الذاكرة الحمراء
خيري منصور
صحيفة الخليج
الإماراتية 20/2/2004
في رواية
تراوح بين المضحك والمبكي، استذكر شارون قبل أيام رحيل ابنه قبل سبعة
وثلاثين عاماً، برصاصة طائشة رغم أن العام كان عام حرب، والطفل ابن
الحادية عشرة لم يكن قد تعرف بعد إلى والده الجنرال، وقد يكون الرب
قد أعتق هذا الطفل من سيرة دموية تورطه مع أبيه إلى الأبد.
يقول شارون
إنه تشاغل عن الحزن بوفاة ابنه بالاستغراق في العمل العسكري الذي لم
يكن بعيداً عن السياسة. ففي الدولة العبرية قد تكون وزارة الزراعة
مثلاً والتي شغلها شارون وحمل حقيبة متفجراتها الاستيطانية مجرد اسم
حركي لوزارة الحرب.
والمفارقة،
هنا ليست في استذكار شارون لابنه، بقدر ما هي تجاهله لأحزان الآخرين
ولآلاف الثواكل والأيتام والأرامل، فالطغاة لهم سايكولوجيا فريدة، لا
تتلخص فقط في وهم الأبدية والخلود، بل تتجاوز ذلك إلى إنكار حق
الآخرين في الألم. وفي أيديولوجيا كالأيديولوجية الصهيونية يتصدر
احتكار الألم، واحتراف قناع الضحية وأنينها القائمة.
وقد يرى
البعض في حزن شارون على ابنه أمراً غريباً، ولا يليق بقاتل محترف
مثله يلذّ له أن يرى الدم في كل لحظة. وحقيقة الأمر أن الحيوانات
الشرسة أكثر تعلقاً بأبنائها لاعتقادها بضرورة استمرار السلالة.
لهذا قد يكون
الجنرال قد أحب أبناءه بالفعل وشعر بالحزن بسبب فقدان أحدهم في سن
الحادية عشرة، لكنه حزن غير نبيل على الإطلاق لأنه من إفراز أنانية
مجنونة، وغريزة تملك لا تفرق بين حب الآخرين من أجلهم وحبهم من أجل
تسمينهم كالخراف ثم التهامهم بعد الذبح! كم طفلاً عربياً قضى على
أيدي الجنرالات وجنودهم طوال نصف قرن؟
وكم هم
الآباء العرب الذين فقدوا أطفالهم في مدرسة بحر البقر المصرية، عندما
امتزج الدم بالحبر، وغرقت الممحاة الصغيرة المقضومة في الدم؟
ما من حاسوب
يستطيع أن يحصي عدد الأطفال والبالغين ممن قتلهم الجنرال العطوف على
أبنائه، وإن استطاعت الحواسيب إحصاء عدد القتلى فهي ستعجز حتماً عن
إحصاء الدموع والأحزان.
حلال عليه
استذكار ابنه الميت، وحرام على الآخرين ذلك، لأن القانون الجديد الذي
كتب على الماء والهواء بعظام الموتى المفرغة من النخاع هو يحق للقوي
ما لا يحق لغيره ويحق لمن يملك السلاح ما لا يحق للأعزل.
ولم نكن نعلم
من قبل أن شارون يبكي أو أن له غدة دمع كسائر البشر، لكنه وقد اعترف
بذلك، أثار شهيتنا من جديد على طرح أسئلة لا تطرح على أمثاله لأنها
ستبدو مثيرة لسخريته، ما دام المقصود بالموت هو موت "الجوييم" أو
الآخرين من غير اليهود.
نعرف أن
غرائز الحيوان الأعجم هي ما تقتاده إلى الماء ورائحة الطعام مثلما
تقتاده إلى الفرار كي ينجو بجلده، ونعرف أن أنثى الثعلب أو الضبع لا
ترضى بالنمر أو الأسد بديلاً لذكرها، لأنها خلقت له، وقد يفتنها به
حتى أسوأ ما ابتلي به من خصال ومراوغة ورائحة منفّرة حتى للحجارة.
فهل ذكّرت
الطفلة "إيمان" الجنرال بابنه الذي مات برصاصة طائشة قبل سبعة
وثلاثين عاماً؟ وهل ذكرت المهود الطائرة التي ينزف الدم من مسامات
خشبها بحقيقة الموت، والحرمان والثكل؟
الأرجح أنها
لم تفعل ذلك، لأن ذاكرته مثقلة بالدخان، وغائمة، ولا يبدو من قعرها
إلا تلك اللحظات التي استطالت فيها أظفاره لأنها أتخمت من الدم.
ولو كنا في
مطلع أبريل/ نيسان لقلنا إن بكاء شارون هو النكتة السوداء التي يفتتح
بها ربيع عبري كاذب، لكننا في فبراير/ شباط، بكل ما يعنيه من هواء
واضطراب وتقلبات جوية، لهذا فلن نتعامل مع هذه الحكاية باعتبارها
طرفة، إنها فضيحة، لأب لم يكن جديراً بأن يكون أباً لأحد غير نفسه،
بحيث يحبل بها ويلدها.. لأن أمثاله يتكررون على الوتيرة ذاتها ولا
يردعهم الموت إن لم يكن موتهم الشخصي، ولا يعرفون معنى للألم إن لم
يكن صادراً عن لحمهم وعظمهم.
عشرات الآلاف
من الآباء والأمهات العرب سيجدون أنفسهم غارقين في البكاء حدّ الضحك،
أو في الضحك حتى البكاء، وهم يقرأون ما يحس به شارون إزاء ابنه الذي
مات برصاصة طائشة بعيداً عن حرب يونيو/ حزيران. والأرجح أن قاتله
يهودي كان يعبث ببندقيته أو يحاول تجريبها فأصاب الهدف.. أو ربما
أخطأه وهو لا يدري.
لم يقل لنا
شارون ما الذي فعله بقاتل ابنه عن طريق الخطأ؟
لكنه لم
يمانع على الإطلاق في تحويل ابنه الطفل إلى رصاصات بشرية يحشو بها
رأس جندي يهودي أصيب بالعمى.
ومن يدري؟
لعل شارون أراد بهذه الحكاية الرومانسية التي لا يليق بغلظته
وواقعيته البرغماتية أن يجعل العالم يبكي معه، ويعتذر له عن رصاصة
طائشة أصابت ابنه، لأن الخجل لحق بالعدالة وخرج الاثنان من عصرنا إلى
عالم آخر نجهله.
وفي زمن تبكي
فيه التماسيح، وتتظاهر الثعابين بالعطف على العصافير، يصبح الخجل
لاجئاً، والعدل نازحاً والحق معتقلاً في زنزانة.
|