الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

مجزرة شفا عمرو والانسحاب من غزة عنوان جديد للعنصرية الإسرائيلية

 

بيسان عدوان*

صحيفة الوطن السعودية 16/9/2005

 

للأقوى أن يحدد مضامين النزاع ومواقيته، وللأقوى أن يفرض أشكال النزاع وأساليبه، وله أيضاً أن يفرض ما سيحمله من سلاح وما سيجنده من عناصر قوة، وله فوق كل هذا أن يحدد للخصم ما ينبغي ومالا ينبغي فعله وقوله في وصف هذا النزاع.

 

قد جاءت التحليلات الخاصة بشأن مجزرة شفا عمرو بربط ما حدث بمحاولات المتشددين الإسرائيليين بإعاقة الانسحاب من غزة والضغط على الحكومة الإسرائيلية لإعاقة إخلاء المستوطنات وفي هذا شيء من الصحة غير أن العنصرية وثقافتها متجذرة في الإسرائيليين ومتأصلة تقوم على العداء للعرب ومحاولة اجتثاثهم أينما حلوا وبالأخص في تلك البقعة من الأراضي المسماة أراضي عام 1948 من ناحية، ومن جهة أخرى اعتبار ذلك الانسحاب هزيمة لهم وهزيمة للأيديولوجية القائمة في دولة "إسرائيل" "الأرض اليهودية".

 

إن اعتبار الحكومة الإسرائيلية لما جرى في شفا عمرو عبارة عن حادث فردي، يستدعي ما جرى في نهاية عام 2000 من إطلاق الشرطة الإسرائيلية النار على احتجاجات فلسطينيي 1948 تضامناً مع الانتفاضة الفلسطينية والتي سقط خلالها 13 شهيداً وعشرات الجرحى، وهذه الممارسة والممارسات التحريضية التي استخدمتها كل المستويات الإسرائيلية الرسمية في مواجهة فلسطينيي 1948 ليست بالأمر الجديد بل إن تعديها على مستويات غير رسمية لم يأت من فراغ ولم يكن بالأمر المستبعد حتى من قبل الجهات الرسمية في "إسرائيل" بل كانت تعتبره مسألة وقت حتى يتم ذلك.

 

لقد تواصل الإرهاب الإسرائيلي الرسمي والشعبي على فلسطينيي 1948 منذ ثمانينيات القرن الماضي:

- في الحادي عشر من شهر أبريل من عام 1982 اقتحم ألن غودمان في الثلاثين من عمره أمريكي الجنسية قدم إلى "إسرائيل" للاستيطان فيها، الحرم القدسي الشريف وهو يلبس البزة العسكرية، حيث فتح نيران سلاحه الرشاش باتجاه المصلين مما أدى إلى استشهاد اثنين وإصابة تسعة آخرين وشخص غودمان بعد فعلته هذه، بأنه مختل عقلياً.

 

- في الثامن والعشرين من أكتوبر 1984 قام الجندي دافيد بن شيمول بإطلاق صاروخ لاو باتجاه باص يقل مواطنين فلسطينيين في الشطر شرقي مدينة القدس مما أدى إلى استشهاد مواطن وإصابة عشرة آخرين.

 

- في العشرين من شهر مايو عام 1990 أقدم السفاح عامي بوبرعلى قتل 7 فلسطينيين، وأصاب 11 آخرين، حينما كانوا ينتظرون حافلة في مفترق الورود في "ريشون لتسيون".

 

- في الخامس والعشرين من فبراير 1994 اقتحم السفاح باروخ غولدشتاين، والذي كان يعمل طبيباً في مستعمرة "كريات أربع" بمحافظة الخليل في الضفة الغربية الحرم الإبراهيمي الشريف الذي يعد المسجد المركزي في الخليل، وفتح النار من سلاحه الأوتوماتيكي صوب قرابة ألف مواطن كانوا يؤدون صلاة الفجر في الحرم، فرغ غولدشتاين أربعة مخازن مما أدى إلى استشهاد مواطن وإصابة 125 آخرين.

 

- في  يناير 1997 فتح الجندي نوعام فريدمان النار من سلاح أوتوماتيكي على فلسطينيين في سوق الخليل حيث أصيب 7 مواطنين بجراح مختلفة.

 

هذه عينة من التحريض على الفلسطينيين داخل "إسرائيل"، ترافقت مع محاولات إسرائيلية محاكمة النواب العرب في الكنيست ونزع الشرعية عنهم، ومحاولة إصدار قوانين تقيد مشاركتهم في الانتخابات الإسرائيلية، من نوع "منع ترشيح أي عربي يؤيد مقاومة الاحتلال" أو "منع الذين لم يؤدوا الخدمة العسكرية" وغيرها من الاقتراحات التي تحاول منع العرب من دخول الكنيست. وكان لا بد للحملة العنصرية الإسرائيلية أن تكشف عن وجهها البشع، الذي تجسد بالجريمة التي ارتكبت في شفا عمرو والتي يحاول المستوى الرسمي الإسرائيلي وصفها بجريمة فردية لا تعكس صورة "إسرائيل" وممارستها العنصرية بحق الفلسطينيين داخل "إسرائيل".

 

لقد تناوب مسؤولون بينهم وزراء وأعضاء كنيست وقادة رأي ومفكرون على إطلاق تصريحات نازية ضد عرب 48 الخطر الداهم والدائم على الدولة العبرية، وإذا كان رحبعام زئيفي شكل مثالاً ونموذجاً في ممارساته ودعواته العنصرية ضد العرب، فإن المعطيات على أرض الواقع توضح بجلاء حجم التمييز "المؤسس" الذي تنتهجه "إسرائيل" ضد أكثر من مليون عربي يحملون الجنسية الإسرائيلية، فبدءاً من معطيات الفقر التي تجعلهم في صدارتها وحتى البطالة وعدم إخضاع تلامذتهم للمناهج الدراسية ذاتها وصولاً إلى الوثائق الرسمية، تحمل كل هذه إشارات هامة تعكس مدى القلق الذي تكنه المؤسسة الإسرائيلية الرسمية ضد العرب القاطنين داخل الخط الأخضر.

 

رغم أن تصريحات بعض المسؤولين الإسرائيليين أدانت مثل تلك الحادثة إلا أن المؤسسات الإسرائيلية تواطأت على حماية القاتل منذ أن فر من الخدمة العسكرية وانضم إلى تنظيمات صهيونية متطرفة كما أشارت بعض التقرير، بل إن ما يزيد الاستغراب أن قيادات في أعلى مستوى ومنهم رئيس الوزراء لا تستبعد حدوث مثل تلك الأعمال على خلفية الانسحاب من غزة وإخلاء المستوطنات، السؤال الذي يفرض نفسه على المشهد هو ماذا تريد القيادة الإسرائيلية من خلال تلك الرسائل؟ وهل يعني هذا أن هناك تنامياً فعلياً لظاهرة اليمين المتطرف الإسرائيلي الرافض لخطة شارون وأن من سيدفع الثمن هم فلسطينيو 1948 باعتبارهم مواطنين في دولة "إسرائيل" لا يرغب أحد بهم وعلى اعتبارهم "طابوراً خامساً" يهدد "إسرائيل" من الداخل أمنياً وديموجرافياً؟

 

دل آخر استطلاع ظهر في أواخر الشهر الماضي في "إسرائيل" على أن أكثر من 20% من اليهود في "إسرائيل" يرون أن الحل الأمثل لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو طرد العرب من وطنهم، فيما رأى حوالي 4.5% من اليهود المستطلعين أن الحل الأمثل هو إبادة العرب، لأن "الطرد غير مجد"، ودلّ استطلاع سابق على نسبة اليهود الذين يتقبلون فكرة "الترانسفير" للعرب هي 30%، وإلى جانب هذا تكثر في الأشهر الأخيرة فكرة التبادل السكاني، وأبرزها ضم البلدات الفلسطينية في منطقة المثلث المحاذية لشمال غرب الضفة الغربية إلى الدولة الفلسطينية العتيدة، مقابل أن تضم "إسرائيل" لها جميع المستوطنات في الضفة الغربية، وهو ما يتصدى له الفلسطينيون في "إسرائيل".

 

لم تأت مجزرة شفا عمرو في التوقيت المتوازي مع الانسحاب الإسرائيلي وإخلاء المستوطنات في غزة عشوائياً أو كما يعلن في الساحة الإسرائيلية أنه عمل فردي وبداية لتنامي قوة اليمين المتطرف الرافض لفكرة الانسحاب بل إنه عمل ممنهج دعت له القيادات الإسرائيلية والأكاديميون في الدولة العبرية تحت ما يسمى بالخطر الديمجرافي، وعليه فإن إخراج المستوطنين من غزة أو من الضفة لا يمنع هذا الخطر باعتبار وجود أكثرية يهودية في دولة "إسرائيل" بسبب الزيادة الطبيعية للعرب عموماً في فلسطين حيث يشكلون 20 % من السكان، وهو خطر كبير وبكل الاتجاهات ديمجرافياً واقتصادياً وتدركه المؤسسات الحكومية والأمنية والأكاديمية الإسرائيلية بعمق مقارنة باليهود بجانب نضوب منابع الهجرة الخارجية لليهود إذن فإن الحل هو بطرد الفلسطينيين في "إسرائيل" ومع ورود دراسات حول تطوير (الذي يعني إخلاء المنطقة من العرب وإسكان اليهود بها) منطقتي الجليل التي تقع فيها شفا عمرو والنقب منذ عام 2001 يميط اللثام ولو قليلاً عن بداية المخطط الإسرائيلي بطرد السكان فيهما عن طريق الإرهاب الصهيوني غير الرسمي بعد استنزاف كافة الوسائل الرسمية لإخراجهم عبر القوانين التمييزية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتي أثبتت فشلها.

إن مجزرة شفا عمرو الأخيرة والتي راح ضحيتها أربعة مواطنين عرب من أراضي 1948، وعشرات الجرحى، سلطت الضوء من جديد على إرهاب الدولة الذي تمارسه "إسرائيل" بحق الفلسطينيين، ودقت ناقوس الخطر محذرة من مغبة تجاهل النتائج الخطيرة المترتبة على الجرائم الإسرائيلية بحق الإنسانية في الأراضي العربية المحتلة.

 

من الذي سيدفع ثمن الانسحاب الإسرائيلي من غزة؟ شارون يريد الدخول في تاريخ "إسرائيل" على أنه صانع السلام وجالب الأمن للإسرائيليين لكنه بممارساته وصمته "حد التواطؤ" مع جرائم المستوطنين واستباحتهم للأراضي الفلسطينية لن يجلب لا السلام ولا الأمن لأن ما يجري ليس سوى لعبة شراء الوقت وفرض سياسة الأمر الواقع والذي سيدفع ثمنه الفلسطينيون في كل فلسطين وخاصة فلسطينيي 1948 الذين سيتعرضون لنكبة جديدة عبر الإرهاب الصهيوني من جهة وعبر اقتلاعهم من الأرض التي تمسكوا بها طيلة 57 عاماً.

 

* كاتبة فلسطينية