|
أساليب وحشية لتنفيذ مشروع تهويد الخليل
إبراهيم العابد
صحيفة الوطن
القطرية 27/9/2005
يتركز
الاهتمام هذه الأيام على غزة وما يجري فيها من تطورات هامة وخطيرة
بدءاً بالانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة بينما يحافظ الجيش
الإسرائيلي على سيطرته الكاملة جواً وبحراً وبراً على القطاع ويواصل
غاراته الوحشية على المدارس والأحياء السكنية وكذلك عمليات الاغتيال،
ولكن يجدر بنا أن نلتفت قليلاً إلى ما يحدث في مدينة الخليل بالضفة
الغربية وهي المدينة التي قيل إن نتانياهو تنازل فيها عن الوجود
اليهودي قبل سنوات..
نتنياهو
تنازل فعلاً وأخلت قوات الاحتلال المدينة ولكن أبقت هناك مجموعة من
قطاع الطرق و«البلطجية» لا يتجاوز عددهم الـ500 مستوطن ليكونوا مصدر
ازعاج لا يطاق لسكان المدينة وليتسببوا باقتلاعهم القسري والتدريجي
منها تحت سمع حكومة "إسرائيل" وأمام ناظريها، يقول جدعون ليفي في
صحيفة هآرتس إن ما يحدث في الخليل يختلف عن كل ما يحدث في مناطق
الاحتلال، في الخليل تجري أعمال شنيعة هي من أخطر ما ولده رحم
المشروع الاستيطاني، إن أعمال الطرد للفلسطينيين من الخليل تتواصل
بأعداد مرعبة، ويقول:
«في الخليل
تسود الفوضى في ظل دولة ذات أجهزة متطورة لفرض القانون وتحت سمعها
وبصرها (المغمض) من خلال الموافقة الصامتة، إن عملية الاقتلاع والطرد
الجارية في الخليل أكثر قسوة ووحشية بدرجة لا تقارن، عدد المطرودين
أكثر بكثير من كل المستوطنين الذين تركوا قطاع غزة، وهم يصبحون
محرومين من كل شيء ومعدمين، ليس هناك من يهتم لمصيرهم»، من الصعب بعض
الشيء أن نصدق أن الواقع القائم في الخليل بعيد عن أعين أغلبية
الإسرائيليين وأنه لا يؤثر في نفوسهم شيئاً. يقول ليفي"
«خلال
السنوات الخمس الأخيرة جرت على مسافة أقل من ساعة سفر من عاصمة
"إسرائيل" عملية ترحيل جماعية لـ25 ألف مواطن فلسطيني مع تواصل
عمليات التنكيل - برعاية الجيش الإسرائيلي والشرطة وفي ظلام التجاهل
الإعلامي - الهادفة إلى طرد كل من تبقى من المنطقة التي كان يعيش
فيها 35 ألف فلسطيني و500 يهودي في الآونة الأخيرة، وذلك في المنطقة
الواقعة تحت سيطرة "إسرائيل" المسماة H2
حسب اتفاق الخليل، حيث نجد مدينة أشباح، مئات البيوت مهجورة وعشرات
الحوانيت مدمرة أو محترقة لأن المستوطنين قاموا بصهر أبوابها، وصمت
القبور مطبق في كل مكان، «في كل يوم يقوم المستوطنون هنا بالتنكيل
بجيرانهم والإساءة لهم، كلما سار طفل فلسطيني لمدرسته تكون هذه طريق
الآلام والرعب بالنسبة له، وكلما خرجت ربة بيت للشراء من الدكان تحول
خروجها إلى جملة من الإهانات، أبناء المستوطنين يركلون العجائز
حاملات السلال، والمستوطنون يتركون كلابهم تنقض على الشيوخ، القمامة
والقاذورات والبراز تلقى من شرفات منازل المستوطنين إلى باحات بيوت
الفلسطينيين، ورشق الحجارة على المارة هو مسألة اعتيادية في هذه
المدينة، مئات الجنود من حرس الحدود والشرطة يقفون من الجانب الآخر،
بين الحين والآخر يتبادلون الدعابات مع العرابيد الزعران، ولكنهم لا
يعترضون طريقهم بالمرة تقريباً، محاولات السكان الفلسطينيين لتقديم
الشكاوى في الشرطة ترفض على الفور بذرائع غريبة وعجيبة، حتى عندما
يتعلق الأمر بعمليات تنكيل جماعية - كما حدث قبل أربعة أشهر عندما
دخل مئات المستوطنين إلى منزل الدكتور تيسير زاهدة في تل الرميدة
ودمروا كل ما كان في طريقهم - تقف قوات الأمن متفرجة من الجانب
الآخر، فيلم فيديو وثق أعمال الشغب هذه، ولكن أحداً لم يفكر ببثه عبر
التلفاز الإسرائيلي».
في حي تل
الرميدة الذي بقيت فيه 50 عائلة فقط من مجموع 500 أصلاً، يتضخم هذا
الواقع الصعب لأبعاد عملاقة: السكان يسيرون منحني القامات في باحات
بيوتهم ملتصقين بالجدران ويتحدثون بالهمس خشية أن يسمع المستوطنون
صوتهم، والأولاد يقطعون الطريق إلى البيت في ركض مذعور، والجيران
يتنقلون عبر سلالم آيلة للسقوط من منزل إلى آخر، حياة غيتو ومطاردات
- كل ذلك بسبب ثلة من المشاغبين المعربدين الذين يقطنون في أعلى الحي
فوق منازلهم.
ويخلص الكاتب
الإسرائيلي إلى القول إن الأمر بنهاية المطاف يعتبر بمثابة مشروع
ناجح حيث أثبت عنف المستوطنين فعاليته، ومدينة الخليل آخذة في
التهود، الأصح أن نقول ستصبح خالية من سكانها الأصليين، 500 مستوطن
عنيف برهنوا أنهم قادرون على طرد عشرات الآلاف من جيرانهم بفضل
الحماية التي تقدمها لهم الدولة، كل يوم تبقى فيه مستوطنة الخليل
الوحشية قائمة منذ ذلك الحين، هو يوم آخر من أيام العار لدولة
"إسرائيل"، إلى هنا ينتهي الكلام في صحيفة هآرتس وهو أبلغ من أن نعلق
عليه غير القول هذه هي "إسرائيل" التي ينظر إليها الغرب عموماً على
أنها واحة الديمقراطية ورعاية حقوق الإنسان..
ما يحدث في
الخليل هو نموذج للحال في كل أرجاء الضفة الغربية حيث يصول
المستوطنون المتعصبون ويجولون ويبطشون تحت حماية قوات جيش الاحتلال
وحراستهم.. وهو واقع مرير ومأساوي وكارثي، في هذا السياق لا بد من
القول إن حجم الدمار المادي، بكل أبعاده وباتساع رقعته، والذي ألحقته
قوات الاحتلال الإسرائيلي وقطعان المستوطنين في قطاع غزة التي حولوها
من مساحات خضراء غناء بالحقول والبيارات والتي كان فيها يوماً كل
أنواع الخضار والفواكه إلى قفار جرداء قاحلة، هذا الدمار الذي ليس له
تفسير غير الحرص المتعمد على تسوية أجمل أنحاء القطاع والقضاء على
مصدر رزق عشرات بل مئات آلاف العائلات والذي مر حتى الآن دون فضح
ودون عقاب، هذه الاستباحة تشجع "إسرائيل" على المضي في غيّها وبطشها
وعربدتها في الضفة الغربية لأنه كما تقول الكاتبة الإسرائيلية عميرة
هاس «تقود إلى تقديرات سياسية خاطئة، هذا التجاهل يسمح للجيش
الإسرائيلي بأن يواصل تدمير مناطق فلسطينية في الضفة الغربية، على
امتداد الجدار حول المستوطنات وفي غور الأردن كوسيلة لفرض الحقائق
على الأرض وضمان بقاء الكيان الفلسطيني المستقبلي مبتوراً مُقطع
الأوصال وشحيح المساحات قدر المستطاع، ولكن تجاهل أبعاد الدمار يخفي
عن أنظار الإسرائيليين وقياداتهم السياسية قدرة الفلسطينيين على
المعاناة والتحمل، من هنا لا يُدخلون في الحسابات السياسية العسكرية
حقيقة أن الدمار الذي زرعته "إسرائيل" لا يقنع الفلسطينيين بوجوب
المسارعة إلى الاستسلام للإملاءات السياسية الإسرائيلية»، ولكن عميرة
هاس التي عاشت بين الفلسطينيين في قطاع غزة وكتبت كتاباً بعنوان
«إنهم يشربون مياه البحر في غزة» خلصت إلى تحذير قصار النظر في
"إسرائيل" وغيرها بقولها:
«من يتجاهل
أبعاد الدمار لا يأخذ في الحسبان مدى انغراس الفلسطينيين في أرضهم
وبلادهم، هناك من يقولون عن الفلسطينيين أن كون الإسرائيليين غرباء،
هو الذي يطلق غرائزهم التدميرية لكل ما هو جميل وطبيعي وأثري وتاريخي
في المناطق، الأجانب، كما أثبت التاريخ، يرحلون في نهاية المطاف،
ولكن ذلك يؤدي، ومن دون علاقة بمدى صحة هذا الاستنتاج، إلى تعزيز روح
الفلسطينيين وإصرارهم على مواجهة مشاريع التدمير من أجل بناء
المستوطنات التي تُخطط لها "إسرائيلط في الضفة الغربية».
|