|
قصة «خيالية» من صميم الواقع في فلسطين
إبراهيم
العابد
صحيفة
الوطن القطرية 31/12/2005
خرج شوارة
للمرة الأخيرة من بيته، خرج أخوه داود حوالي السابعة والنصف صباحاً
من بيته، سيراً على الأقدام، نحو أم طوبا، حيث يوجد هناك أحياناً عمل
عرضي بالبناء أو الزراعة، يتحدث داود بأنه بعد ساعة قصيرة قدِمت
سيارة جيب لحرس الحدود الإسرائيلي أوقفه رجالها وسائر العمال، وعددهم
ستة، خرجوا من القرية، لم يكن لأحدهم تصريح عمل في "إسرائيل"،
أوقفوا، وأُخذت منهم بطاقات هوياتهم وأمرهم أفراد شرطة حرس الحدود
بأن يسيروا نحو محطة الشرطة في أم طوبا، بجوار دير مار إلياس.
بعد ذلك بوقت
ما جاء أيضاً محمود شوارة، يركب بغلته، خرج هو أيضاً للبحث عن عمل،
كعادته كل صباح، أوقفه أفراد حرس الحدود أيضاً وأرسلوه إلى محطة
الشرطة أيضاً، وهناك أمرهم أفراد الشرطة بأن يمضوا إلى محطة الشرطة
«موريا» في تلبيوت، يتحدث داود بأنه بعد أخذ ورد أركبهم أفراد حرس
الحدود سيارة الجيب وأخذوهم بالسيارة إلى المحطة، رفض محمود ركوب
سيارة الجيب زاعماً أنه لا يستطيع ترك البهيمة وحدها في المكان، لقد
خاف أن تضل أو أن تُسرق، لم يمض وقت طويل على شرائه إياها حتى إنه لم
يقض بعد سداد ثمنها، ثار جدل، لكن أفراد حرس الحدود لم يستعملوا أي
عنف بمحمود، كما يشهد أخوه داود.
نُقل داود في
سيارة الجيب وبقي أخوه خلفه مع البغلة ومع قوة حرس الحدود التي بقيت
معه، في قسم التحقيق الشرطي يصدقون أفراد حرس الحدود الذين يزعمون
أنهم أطلقوا محمودا ليمضي في طريقه بعد أن رفض ركوب سيارة الجيب،
ويجب أن نقول إن هذا مشهد نادر جداً في المناطق، يكاد يكون هاذياً،
فهل يرفض فلسطيني ركوب سيارة جيب لحرس الحدود ثم يُطلق سراحه بغير
شيء؟ يصعب التصديق قليلاً.
بعد تحقيق
قصير وبعد أن وقع على التزام ألا يدخل أم طوبا مرة أخرى، أُخذ الأخ
داود مع سائر العمال الذين أُلقي القبض عليهم من محطة الشرطة في
تلبيوت إلى «ممر راحيل» الجديد عند مدخل بيت لحم وهناك أُخلي سبيلهم،
لم يرَ داود أخاه بعد ذلك، منذ أن ودعه في أم طوبا، عندما عاد إلى
قريته نعمان، في حوالي 12.30 عند الظهيرة، لم يجد محمود، إنها قرية
صغيرة، سكانها 170، فيها قتيل واحد حتى الأسبوع الماضي، بيوت حجرية
عند شفير وادي الزيتون الرائع الجمال في الشرق، وبيوت مستوطنة جبل
أبو غنيم في الغرب، وأبناء قبيلة التعامرة.
في الساعة 16
رأى الجار محمد حمدان البغلة مسرعة، تثير من ورائها غباراً ساطعاً،
لقد أسرعت في الطريق المنحدر إلى أم طوبا، والذي تغطي أكوام القمامة
جانبيه، نحن نمشي الآن سيراً على الأقدام من نعمان إلى أم طوبا، في
المسار الذي جرت في بعضه على الأقل البغلة، إنه طريق حجري، البعد بين
المكان الذي أوقف فيه محمود وبين المكان الذي اكتُشف فيه مربوطاً إلى
بغلته هو عدة مئات من الأمتار، البعد بين المكان الذي شوهد فيه لآخر
مرة، نقطة الشرطة في أم طوبا، وبين المكان الذي وُجد فيه جريحاً مقيد
اليدين لا يزيد هو أيضاً على كيلومتر واحد أو كيلومتر ونصف، المدة
الزمنية هي نحو ست ساعات ونصف، من 9.30 صباحاً إلى 16، وفيها لا يعرف
أحد على وجه الدقة ما حدث.
يبحث حمدان
الآن عن بقع الدم على مسار البغلة، لكن المطر غسل كل شيء كما يبدو،
لم يرَ على جسم شوارة جروحاً وراء الملابس، فقط في الجهة اليسرى من
رأسه الذي كان مهشماً، لقد كان مقيد اليدين مربوطاً بحبل أسود من
الليف إلى البغلة، هنا أوقفها آخذاً بلجامها، في منحدر الطريق
المائل، رأى العمال أيضاً في مخزن مواد البناء المجاور المشهد، صاحب
العمل، أحمد أبو طير، استدعى سيارة الإسعاف، يقول إنه رأى شوارة
مربوطاً إلى البغلة، لكنه خاف الاقتراب.
على سلسلة
الجبال يجلس الرجال بنظرة حزينة وينتظرون سيارة الإسعاف التي ستأتي
بالجثة من هداسا، وتجلس النساء بلباسهن الأسود في ظل بيت الميت
ويندبن، يُعلق شبان أعلام فلسطين على سقوف المنازل وعلى جدار المقبرة
عند أطراف القرية.
وهنا تبدو
قافلة السيارات صاعدة من الوادي، تتقدمها سيارة الإسعاف الفلسطينية
بأضواء حمراء خفاقة، تراقب سيارة جيب للجيش الإسرائيلي من البعيد،
وهي تقف في الشارع الأمني الذي شُق على امتداد سور الفصل الآخذ في
الانبناء كـ «غلاف القدس»، لا أحد يعلم في القرية أين تمر هنا الحدود
بالضبط بين «المناطق» وبين «القدس»، نعمان وأم طوبا داخل السور، كجزء
من القدس، ولكن جميع سكان نعمان تقريباً لا يملكون بطاقات هوية
زرقاء، وهو شيء يجعلهم ماكثين غير قانونيين في أرضهم وضحايا تنكيل
يومي من حرس الحدود، أم طوبا المجاورة أيضاً هي من «القدس»، وليس
جميع سكانها أيضاً يملكون بطاقات هوية زرقاء.
يمسح أحد
الرجال بجانبي دمعة، تُخرج الجثة من سيارة الإسعاف إلى داخل البيت،
في الداخل يكشفون عن وجه الميت، وهو وجه فلاح ذي شاربين، ممزق،
ويغطونه فوراً، المنظر صعب، يطلب المحامي ابن القرية، داود درعوي،
الذي يعمل في الفرع الفلسطيني من رابطة حقوق الطفل (دي، سي، آي) في
رام الله، تحقيقاً دولياً في أسباب الموت، «يفعلون هنا ما فعل البيض
بالهنود الحمر في أميركا»، يقول:
إنه يتحدث عن
حالتين مشابهتين: في قرية مجاورة، هي دار صلاح، صدم أفراد شرطة حرس
الحدود بسيارتهم الجيب حماراً كان يركبه وليد عمية وأسقطوه أرضاً،
لقد نجا، وفي وادي الحمص المجاورة ربطوا مأمون أبو علي إلى حماره
وحاولوا أن يطلقوا الحمار على وجهه، وقد نجا هو أيضاً، وسنصل إليه،
يقول درعوي إنه منذ نحو شهرين وحرس الحدود في المنطقة ومنذ ذلك الحين
كثرت حوادث التنكيل بالعمال الذين يحاولون الخروج للعمل في القرية
المجاورة، «تعالوا مرة في الخامسة صباحاً لتروا ماذا يحدث هنا في كل
يوم مع حرس الحدود»، يقول المحامي، لقد قدمت عائلة محمود شوارة كما
أسلفنا القول شكوى إلى قسم التحقيق الشرطي.
يقول ناطق
وزارة العدل، يعقوب غلنتي، في هذا الأسبوع، باسم قسم التحقيق الشرطي
«تبين من التحقيقات التي أجريناها، منذ لحظة تلقي الشكوى إلى يوم
الجمعة الماضي بعد الظهر، أنه لا توجد صلة بين نشاط حرس الحدود وبين
جرح الرجل وموته، يبدو أنهم حذروه البغلة ألا يركبها، كانت تلك بغلة
متوحشة، يبدو أنه ركبها، وربط نفسه بها، وربما سقط»، هل استُنفد
التحقيق؟ وعد غلنتي بالفحص وبتحديث العِلم بذلك، بعد ساعة قصيرة
«الآن لم يتجدد الكثير، لم ننجح في أن نصل إلى شهادة واحدة تصل حرس
الحدود، سنكون سعداء إذا ما حصلنا على شهادات أخرى، في هذه الأثناء
لا يستطيع أحد أن يشير إلى صلة ما بين أفراد شرطة حرس الحدود وبين
الحادثة»، نذكر هنا أن العائلة عارضت إجراء تشريح بعد الموت، ولم
يحاولوا في قسم التحقيق الشرطي التوجه إلى المحكمة لتأمر بإجراء
التشريح.
في هيكل مبنى
آخذ في الانبناء في حي الدوحة جنوبي بيت لحم يعمل العامل مأمون أبو
علي، في يوم الثلاثاء من هذا الأسبوع عثرنا عليه، هو أعزب في
العشرين، بسّام، وما يزال يحمل ندوب لقائه بحرس الحدود في وادي
الزيتون عند منحدرات نعمان، أبو علي هو ابن القرية المجاورة
العبيدية، في أحد أيام شهر رمضان الأخير، قبل نحو شهرين، خرج من بيته
راكبا حماره، في طريقه إلى وادي الحمص المجاورة، لشراء دجاجة لوجبة
الفطور من ملحمة شاهر.
كان ذلك ساعة
الظهيرة، فجأة عرضت له سيارتا جيب لحرس الحدود، «إلى أين تمضي؟»،
سألوه فرد أبو علي «لشراء دجاجة»، فحص أفراد شرطة حرس الحدود عن حِمل
الحمار وبعد ذلك عن بطاقات أبو علي، ماكث غير قانوني، ضبطناك، أخذوا
بلجام الحمار وقيدوا به يدي أبو علي وراء ظهره، وأضجعوه على بطنه،
ووجهه إلى الأرض، اعتاد أفراد شرطة حرس الحدود أكثر من مرة، «أن
يعاقبوا» الماكثين غير القانونيين الذين يُلقون القبض عليهم، يتحدث
أبو علي بأنهم وضعوا حجر طوب على ظهره وعندها ضربوا الحمار ليبدأ
سيره.
حمار أبو علي
حمار عنيد هرِم، ربما يكون من ذلك النوع الذي لا يسمع سوى أوامر
صاحبه، ورفض أن يتحرك، يقول أبو علي أيضاً إنه جذب بيديه المقيدتين
من الخلف الحمار لئلا يتحرك، لا يصعب أن نُخمن ماذا كان سيحدث لو أن
الحمار هب منطلقاً، ووجه أبو علي المقيد إلى الأرض، في مرحلة ما
أيضاً وقف أحد الجنود على ظهر أبو علي، وإحدى رجليه على جسمه والأخرى
على حجر الطوب، ليضغطه.
يقول أبو علي
إن التنكيل استمر نحو ربع ساعة، في النهاية يئس أفراد شرطة حرس
الحدود من أن يُحركوا الحمار العنيد وأمروا أبو علي أن يهب واقفاً،
كانوا يتحدثون العربية، أفراد حرس الحدود، يقول إن أحدهم غطى عينيه
بيديه من الوراء وضربه صديقه بحجر على وجهه، ما يزال في الجانب
الأيمن ندب تحت شفته، بعد ذلك هددوه أنه «إذا ما تجول مرة أخرى في
المنطقة فسيقتلونه»، وهكذا أُخلي سبيله.
لم يقدم أبو
علي شكوى إلى قسم التحقيق الشرطي، لقد أراد أن يشكو إلى الشرطة
الفلسطينية لتنقل شكواه، لكن الشرطي في قريته منعه من ذلك حسب قوله
وقال له «الناس تُقتل هنا، احمد الله أنك حي صحيح».
«تعالوا نقُل
للعالم ماذا يفعلون بنا، وتحت أي احتلال مقزز نعيش»، يؤبّن محمود
شوارة الميت أحد وجهاء القرية، توشك الجنازة أن تنفض بهدوء، في ظل
أشجار الزيتون، عند طرف القرية، على شفير الوادي، تقف البغلة، مربوطة
إلى الشجرة، إنها بغلة بنية، قوية، عندما نقترب منها لنصورها، تُظهر
علامات الذعر، وتحوّل رأسها جانباً، وترجع إلى الوراء.
هنا انتهى
كلام جدعون ليفي مراسل صحيفة «هآرتس».. ترى ماذا تقول منظمات حقوق
الإنسان وماذا يمكن أن تفعل؟ وهل يمكن قبول مثل هذه الممارسات من قبل
دولة تُصنَّف بين الدول «الديمقراطية» في العالم؟
|