الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

في معنى الإرهاب اليهودي؟!

 

فرج أبوالعَشّة

صحيفة الشرق القطرية 25/8/2005

 

بعدما قام مستوطن إرهابي بقتل أربعة عمال فلسطينيين، وجرح آخرين، سارع شارون إلى إدانة الجريمة بلغة صريحة صارمة، إذ وصفها بأنها: "إرهاب يهودي". فماذا كان منتظراً من أبي مازن "رئيس دولة فلسطين"؟! سارع أبو مازن بدوره إلى إدانة الجريمة، لكنه لم يصفها بأنها إرهاب يهودي أو إسرائيلي، إنما دعا الفلسطينيين إلى ضبط النفس، وعدم إعطاء أية أعذار أو مبررات تؤدي إلى وقف الانسحاب من قطاع غزة.

 

أعرف ويعرف كل الفلسطينيين، وجموع العرب، أن وصف شارون للجريمة بأنها: "إرهاب يهودي" ليس، بأي حال من الأحول، تعبيراً عن تسونامي أخلاقي ضرب فجأة ضمير جزار صبرا وشاتيلا، فجعله يتحول، بقدرة قادر إلى إنسان وديع، يتقمص وداعة أحد حملان مزرعته الخاصة. كل ما في الأمر أن الإرهابي العتيق احتكم إلى الخبث الصهيوني (حتى لا أقول الخبث اليهودي إياه منذ بني قريضة) لتوظيف ما ارتكبه إرهابي يهودي، بطريقة فردية، أضرت بسمعة إرهاب دولته الرسمي. فشارون، شارب الدم في مراهقته، قال ما قاله من باب الاستهلاك الإعلامي الخارجي، لمقتضيات الدعائية الصهيونية لإظهار "إسرائيل" دولة ديموقراطية محبة للسلام، ومحاربة للإرهاب، وإظهار شارون في صورة "رجل السلام" الذي لا يتوانى عن وصف عمل إرهابي يقوم به إسرائيلي على أنه: "إرهاب يهودي" صراحة. وهو ما يعطيه مطلق الحق في استخدام تعبير: "الإرهاب الإسلامي" في وصف كل عمل جهادي تقوم به المقاومة الفلسطينية. أما ما تقوم به "إسرائيل" من إرهاب دولة رسمي، ضد الشعب الفلسطيني، فإنه "عدالة" دولية مشروعة في سياق: "الحرب على الإرهاب". لذلك، من الطبيعي، أن يدين ملك الإرهاب العظيم، ما قام به إرهابي صهيوني وضيع، لأنه عمل يسيء إلى ما يقوم به هو من إرهاب شمولي على نطاق واسع، يطول البشر والحجر والشجر. وإذا كان الإرهابي اليهودي، الذي قتل بعض الفلسطينيين في "شفا عمر" قد نفذ فيه الفلسطينيون حكم القصاص فقتلوه في الحال، كما قتل مصلو الحرم الإبراهيمي الإرهابي اليهودي باروخ شتاين، عام 1994، بعدما فتح نيران رشاشه على نحو ألف من المصلين المسلمين في الحرم الإبراهيمي، فقتل 29 وجرح 129 آخرين، قبل أن يُضرب حتى الموت على أيدي المصلين، وهو يُعتبر قديساً في نظر اليهود المتطرفين؛ فما مصير الإرهابي اليهودي، الذي قبضت عليه القوات الإسرائيلية بعدما قتل أربعة عمال فلسطينيين وجرح آخرين، في الضفة الغربية مؤخرا؟! أي محكمة منتظرة له، وأي عقوبة تعادل جرمه الفظيع؟!هل سيحكم عليه بالمؤبد عديد المرات كما حُكم على مئات الفلسطينيين دون أن يكونوا قد ارتكبوا ما ارتكبه؟! أم سيجد له القضاء الصهيوني تخريجة خبيثة على جاري عادته؟! والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، منذ تأسيس الدولة الصهيونية، حيث كان آباء "إسرائيل"، المؤسسون الأوائل، إرهابيين قتلة، بعضهم كان مطلوباً للعدالة في بريطانيا، مثل شامير وبيغن. أما صغار الإرهابيين اليهود، الكثيرون جداً، الذين ارتكبوا مجازر بحق الفلسطينيين، منذ تأسيس الدولة الصهيونية، فقد كان القضاء الصهيوني يجد لهم الأعذار المبرًّرة لجرائمهم، والأحكام المخفَّفة، إلى درجة أن يعاقب أحدهم، بدفع غرامة مالية مقدارها قرش واحد لا غير جزاء لقتله فلسطينياً. أو أن يقرر أطباء صهاينة بأنه مريض نفسياً، كما في حالة المستوطن ألن جودمان، وهو أمريكي مهاجر حديثاً إلى "إسرائيل"، اقتحم الحرم القدسي، مرتدياً بزته العسكرية، متنكباً سلاحه الرشاش، ليقتل اثنين من المصلين ويصيب تسعة. والتشخيص نفسه طال الجندي اليهودي نوعام فريدمان، أحد أعضاء حركة كاخ الإرهابية، الذي فتح النار من رشاشه على فلسطينيين في سوق الخليل، العام 1997، فأصاب7 بجراح، فكان جزاؤه الإبقاء عليه في إحدى المصحات النفسية الراقية لبعض الوقت، ثم أطلق سراحه.

 

وهذه ليست سوى أمثلة بسيطة عن سجل الإرهاب اليهودي الدموي الذي يرتكبه يهود بدم بارد. دع عنك سجل منظمات العصابات الإرهابية، مثل بار يورا وهشومير والهاغانا واتسل والأرغون، الشهيرة بمجازرها الجماعية بحق الفلسطينيين مند بداية القرن العشرين، مثل دير ياسين وكفر قاسم، وغيرهما كثير.

 

والخلاصة أن روح العصابة الإرهابية الإجرامية أصبحت هي روح الدولة الصهيونية، وقد تجسدت في مؤسستها العسكرية (الجيش والشرطة) ومؤسسته الأمنية (الموساد والشاباك) وبالتالي تحولت الممارسة الإرهابية من أعمال أفراد أو عصابات أو منظمات، إلى إرهاب رسمي منظم تديره دولة صهيونية عنصرية بنت وجودها على فكرة استئصال الغير «الغويم = الفلسطيني». وحسب، ميخائيل راز، أحد المؤرخين اليهود الجدد، فإن الآباء المؤسسين لإسرائيل، أمثال بن غوريون وجابوتنسكي وبن تسفي وإبراهيم شترين وبيغن وشامير، وغيرهم، هم مجرمون إرهابيون، لم يؤسسوا وطناً لليهود، إنما مؤسسة إرهاب يهودي، استخدمت أساليب الإرهاب الرائجة وقتها في روسيا القيصرية، وأقامت الدولة اليهودية على نموذج الدولة النازية، في إيديولوجية صهيونازية، الإرهاب روحها المعبود.

 

فعلاوة على ممارسة إرهاب الدولة المنظم، يمارس اليهود إرهابهم على مستوى فردي تلقائي، كما في عشرات الجرائم، التي ارتكبها أفراد يهود بحق الفلسطينيين، ويمارسه على مستوى جماعي تنظيمات يهودية سرية، مشكلة من أعضاء في مؤسسات الجيش والأمن والأحزاب اليمينية والمستوطنين، والتي كانت وراء عشرات العمليات الإرهابية، ومنها تفجير سيارات رؤساء البلديات الفلسطينية عام 1980، وزرع عبوات ناسفة داخل مدارس فلسطينية للأطفال عام 2002، مما أدى إلى إصابة مجموعة من الأطفال. دع عنك مخططات المنظمات اليهودية الإرهابية المعدة، في انتظار الفرصة المناسبة، لتدمير المسجد الأقصى. ويكفي فقط أن نذكر أن جيش بني صهيون الإرهابي ارتكب ثلاثمائة وخمسين عميلة قتل إرهابي ضد الفلسطينيين، ما بين 29 سبتمبر و31 ديسمبر من العام 2000 فقط. ولم تحقق الدولة الصهيونية إلا في خمس عمليات منها، دون أن تدين أحداً من مرتكبيها. وكيف لها أن تفعل ذلك، وهي من تخطط لها. فالجنود القتلة يدركون جيداً، ألا أحد يستطيع أن يعاقب "جند يهوه" على جرائمهم. إن الإرهاب اليهودي يدخل في تفاصيل وجود بني صهيون، سياسة وثقافة وديناً وتعليماً وتربية. إن الأطفال اليهود يربون على الهوس المرضي بقتل العرب، ويُحفَّظون أغاني دموية ينشدونها في بيوتهم ومدارسهم، تحرض على كراهية العرب وسفك دمهم. ولو تغنى بها طفل عربي لطالبت أمريكا بتسليمه لها لإيداعه في غوانتنامو!!

 

فهل تجرؤ أمريكا المسيحية المتصهينة وأوروبا العجوز المتصابية، بحقوق الإنسان، أن تطالب الدولة اليهودية العنصرية بتغيير مناهج تعليمها الديني، ونصوص التوراة، التي ينز من حروف كلماتها الحقد والكراهية للآخرين، وتمجد قتلهم وإبادتهم. ومن يجرؤ، من الغرب السياسي المنافق، على مطالبة دولة بني صهيون العنصرية، بمحاكمة حاخامات اليهود، الذين لا يتوقفون عن إصدار الفتاوى الإرهابية التي تعتبر الفلسطينيين والعرب مجرد حشرات وأفاع، حلال قتلهم وسحقهم وتدمير بيوتهم وطردهم من أرضهم، لأن ذلك، في رأي حاخامات الدم، يمنع حدوث: "معصية لتعاليم الرب". هكذا بكل بساطة. ولماذا لا؟! إذا كان كتابهم المقدس يمجد قتل الآخر وطرده من أرضه. وهنا مقطع بسيط، من عشرات النصوص الإرهابية التي تحتوي عليها توراتهم وإصحاحاتهم الدموية، كما في الإصحاح الثالث والثلاثين:" وقل لهم إنكم عابرون الأردن إلى أرض كنعان فتطردون كل سكان الأرض من أمامكم وتمحون جميع تصاويرهم وتبيدون كل أصنامهم المسبوكة وتخربون جميع مرتفعاتهم، لتملكوا الأرض وتسكنوا فيها لأني قد أعطيتكم الأرض لكي تملكوها وتقسموا الأرض بالقرعة حسب عشائركم. الكثيرون تكثرون له نصيبه والقليل تقللون له نصيبه. حيث خرجت له القرعة فهناك يكون له. حسب أسباط آبائكم تقسمون. وإن لم تطردوا سكان الأرض من أمامكم يكون الذين تستبقون منهم أشواكاً في أعينكم ومناخس في جوانبكم ويضايقونكم على الأرض التي أنتم ساكنون فيها فيكون أني أفعل بكم كما هممت أن أفعل بهم.....».

 

أين بوش الذي يخرج علينا مباشرة بعد كل عملية فلسطينية ضد إسرائيليين مديناً الإرهاب الفلسطيني ومحملاً السلطة الفلسطينية مسؤولية ذلك؟! وما يلبث أن يلحق به، على المنوال نفسه، بلير وشيراك وشرودر. لكنهم يختفون فجأة عندما يكون القتلى فلسطينيين.

 

وإذا كان مفهوماً أن يتلاعب شارون بإدانة ما قام به أحد المتطرفين اليهود. فليس مفهوماً أن يخرج علينا أبو مازن، "قائد" الشعب الفلسطيني، مطالباً الضحية بضبط النفس. قد يقول قائل متحذلق، ممن يختلقون الأعذار للمهزومين، بأن ما قال به أبو مازن هو أيضاً خبث سياسي يقصد به تلافي التصعيد من أجل تفويت الفرصة على عدوه الصهيوني للتراجع عن انسحاب قواته عن غزة وبعض مستوطنات الضفة. وذلك تبرير متهافت بكل تأكيد. فشارون ومستوطنوه وقواته يخرجون من غزة مندحرين ولن يوقفهم شيء عن ذلك.

 

ماذا كان السيد أبو مازن سيخسر لو أنه أدان الجريمة، ووصفها بأنها إرهاب يهودي مستفحل في بنية الدولة الصهيونية، وأن على "إسرائيل" أن تفكك هذه البنية الإرهابية من جذورها، في مؤسساتها العسكرية والتعليمية والدينية والإعلامية.

هل كان السيد أبو مازن، بتصريحه المهذب هذا، حريصاً على ألا يزعج شارون في محنته التلمودية بسحب الوجود اليهودي من بعض الخريطة المقدسة. أم أنه خائف ألا يستقبله بوش في بيته الأبيض؟! ماذا كان سيكون موقف أبي عمار، أبو القضية، لو كان شاهداً على ما حدث؟! إنه السؤال الذي يفرز المواقف بين قائد و"قائد"!!!

 

لا وجود لسلام قائم أو جار مع الصهاينة، كي يلزم عناصر السلطة الفلسطينية بالتزام محبة السلام إلى حد جلد الذات. ففي اليوم نفسه الذي جزر فيه الإرهابي اليهودي عمالاً فلسطينيين. كنت أشاهد برنامج هارد توك في فضائية البي بي سي مع السيد غسان الخطيب، وزير التخطيط في وزارة أبي مازن الحالية، وهو يتملص بدبلوماسية ركيكة من سؤال مقدم البرنامج حول: هل تعتقد حقا أن الإسرائيليين خرجوا من غزة بسبب المقاومة؟! فأخذ يدور ويلف. ومقدم البرنامج يناوره بالسؤال نفسه بطرق مختلفة. والسيد الوزير يرفض أن يعترف بشكل صريح بأن خروج بني صهيون من غزة نتيجة طبيعية للمقاومة. كان من الواضح أنه خائف أن يدان من رئيسه أبي مازن الذي يخاف من إدانة شارون له وبالتالي بوش الصغير، إذا ما تجرأ هو أو أحد وزرائه على الإقرار بحقيقة أن خروج اليهود من غزة هو نصر مبين لحماس والجهاد ولجان المقاومة الشعبية، بما يعني إقراراً بحقيقة أن المقاومة هي الحال. فكما نجحت في جنوب لبنان، نجحت في غزة، وستنجح في الضفة.

 

والخلاصة الواضحة أن على أبي مازن وجماعته أن يحرروا أذهانهم من فوبيا الإرهاب. وألا يغيب عنهم أنهم يصارعون ويفاوضون، في الوقت نفسه، أبشع دولة إرهابية على وجه الأرض. فكما السن بالسن، كما تقول توراتهم، فإن الإرهاب بالإرهاب. والبادي أظلم.