الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

"إسرائيل" تسرع تنفيذ المرحلة الثانية من تهجير الفالاشا

 

جعفر هادي حسن

صحيفة الحياة اللندنية 7/5/2005

 

هجّرت "إسرائيل" في نهاية القرن الماضي مجموعة كبيرة من فالاشا أثيوبيا الذين ادعوا أنهم يهود. ويبلغ عدد هؤلاء اليوم في "إسرائيل" نحو مئة ألف. واتخذت الحكومة الإسرائيلية هذه السنة قراراً بتعجيل نقل مجموعة أخرى تسمى «فلاش مورا» بعدما كانت تنقل منهم بضع مئات كل شهر خلال التسعينات ليصل عدد من نقل منهم إلى "إسرائيل" إلى 25 ألفاً.

 

ويأتي قرار تهجير هؤلاء بعد مؤتمر هرتسيليا الأخير الذي تحدث فيه رئيس الوكالة اليهودية عن تناقص عدد اليهود في العالم وتناقص عدد المهاجرين إلى "إسرائيل"، خصوصاً من دول الاتحاد السوفياتي السابق.

 

ويطلق على هؤلاء «فلاش مورا» تمييزاً لهم عن بقية الفلاشا الآخرين. ولا يعرف على وجه الدقة معنى كلمة «مورا» وإن كان من المحتمل أنها تعني المتحول عن دينه في لغة شعب «الاغوا» الأثيوبي.

 

و"الفلاش مورا» ليسوا يهوداً ولا يمارسون اليهودية، بل - كما يقولون - هم مسيحيون. فهم يمارسون العقيدة المسيحية ويتعبدون بها، وغالبيتهم متزوجون من مسيحيات من الفئات المسيحية الأخرى، ويضعون صورة السيدة مريم في بيوتهم ويعلقون الصلبان في قلائدهم، والكثير منهم يشم جبهته بعلامة الصليب، بل إن بعضهم قساوسة على المذهب المسيحي الأرثوذكسي.

 

لكن هؤلاء يدعون أنهم من أحفاد الفلاشا الأثيوبيين الذين حولهم المبشرون الأوروبيون إلى المسيحية منذ منتصف القرن التاسع عشر. وكان عدد من المبشرين الأوروبيين وفدوا في تلك الفترة إلى أثيوبيا لتنصير الفلاشا، خصوصاً بعدما علموا بوجودهم، وجاء هؤلاء من أكثر من بلد أوروبي، وقاموا بنشاط مكثف. ولولا مجيء الموفدين اليهود لإيقاف هذا النشاط وإبطائه بتشجيع الفلاشا على البقاء على معتقدهم وتقديم المغريات لهم لتنصر الغالبية العظمى منهم. وكانت "إسرائيل" وعدت هؤلاء في التسعينات بتهجيرهم، فنقل الآلاف منهم إلى غوندار وأديس أبابا واسكنوا في مخيمات ترعاهم بعض المنظمات اليهودية والمؤسسات المسيحية الصهيونية بالتعاون مع الوكالة اليهودية. وأنشئت لهم بعض المدارس تدرسهم الديانة اليهودية واللغة العبرية ويتعلمون طريقة العيش الحديثة فيها وتعرض لهم أفلام عن "إسرائيل" وعن الحياة فيها. ويقدر عدد الذين تريد "إسرائيل" تهجيرهم بعشرين ألفاً وسيضاعف عدد من ينقلون شهرياً ليكتمل نقلهم في صيف العام 2007.

 

وبعض الأثيوبيين منزعجون من نقل مواطنيهم إلى "إسرائيل" ويعتبرونه عملاً مدمراً لتاريخ أثيوبيا وتراثها ويقولون: «لو كانت "إسرائيل" تريد مساعدة هؤلاء حقاً لساعدتهم وهم في بلادهم».

 

وتبرر وزارة الخارجية تهجير هؤلاء على دفعات بقولها: إن "إسرائيل" لا تريد أن تهجر «الفلاش مورا» دفعة واحدة حتى لا تحرج الحكومة الأثيوبية بتهجير مواطنيها! وقد ارتفعت أصوات داخل "إسرائيل" تعترض على جلب هؤلاء. وكان من المعترضين حاخامون يرفضون علاقة هؤلاء باليهودية ولا يعترفون بها. كما اعترض بعض أعضاء الكنيست أيضاً، بل إن بعض المسؤولين في "إسرائيل" اعترض على جلب عدد كبير من المسيحيين لأن هذا في نظرهم يضر بتركيبة المجتمع الإسرائيلي وغالبيته اليهودية. بل إن بعضاً من الفلاشا أنفسهم رفضوا أن يهجر هؤلاء إلى "إسرائيل" وأنكروا عليهم ادعاءهم وقالوا عنهم إنهم أناس مرتدون يريدون أن يهربوا من حياة الفقر والعوز التي يعيشونها. ولكن رئيس الوكالة اليهودية دافع عن قرار الحكومة وقال عنه إنه قرار صحيح من وجهة نظر إنسانية ويهودية وصهيونية، مشيراً إلى أنهم يهجرون وفق مواصفات خاصة، وهو هنا يشير إلى أن هؤلاء لا يهاجرون طبقاً لقانون العودة المعروف وإنما طبقاً لقانون شرعته "إسرائيل" يسمى «قانون جمع الشمل».

 

وقال أحد المسؤولين «سواء كان هؤلاء يهوداً أو غير يهود فإنهم سيتحولون إلى اليهودية عند وصولهم». واليهودية التي سيتحول إليها هؤلاء هي اليهودية الأرثوذكسية التي تفرض عليهم ولا يعطون خياراً لاختيار مذهب يهودي آخر. وكان بعض الفلاشا و«العبرانيون الإسرائيليون» (وهم من الأفارقة الأميركيين) قد رفضوا اعتناق المذهب الأرثوذكسي.

 

وطبقاً لقانون «جمع الشمل» هذا هاجر عشرات الآلاف من الروس الذين هم ليسوا يهوداً ولم يدعوا أي صلة باليهودية، وقد أصر هؤلاء على بقائهم على عقيدتهم المسيحية، وهم اليوم مجموعة كبيرة لها ثقافتها وطريقة حياتها التي تتميز بهما عن بقية الروس الآخرين، وان الكثير منهم يسكنون في أماكن خاصة بهم، ولهم كنائسهم ومراكزهم الثقافية ولهم محلاتهم التي تبيع ما هو محرم على اليهود مثل لحم الخنزير.

 

ويأتي تهجير هؤلاء على رغم المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها الفلاشا في "إسرائيل". ففي آخر إحصاء عن نسبة الفقراء بينهم تبين أن هناك 60 في المئة منهم من يعدون من الفقراء، كما أن نسبة البطالة بينهم تعتبر أعلى نسبة في "إسرائيل"، كما أن الأجور المنخفضة هي ظاهرة عامة بينهم، أما عدد حالات الانتحار فنسبتها هي الأعلى بين شرائح المجتمع الإسرائيلي. وأخذ بعضهم، ومنذ سنين، يرفض الثقافة الإسرائيلية ويتجه نحو الثقافة الأفريقية والكاريبية احتجاجاً على التفرقة ضدهم. ومنهم من أخذ يعود إلى تعلم لغته الأصلية واستعمال العلم الأثيوبي كرمز للاحتجاج، وأخذت تحدث بعض حالات التهرب من الخدمة في الجيش الذي كان في السابق مثلهم الأعلى وأقصى ما يطمحون إليه هو الخدمة فيه.

 

وفي استطلاع حديث عن ظاهرة العنصرية بين فئات المجتمع الإسرائيلي قال 43 في المئة من الإسرائيليين إنهم يرفضون الزواج من الفلاشا ولا يريدون لأبنائهم أن يتزوجوا منهم.

 

وتهجر "إسرائيل" إلى جانب «الفلاش مورا» مجموعة أثيوبية أخرى تسمى «قوارا» من شمال شرقي أثيوبيا، وهؤلاء يدعون أنهم يهود، وقد وصل منهم إلى "إسرائيل" حتى اليوم بضعة آلاف، ومن ضمن هؤلاء مجموعة أخرى انضمت إلى «القوارا» تسمى «غوفر"، كان هؤلاء يشترونهم عبيداً من الأمهرة ويتخذون من نسائهم سرّيات ويحولونهم إلى عقيدتهم ويعتبرونهم جزءاً منهم، وهؤلاء يتميزون عن بقية الأثيوبيين بلونهم الداكن وسواد سحنتهم.

 

ويبدو أن تهجير هؤلاء لن يكون الأخير من أثيوبيا، فقد وجدت صحيفة «جيروزاليم بوست» في تحقيق لها في أثيوبيا أن هناك الآلاف من هؤلاء ممن لم يحصهم ممثلو الحكومة الإسرائيلية، ممن يعيشون في قرى نائية ويريدون الهجرة إلى "إسرائيل". وتقول الصحيفة إنه في بلد يصل عدد سكانه إلى 65 مليوناً، فإنه من المحتمل أن يكون هناك مئات الآلاف من هؤلاء. وعلق أحد المسؤولين في "إسرائيل" على احتمال هجرة أعداد كبيرة من هؤلاء بقوله: «إن إمبراطور أثيوبيا السابق (هيلاسيلاسي) كان ادعى أنه من سلالة سليمان، فما بالك في بقية الأثيوبيين وما الذي يمنعهم من ادعاء الأصل اليهودي إذا كانوا يريدون الهرب من الفقر».

 

وإلى جانب تهجير الأثيوبيين هناك خطط إسرائيلية لتهجير الآلاف ممن يسمون «بني منسه» وهؤلاء هم قبائل تعيش على طرفي الحدود بين الهند ومينامار (بورما)، وقد ادعى بعض الحاخامين في "إسرائيل" أن هؤلاء هم من القبائل اليهودية الضائعة، وهجرت "إسرائيل" بضع مئات منهم حيث سكنوا المستوطنات. وقد أرسل بعض المندوبين من "إسرائيل" لتهيئة هؤلاء للهجرة إليها.

 

والبحث عما يسمى القبائل الضائعة يمتد من القارة الأميركية إلى أفريقيا وآسيا، وأخذ هذا النشاط اليوم يركز على بعض القبائل والجماعات المسلمة، خصوصاً تلك التي تسكن الحدود الأفغانية - الباكستانية بحجة أن هؤلاء من أصول يهودية. وقد ازدادت هذه النشاطات بعد 11 أيلول (سبتمبر) وهي نشاطات مريبة وخطرة.

 

ولكن القرار الذي سيفتح الباب على مصراعيه لهجرة القاصي والداني إلى "إسرائيل" هو ذلك الذي أعلنت عنه الوكالة اليهودية بقبولها هجرة من يسمون اليهود بالاختيار، وهؤلاء هم أناس لا يمتون إلى اليهودية بنسب ولكنهم تحولوا أو يتحولون إليها.

 

ويبدو أن "إسرائيل" تريد بهذا أن تعوض عن مصادر الهجرة التقليدية التي بدأت تجف منابعها ويتوقف تدفقها، وهي اليوم تبدو وكأنها تسابق الزمن بسبب الهاجس الديموغرافي الذي يؤرقها ويخيفها.

 

و"إسرائيل" كما هو معروف تنظر إلى زيادة السكان على أنها مصدر قوة وهدف استراتيجي بعيد المدى والغايات، فبزيادة سكانها تؤكد وجودها كدولة يهودية، ويزداد نفوذها وتأثيرها في المنطقة، كما أنها ستكون أكثر تشدداً في موقفها مع العرب عموماً والفلسطينيين خصوصاً. وأما المشاكل التي تواجهها كمشاكل الفلاشا ونسبة الفقر التي تصل إلى 25 في المئة منهم، فإن المسؤولين في "إسرائيل" يرون فيها مشاكل عابرة ومؤقتة ستزول بتغير وضع المنطقة في المستقبل.

 

ولكن يبقى السؤال المهم وهو إذا استمرت "إسرائيل" على هذه الوتيرة في جلب هذه الأعداد الكبيرة التي تملأ بها الأرض، فكم إذن ستكون مساحة دولة فلسطين وما حجمها إن أريد لها أن تقوم؟ ربما لا يعرف الجواب على هذا السؤال إلا المسؤولون الإسرائيليون.

 

أكاديمي عراقي - لندن