته من تزايد مستوى التلف بشكل
كبير، ومع هذا أخروا موعدها أكثر من خمسة أيام، وكانوا يواجهون
إلحاحي بالإسراع بإجرائها بالقول: لم يأتي دورك بعد،مما زاد من حالة
رجلي السيئة، وعند إجراء العملية أخبرني بأن القطع سيتم من أسفل
الركبة ولكن لما استيقظت من العملية كان البتر من وسط الفخذ، ولم
تشفع لي إصابتي بالإفراج عني، بل حولوني إلى مستشفى الرملة التابع
لمصلحة السجون تمهيداً لنقلي إلى السجن لقضاء فترة اعتقال إداري لمدة
ثلاثة أشهر، وبعد قضاء المدة وفي موعد الإفراج تم استدعائي فكانت
فرحتي كبيرة لاعتقادي الحصول على ورقة للخروج من السجن ولكن كانت
المفاجئة أنه تم تمديد اعتقالي ستة أشهر أخرى، ومع التدهور الكبير في
حالتي الصحية الناتج عن إهمال مصلحة السجون لي ولكل المرضى طلبت من
الصليب الأحمر التدخل للإفراج عني أو توفير قدم اصطناعية لي ، فحصلت
على قدم اصطناعية من الصليب الأحمر. وقامت القوات الصهيونية بتمديد
اعتقالي ستة أشهر أخرى للمرة الثالثة على التوالي ليكون مجموع
الاعتقال خمسة عشر شهراً.
التعايش مع الإعاقة الجديدة:
يقول جمعة أبو
جبل: إن وقع خبر إصابتي لم تكن كبيرة على الأسرة، لأنه سرت في
البداية إشاعة باستشهادي خلال القصف لذلك كان خبر الإصابة خبر
مفرحاً جداً، أما أنا فاعتبر أن الإصابة جزء يسير من المقدم من أبناء
الشعب الفلسطيني في سبيل الله وتحرير أرضنا، وأسال الله أن تسبقني
رجلي إلى الجنة، وأضاف: ورغم أن نسبة الإعاقة في الرجل 65% إلا أني
أحاول التكيف معها بقدر الإمكان، ومع هذا فإن التنقل يشكل عبأ مالياً
كبيراً عليًّ لعدم القدرة عليه إلا بالسيارة، في وقت فقدت فيه عملي
نهائياً، ولكن الحمد لله فكل شيء من الله نعمة ونسأل الله الصبر.
|