الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

أول كتاب بالإنجليزية عن قصة حياة شارون

 

شارون يرث عن والده الإيمان الأعمى بالصهيونية والعناد وكراهية العرب

 

عرض وتقديم‏:‏ مصطفى سامي

صحيفة الأهرام 21/9/2003

 

من يقرأ سيرة أرييل شارون‏،‏ لن تصدمه هذه المذابح والجرائم التي ترتكب يومياً ضد الفلسطينيين‏،‏ فهي تعكس شخصيته وسلوكه وميراثاً طويلاً من التعصب الصهيوني الأعمى‏.‏

 

والكتاب الذي صدر في الشهر الماضي بعنوان‏:‏ شارون‏:‏ المحارب السياسي الإسرائيلي لثلاثة مؤرخين أمريكيين‏،‏ ترد صفحاته الستمائة على الأسباب التي قادت رئيس وزراء "إسرائيل" لأن يمزق خريطة الطريق ويغلق كل الطرق المؤدية إلى سلام حتى إذا كان غير عادل في الشرق الأوسط‏.‏

 

نحن هنا أمام رجل لا يؤمن بأي سلام‏،‏ فالقتل والتدمير والتخريب هي الوسائل التي يجيدها لتحقيق أهدافه‏..‏ لا يعرف الحوار‏..‏ لا يؤمن إلا بالقوة وبالحرب‏..‏ لا مكان في حياته للصداقة أو الحب‏!‏

 

نحن أمام قاتل على أعلى مستوى من الانحراف والاحتراف‏،‏ ينضم إلى مجرمي الحرب الذين ابتلي العالم بهم في العصر الحديث‏،‏ وأمام قرار اتهام واضح وصريح يدفع بأي قاض لأن يحكم عليه بالسجن مدى الحياة في واحد من السجون الأمريكية الشهيرة بقسوتها وأن يعزل خلف قضبانها محترف جرائم القتل والاغتصاب‏.‏

 

لكن جريمة شارون الكبرى والتي سوف تظل تلاحق تاريخه الأسود‏،‏ هي أنه خلع أشجار الزيتون من أرض فلسطين‏،‏ وزرع مكانها جداراً سميكاً من الكراهية والتعصب‏،‏ فقتل كل فرص التعايش والتعاون وأي لقاء بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي‏.‏

 

نشر في الأسابيع‏،‏ الأخيرة عدد من المقالات بمناسبة مرور ثلاثين عاماً على حرب أكتوبر‏،‏ ودور أرييل شارون رئيس وزراء "إسرائيل" كأحد قادة الجيش الإسرائيلي في هذه الحرب‏،‏ والصراع الذي دار بين جنرالات "إسرائيل" أثناء سير المعارك بعد أن حقق المصريون انتصاراً كاسحاً عليهم في هذه الحرب‏،‏ والظروف السياسية التي قادت إلى تشكيل لجنة تحقيق من السياسيين‏،‏ والقضاة والعسكريين لتبحث أسباب الهزائم المتلاحقة والخسائر الفادحة التي ألحقها المقاتلون المصريون بجنود جيش الدفاع الإسرائيلي‏.‏

 

وفي الشهر الماضي صدر أول كتاب باللغة الإنجليزية يتناول قصة حياة أرييل شارون وتضمن الكتاب الذي يقع في أكثر من ستمائة صفحة تحت عنوان شارون‏:‏ المحارب السياسي الإسرائيلي‏،‏ مولد "إسرائيل" والتطورات السياسية التي مرت بها إلى جانب المناخ العائلي والسياسي المعقد الذي نشأ فيه شارون‏،‏ والظروف التي جعلت منه مقاتلاً وإرهابياً محترفا‏ً،‏ حمل السلاح ومارس القتل ضد العرب وعمره‏ 14‏ عاما‏ً،‏ وتناول الكتاب الموثق بالخرائط ونصوص الاتفاقيات التي وقعت بين العرب والإسرائيليين عدداً من الفصول عن حرب أكتوبر وحالة الذعر التي أصابت الحكومة الأمريكية بعد أن تحقق هذا الانتصار الساحق الذي ألحقه المصريون في الأيام الثلاثة الأولى من سير المعارك ضد "إسرائيل‏"،‏ والإحباط الذي أصاب القادة العسكريين الإسرائيليين وانتقل إلى الشارع الإسرائيلي بعد عبور خط بارليف وسرعة تحرك القوات المصرية لاحتلال المواقع الإسرائيلية في سيناء‏..

 

إرهابي‏..‏ وقاتل محترف

كانت الأمانة العلمية تقتضي من المؤلفين الأمريكيين الثلاثة لكتاب قصة حياة أرييل شارون رئيس وزراء "إسرائيل" أن يضيفوا كلمتين للعنوان‏،‏ فيصبح‏:‏ شارون المحارب السياسي والإرهابي الإسرائيلي المحترف فصفحات الكتاب تؤكد سطورها أن الخمسين عاماً الأخيرة ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وسقوط النازيين بزعامة هتلر‏،‏ لم يشهد العالم من تفوق في الإرهاب ارتكب من المذابح والجرائم ضد الإنسانية مثل شارون بما يضعه في نفس قفص الاتهام مع كل مجرمي الحرب الذين ابتلي بهم العالم في العصر الحديث‏،‏ فقد اغتال مع آلاف الفلسطينيين المدنيين الأبرياء‏،‏ كل فرص السلام المحتملة في التعايش في المستقبل بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي‏،‏ وقد مزق خريطة الطريق‏،‏ وأقام مكانها جداراً من الكراهية والتعصب العنصري يفصل بين الشعبين المتجاورين‏،‏ ويضعهما في حالة دائمة من الحذر والخوف والترقب من الآخر‏.‏

 

المؤلفان أنيتا وجوردان ميلر يعملان أستاذين للتاريخ المعاصر في الجامعات الأمريكية‏،‏ أما سيجاليت زيتوني فهي صحفية تكتب مقالات بانتظام في مجلة شيكاغو لايف وقضت بضع سنوات في "إسرائيل" كطالبة بحث في جامعة تل أبيب بعد أن انتهت من دراسة الآداب والفنون بجامعة اللينوي الأمريكية ثم جامعة فرايبورج في ألمانيا‏.‏

 

الكتاب خلال عرضه لقصة حياة شارون‏،‏ يتناول المؤامرات التي سبقت قيام دولة "إسرائيل"‏،‏ وحروب العصابات الصهيونية التي قامت بها ضد الفلسطينيين لسرقة أرضهم‏،‏ ثم مولد "إسرائيل" بالقوة والحرب والقتل وينفرد شارون عن جميع حكام "إسرائيل" الذين سبقوه‏،‏ بأنه كان عضواً نشيطاً في جميع العصابات الصهيونية التي تشكلت لقتل العرب قبل قيام "إسرائيل"‏،‏ ثم شارك بعد ذلك كمقاتل محترف في جميع الحروب الإسرائيلية ضد العرب‏.‏

 

وتطور حياة شارون منذ طفولته‏،‏ يعطي للقارئ انطباعا‏ً،‏ بأن شارون ولد وفي فمه مدفعاً رشاشاً وسلاحاً أبيض‏،‏ وأنه ودوناً عن أطفال العالم - ورث في طفولته خاصة من والده الدم المخلوط بالكراهية والعنصرية والعداء للعرب‏.‏

 

صهيونياً‏.. ‏أبا عن جد

ينفرد شارون بين رجال الحرس القديم الذين يمثلون الزعماء والحكام والقادة العسكريين الذين كان لهم دور بارز في قيام "إسرائيل"‏،‏ بأنه من مواليد فلسطين‏،‏ ففي‏27‏ فبراير ‏1928،‏ ولد أرييل شارون في قرية كفر ملاك وهي واحد من التجمعات الزراعية الشهيرة بأشجار الزيتون والتي هاجر إليها أشتات من يهود أوروبا‏،‏ وتقع هذه القرية في وسط فلسطين وتبعد ‏15‏ ميلاً شمال شرق تل أبيب‏،‏ وقد اختار صمويل والد شارون وديفورا شينروف والدته هذه القرية موطناً جديدا للأسرة اليهودية بعد أن هاجروا من روسيا في فبراير عام ‏1922.‏

كان والد صمويل واسمه ميردخاي جد أرييل شارون يعمل مدرساً للغة العبرية في مدينة برست لينوفس في روسيا القيصرية‏،‏ وكان صهيونياً نشيطاً شارك كعضو في المؤتمر الصهيوني العالمي الذي عقد في بازل بسويسرا عام‏1897،‏ وانتقل إلى فلسطين بين عامي ‏1910‏ -‏ 1912‏ ليتولى تدريس العبرية لأطفال المهاجرين اليهود في فلسطين‏،‏ وينشر الفكر الصهيوني بين آبائهم‏،‏ ولكنه وجد الحياة هناك بالغة الصعوبة بالنسبة لزوجته وأبنائه‏،‏ فرجع إلى روسيا بعد عامين أملا في أن يعود ثانية ويستقر في فلسطين‏،‏ وقد تحقق بالفعل أمله‏،‏ بعد سنوات‏،‏ استقر نهائياً مع أسرته في تل أبيب قبل وفاته‏.‏

 

لقن ميردخاي شاينرمان مبادئ وتعاليم الصهيونية التي كرس حياته لنشرها لابنه صمويل مع الاهتمام بتدريس اللغة العبرية وآدابها ودراسات التوراة في المنزل‏،‏ إلى جانب التعليم التقليدي الذي يتلقاه الصبي في المدارس الروسية‏،‏ وبعد أن انتهى صمويل من المرحلة الثانوية بدأ يعد نفسه للعمل كمزارع‏،‏ فالتحق بكلية الزراعة بجامعة تفليس القريبة من باكو‏،‏ وقد انتقلت الأسرة إلى تفليس هرباً من المعارك والقتال في الحرب العالمية الأولى‏،‏ وفي الجامعة التقي صمويل بديفورا شينروف الطالبة بكلية الطب‏،‏ وكانت واحدة من ثمانية أطفال أشقاء يعمل والدهم بائعاً للطوابع‏.‏

 

وبعد أربع سنوات من قيام الثورة البلشفية تحرك الجيش الأحمر تجاه باكو وتفليس‏،‏ وكان صمويل قد انتهى من دراسة الزراعة‏،‏ بينما كان أمام ديفورا عامان آخران لتنتهي من دراسة الطب التي عشقتها وتحلم في أن تحقق طموح أسرتها في أن تكون طبيبة ناجحة تعالج أبناء قريتها الفقراء لكن سمعة صمويل كصهيوني متطرف ينشر أفكاره بين شباب اليهود أعضاء النادي الصهيوني الذي كان يتطوع لتدريس اللغة العبرية به‏،‏ كان من الطبيعي أن تقود الشيوعيين لاعتقاله وربما لإعدامه‏،‏ وفي أحد الأيام التي اضطر صمويل فيها لأن يتأخر في الذهاب إلى النادي كالمعتاد ولإلقاء دروسه‏،‏ قامت القوات الشيوعية بالهجوم على النادي الصهيوني‏،‏ وألقي القبض على جميع الحاضرين من أعضائه ونقلوا في شاحنات إلى موسكو‏،‏ ومن هناك جرى ترحيلهم إلى معسكرات الاعتقال في سيبريا‏،‏ وأفلت صمويل من الاعتقال‏،‏ ولكن سيطرت عليه المخاوف من أن يلقي مصير زملائه وتلاميذه‏،‏ وفي شهر فبراير عام ‏1922‏ هرب صمويل مع ديفورا إلى فلسطين بعد أسابيع قليلة من زواجهما‏.‏

 

اضطرت ديفورا لأن تتنازل عن تحقيق حلمها في أن تكون طبيبة‏،‏ لكن هذه التضحية ظلت كابوسا يؤرقها طوال حياتها‏،‏ وقد عملت ديفورا بجد وإخلاص كزوجة وامرأة تساعد زوجها في الزراعة‏،‏ ولكنها لم تكن تتفق معه في آرائه ومعتقداته السياسية العنصرية‏،‏ وقد اعترفت لأصدقائها بعد سنوات من زواجها بأن زوجها حولها إلى الصهيونية بالقوة‏.‏

 

استقر صمويل مع زوجته في قرية كفر ملال في أرض زراعية كانت الوكالة الوطنية اليهودية التي أنشأتها المنظمة الصهيونية العالمية قد قامت بشرائها‏،‏ وقد فضل صمويل الإقامة في هذه الأرض بدلاً من الحياة في مزرعة جماعية تعاونية‏،‏ حيث تنتقل ملكية الأرض ومحصولها ومنتجاتها للجماعة المقيمين فيها‏،‏ وقد كان من أعداء الفكر الاشتراكي‏،‏ وعرف عنه بأنه رجل قوي يؤمن بالفرد وبحقه في ملكية أرضه‏،‏ وفي هذه الأرض الزراعية يقيم اليهود مع بعضهم‏،‏ ولكن كل أسرة تمتلك قطعة من الأرض ومنزلاً‏.‏

 

بدأت سلطات الانتداب البريطاني تشعر بالقلق من تصاعد أعمال العنف في فلسطين بين العرب واليهود‏،‏ وقد قامت المظاهرات العربية في عام ‏1929‏ احتجاجاً على زيادة أعداد المهاجرين اليهود‏،‏ وفي أقل من أسبوع قتل ‏133‏ وأصيب ‏340‏ من اليهود‏،‏ وبدأ المستوطنون اليهود إعادة تنظيم دفاعهم وشكلت الميليشيات اليهودية عصابة الهاجاناه‏،‏ وتابع الطفل شارون التجمعات اليهودية وهي تحارب العرب‏،‏ وكان والده يقص عليه كل مساء أساطير وحكايات تزيد كراهيته للعرب‏،‏ وقد ترك هذا المناخ المضطرب وتأثيراته المأساوية بصمات قوية على وعي الصبي وسلوكياته فيما بعد‏.‏

 

كان صمويل‏،‏ والد شارون يحمل معه المسدس في جميع جولاته خارج مزرعته‏،‏ وقد تعرض مرتين للقتل ونجا بأعجوبة‏،‏ وشارك شارون وعمره عشر سنوات أبناء القرية في عمليات الحراسة الليلية حاملا السلاح‏،‏ وكان يتسلل في الظلام إلى الحقول يبحث عن العرب الذين يهددون حياة المستوطنين اليهود‏.‏

 

في هذه السن الصغيرة بدأ وعي وشخصية شارون الإرهابية وولعه بالقتل والقتال يتشكل‏،‏ وهو يتذكر هذه الأيام‏،‏ ويشعر بالفخر بوالديه على قوتهما وإصرارهما وعنادهما‏.‏

 

جدار يفصل مزرعته عن يهود القرية‏!‏

كما يؤمن أرييل شارون بعزلة "إسرائيل"‏،‏ ويسعى إلى فصل اليهود عن العرب بإقامة هذا الجدار الأسمنتي‏،‏ الذي ترفضه بشدة حتى الدول الصديقة لإسرائيل‏،‏ والتي تساند جرائمها‏.‏ أقام والده الصهيوني المتطرف سوراً عالياً حول مزرعته وعلى مدخلها بوابة حديدية‏،‏ وزرع حول السور سلسلة من الأشجار لتكون حاجزاً بين أرضه وبين الشارع الرئيسي في القرية‏.‏ وكان هذا الجدار هو الوحيد في القرية الذي فرض العزلة على صمويل وأسرته وفصلهم عن جميع أبناء القرية من اليهود‏.‏ كان صمويل وزوجته يفضلان العزلة والابتعاد اجتماعياً عن بقية السكان‏،‏ وهو سلوك كان مثيراً للغرابة والتساؤل في ذلك الوقت بالنسبة للمستوطنين الأوائل الذين كانوا في أشد الحاجة لبناء علاقات من الصداقة والتعاون فيما بينهم‏.‏ ويكشف هذا الحادث الذي وقع لشارون وعمره ثلاث سنوات عن سلوك هذه الأسرة الانعزالي تجاه جيرانهم‏،‏ فقد سقط شارون على الأرض وهو يلعب في فناء المنزل‏،‏ وأصيب بجرح نافذ في جبهته‏،‏ والتقطته والدته والدم ينزف منه‏،‏ وبدلاً من ذهابها إلى جارها الطبيب في نفس القرية‏،‏ حملت الطفل على ذراعيها وجرت نحو ثلاثة كيلو مترات لتصل إلى عيادة طبيب روسي لعلاجه طبقاً لتعليمات الأب‏.‏

 

مثال آخر يعكس أخلاقيات وسلوك صمويل الأب ويعكس مدى تأثر شارون بشخصية والده وتطرفه في العداء مع من يختلف معهم‏،‏ فقد كانت الخلافات تقع بينه وبين أبناء القرية في أساليب الزراعة الحديثة التي كان يبتدعها وفقاً لدراساته الجامعية في روسيا وطبقاً لرأي شارون وللحوارات التي جرت معه‏،‏ فقد كانت هذه الخلافات لا تقارن بمناخ المرارة والكراهية الذي خيم على القرية بعد مقتل الزعيم الصهيوني الاشتراكي حاييم أرلوزورف عام ‏1933،‏ وقد أثار اتهام يهود آخرين من المعارضين له بقتله غضب صمويل خاصة بعد أن اتجهت الشكوك والاتهامات بارتكاب الجريمة صوب اتباع زيف جابوتنسكي الزعيم اليميني الرجعي‏.‏ ثار صمويل غاضباً بشدة على هذه الاتهامات‏،‏ وتصاعدت الأحزان داخل المستعمرة‏،‏ واتخذ قرار جماعي بمنع أسرة شايزمان من زيارة العيادة الطبية المحلية والمعبد اليهودي للصلاة‏،‏ وتقرر عدم السماح لهذه الأسرة من استخدام سيارة النقل التعاونية‏،‏ بما يعني عقاب صمويل وزوجته بمنعهما من توزيع محصولهما أو استخدام السيارة في جمع المحصول‏.‏

 

أوصى صمويل قبل وفاته كتابة مع تصاعد الكراهية من اليهود ضده بألا يسمح لأحد من أبناء قرية كفر ملال بأن يتحدث عنه خلال مراسم جنازته داخل المعبد اليهودي‏،‏ وألا تستخدم سيارة النقل الخاصة بالقرية في نقل جثمانه إلى المقبرة‏.‏

 

يؤكد المؤلفون نقلاً عن المعمرين من أبناء قرية كفر ملال الذين عاصروا أحداث هذه الفترة مع والدي شارون أن ديفورا كانت امرأة اجتماعية ومحبوبة وصديقة لجميع أبناء القرية‏،‏ بينما كان زوجها صمويل رجلاً متعالياً ومتباعداً عن الجميع ولا يرتبط بأي صداقات مع أبناء جيله من اليهود والمهاجرين‏.‏

 

كان شارون طموحاً منذ صغره‏،‏ وقد انضم إلى حركة شباب العمل والتحق بالمدراسة الثانوية في تل أبيب وعمره ‏13‏ عاما‏ً،‏ وشعر بسعادة غامرة في عالم المدينة الكبرى الجديد‏،‏ فقد تخلص من أوامر وتعليمات والده الصارمة لكنه لم يكن يجرؤ على مساءلة والديه عن أسباب عزلتهما عن بقية أسر المستعمرة‏.‏

 

بدايات الإرهاب وعضويته في الهاجاناه

انتشرت حالة الفوضى في الشرق الأوسط خلال الحرب العالمية الثانية‏،‏ وتحركت قوات الحلفاء إلى أراضي فلسطين‏،‏ وكانت الوكالة اليهودية التي يرأسها بن جوريون تسعى بدأب لإعداد جيش مدرب من اليهود خلال ثلاثة أعوام‏،‏ وفي نفس الوقت تشكلت عصابة الهاجاناه بعد أن جندت أعداداً من شباب اليهود علي حرب العصابات‏،‏ وانضم شارون إليهم وعمره ‏14‏ عاما‏ً،‏ وكان يتدرب على استخدام السلاح مساء كل سبت‏،‏ وخلال أيام الأسبوع يتلقى دروساً في كيفية اقتحام منازل العرب والتسلل إليها في الظلام‏،‏ وقد نقل شارون خلال أسابيع قليلة إلى وحدة الإشارة التي تضم الأقوياء من الشباب والذين أبدوا مهارة في القتال‏،‏ وكان يتلقى أيضاً تدريبات من شرطة المستوطنات التي تشكلت في كل أنحاء فلسطين بواسطة البريطانيين بهدف حماية منشآتهم والدفاع عن المستوطنين اليهود‏.‏

 

انضم شارون بعد ذلك إلى فرقة شباب المقاتلين‏،‏ حيث تلقى تدريبات عسكرية مكثفة من الضباط البريطانيين على حرب العصابات التي تفوق فيها بشهادة رؤسائه وقادته‏،‏ واندلعت بعد ذلك الاضطرابات بين اليهود والبريطانيين في أوائل الحرب العالمية الثانية‏،‏ وتشكل في هذه الفترة عدد من المنظمات العسكرية اليهودية‏،‏ كانت أهمها عصابة أرجون زفاي ليومي أو المنظمة العسكرية الوطنية‏،‏ وعصابة أخرى أكثر تطرفاً يقودها ابراهام يائير سيترن للقيام بهجمات ضد البريطانيين والعرب عرفت بعصابة سيترن ‏Stern Gang ‏.

 

في أواخر عام‏ 1943‏ كانت هناك ثلاث عصابات يهودية مستقلة‏،‏ وهي‏:‏ الهاجانا‏ة،‏ وأورجون وسيترن‏،‏ ومع نهاية الحرب كانت الخلافات القائمة بينهم تمنعهم من القيام بأي عمل جماعي مشترك‏،‏ فكل عصابة كانت تكره الأخرى‏،‏ وكانت الهاجاناة هي الوحيدة التي لديها وضع شرعي قانوني وحصلت من البريطانيين على حق حماية المستوطنين في المناطق النائية ولكي تتجنب انتقام البريطانيين لاغتيال لورد موين السفير البريطاني في القاهرة قامت عصابات الهاجاناه بمتابعة أفراد عصابتي أورجون وستيرن وألقت القبض عليهم وسلمتهم للسلطات البريطانية لمحاكمتهم‏.‏

 

كان شارون متعاطفاً تماماً مع المتطرفين‏،‏ ورافضا قيام الهاجاناه بتسليم أفراد من اليهود إلى السلطات البريطانية‏،‏ ولم يعارض على الإطلاق العمليات الإرهابية التي قام بها أفراد عصابتي أورجون وسيترن‏،‏ وقد التحق شارون في عام ‏1945‏ بعد أن حصل على شهادة الثانوية بجماعة سرية للاغتيالات تتبع عصابة الهاجاناه‏،‏ وكان يجري تدريب أعضائها في صحراء النقب‏،‏ ولكن بعد شهرين من التدريب الشاق فشل في الحصول علي رتبة أومباشي التي كان يطمح إليها‏،‏ وأصبح مجرد جندي مقاتل على مستوى عال من التدريب‏،‏عاد بعد ذلك شارون إلى أسرته في قرية كفر ملال‏،‏ وانضم إلى جماعة بالماش التي كانت قد تأسست بموافقة البريطانيين خلال سنوات الحرب من مقاتلين من اليهود المدربين على مختلف فنون الحرب‏،‏ وقد أطلقوا عليهم جماعات الصدمة‏،‏ وقد تحولت إلى قوة متتالية من ثلاثة آلاف جندي‏،‏ وقد عرفت بين اليهود في مختلف أنحاء فلسطين‏،‏ وكانت تعد الخطوة الأولى في طريق طموح أي شاب يسعى إلى الانخراط في الحياة العسكرية‏،‏ وكانت بالماش تتبع الهاجاناه وعملت في خدمة البريطانيين‏،‏ وتابعت أنشطة وجرائم أعداد كبيرة من اليهود وسلمت بعضهم إلى القوات البريطانية لإعدامهم مما أثار غضب كثير من المستوطنين‏،‏ من بينهم صمويل والد شارون‏.‏

 

الوصية العنصرية الأخيرة

يتذكر شارون هذه الفترة‏،‏ عندما كان يساعد والده في أحد الأيام في جمع البرتقال‏،‏ وقد توقف صمويل فجأة‏،‏ وبلا أي مقدمات ووجه كلامه لشارون قائلاً‏:‏

 

أنت حر تماماً في اختيار مستقبلك والمهنة التي تتفق مع ميولك وطبيعتك‏.‏ ولكنني أطلب منك أن تقسم على ألا تقوم أو تشارك في تسليم أي يهودي إلى غير اليهود‏..‏ ومهما يرتكب من جرائم‏!!‏

 

لم يذكر صمويل في حديثه مع ابنه البالماش‏،‏ ولكن كان الهدف من كلامه واضحاً بالنسبة لشارون الذي كرم والده بتحقيق رجائه‏!‏

 

واصل شارون حياته مع أسرته‏،‏ وكانت أعراض إصابة الأب بمرض القلب قد بدت واضحة عليه وقد تسببت بعد سنوات قليلة في وفاته‏،‏ وفي ذلك الوقت التقى شارن مع مارجاليت زيمرمان وكانوا يطلقون عليها جالي وعمرها ‏16‏ عاماً وقد وصلت حديثاً من رومانياً وتقيم مع أسرتها اليهودية في مزرعة مجاورة لمنزل شارون‏.‏ ويبدو أن شارون استغل ضعف ومرض والده فشق فجوة في الجدار المرتفع الذي أقامه صمويل ليستطيع أن يرى جالي ويلتقيا بين وقت وآخر لكن الظروف السياسية لم تسمح لشارون بفسحة من الوقت لعلاقات الحب‏،‏ فالصراع بين العرب واليهود كان يزداد سوءاً مع مرور الأيام‏،‏ وكان شارون يستدعى باستمرار في مساء كل ليلة لمراقبة أراضي المستعمرات اليهودية من غارات العرب‏.‏ ثم اسندوا إليه بعد ذلك مهمة القيام بهجمات مسلحة ضد منازل العرب‏.‏

 

ومع خريف عام ‏1945‏ جرى توحيد عصابات الهاجاناه وأورجون وسيترن في منظمة واحدة بهدف النضال ضد البريطانيين وقد ركزت الهاجاناه جهودها على تهريب المهاجرين اليهود لفلسطين وبناء مستوطنات غير شرعية ودون موافقة من سلطات الانتداب‏،‏ وتنظيم مظاهرات ضدهم‏.‏

 

أما أعضاء العصابتين الصغيرتين اللتين توحدتا فيما بعد في جماعة واحدة‏،‏ فقد تخصصوا في القيام بالاغتيالات والهجوم على منازل العرب وتخريب المؤسسات والمواقع البريطانية - العربية‏.‏ وازدادت الأمور سواء عندما انتقم البريطانيون من اليهود على قيام أعضاء الأورجون بنسف مركز الشرطة في فندق الملك داود بالقدس في ‏22‏ يوليو عام ‏1946،‏ وهو الحادث الذي أسفر عن قتل ‏91‏ من الجنود البريطانيين ونزلاء الفندق وقد قام البريطانيون بتفجير عدة سيارات عسكرية في شوارع القدس وتدمير شقتين يقيم بهما مدنيون مما أسفر عن مقتل وإصابة ‏52 ‏ يهوديا‏ً.‏

 

أول هجوم إرهابي

وقع الاختيار على شارون وسنه‏17‏ عاماً ليقود جماعة قوامها عشرة من الشباب للاستيلاء على سيارة شيخ المسجد بالقرية لاشتراكه مع العرب في الهجوم على المستوطنات والقرى اليهودية وقد تحركوا في المساء حاملين منضدة طويلة للطعام وأغلقوا الشارع الضيق الذي تمر منه السيارات وعندما جاءت السيارة كالعادة وجدت الطريق مغلقاً فتوقفت‏،‏ واضطر قائدها ابن الشيخ لترك السيارة وأخذ مفاتيحها معه‏،‏ وقد جري شارون وراءه قرابة نصف ميل وأطلق عليه الرصاص وقتله‏،‏ لكن أحد شباب المجموعة كان خبيراً في ميكانيكا السيارات ونجح في أن يقود السيارة دون مفاتيحها وأخفوا السيارة في أرض زراعية منعزلة عن أعين جنود الانتداب البريطانيين وعن أصحابها العرب‏.‏

فشلت سلطات الانتداب في التفاوض مع العصابات اليهودية‏،‏ ولم يعد أمامهم سوى اللجوء إلى الأمم المتحدة وفي ‏29‏ نوفمبر‏1947‏ كان اقتراح التقسيم أمام الجمعية العامة‏،‏ وقد صوتت ‏33‏ دولة لصالح التقسيم واعترضت عليه ‏13‏ دولة بينما تغيبت عن التصويت عشر دول‏،‏ وأعلنت رسمياً دولة "إسرائيل" وقامت الاحتفالات في جميع أراضي كفر ملاك‏.‏

 

وبينما كان ميلاد "إسرائيل" تحقيقاً لحلم اليهود المهاجرين في فلسطين وحتى المنتشرين في أنحاء العالم‏،‏ فقد كان بالنسبة لشارون بداية النضال والخطوة الجديدة في طريق الإرهاب والمعارك والحروب التي خاضتها "إسرائيل" ضد العرب وإن شارك فيها كلها كمحارب ومقاتل محترف‏.‏

 

وفي ‏12‏ ديسمبر ‏1947‏ انضمت جميع العصابات والوحدات العسكرية في كيان عسكري واحد أطلقوا عليه جيش الدفاع الإسرائيلي. وأعلن مفتي القدس الجهاد ضد اليهود‏،‏ وتصاعدت حرب العصابات بين العرب واليهود‏،‏ وفي شتاء‏ 1948‏ قاد شارون - الذي أصبح مقاتلاً متفرغاً في جيش "إسرائيل" - جماعة من جنود الجيش للهجوم واحتلال قرية بيرأداس العربية‏،‏ التي اتخذت قاعدة للمتطوعين العراقيين‏،‏ وتقع بالقرب من كفر ملاك وعدد من المستوطنات اليهودية‏،‏ وكانت هذه العملية بمثابة أول تجربة قتالية لشارون ومجموعته لكن الهجوم انتهى بالفشل‏.‏

 

عين شارون ضابط استطلاع في المعركة التي دارت بين الجيش الإسرائيلي تحت قيادة إيجال ألون والعرب‏،‏ لكن فرقته لم تحقق أي انتصار عسكري في المعركة التي دارت مع الجيش المصري الذي كان يتألف من ‏40‏ ألف جندي بقيادة طه ـ ب الذي أثار إعجاب شارون بإصراره وعدم انسحابه في معركة الفالوجة وقد رفض التسليم وواصل القتال وفشلت قوات "إسرائيل" في اقتحام موقعه‏.‏ وفي خريف ‏1952‏ كان شارون في الرابعة والعشرين عاما‏ً،‏ وقد قرر أن يتزوج جالي التي كانت قد بلغت العشرين وتعمل ممرضة في قسم الأمراض النفسية بمستشفى يقع في ضاحية بالقدس‏،‏ ولم يكن على يقين من التفرغ للعمل بالجيش الإسرائيلي‏،‏ خاصة أن والدته كانت ترغب في أن يلتحق بالجامعة‏،‏ وقد كان يرغب في البداية دراسة الزراعة كوالده‏،‏ ولكنه فضل أخيراً دراسة تاريخ الشرق الأوسط في الجامعة العبرية بالقدس حتى يتعرف أكثر على الثقافة والمجتمع العربي‏،‏ وفي حفل عائلي بسيط تزوج شارون جالي يوم‏ 29‏ مارس‏1953،‏ لكن القلاقل في الشرق الأوسط دفعته إلى أن يترك الجامعة ويعود إلى صفوف الجيش ليحارب العرب فقد كان يرى أن بقاء "إسرائيل" يعتمد على جيش مدرب ومسلح بأحدث أنواع الأسلحة والمعدات‏.‏ وقد غير اسمه بعد أن التحق كضابط صغير بالجيش من شيزمار إلى شارون وقد استدعي شارون في يوليو عام ‏1953‏ في مركز العمليات لقيادة الفرقة‏ 101‏ وقد شكلت هذه الوحدة القتالية للقيام بهجمات ضد العرب‏،‏ وقد قبل الوظيفة بلا تردد‏،‏ وترك دراساته الجامعية لتشكيل هذه الوحدة من مقاتلين متطوعين في الجيش‏،‏ وبعد شهرين كان لديه عشرون متطوعاً على أعلى مستوى من التدريب واللياقة البدنية ولم يكن في حاجة إلى أكثر من ‏45‏ مقاتلاً وقد اختارهم بنفسه‏،‏ واتخذت هذه الوحدة موقعاً لها فوق جبل قرب القدس‏،‏ ولكي يعدهم للقيام بهجمات ليلية ضد العرب‏،‏ كانوا يسيرون يومياً في الظلام مسافة ثلاثين ميلاً يحملون أسلحتهم وذخيرتهم‏،‏ وقد تحولت هذه الفرقة إلى إرهابيين متعطشين للدماء‏،‏ يستخدمون بنادقهم وأسلحتهم البيضاء بمهارة فائقة في هجماتهم في الظلام ضد المدنيين العرب‏.‏

 

حرب‏ 73‏ وصدمة جيش الدفاع الإسرائيلي

احتلت حرب أكتوبر والمناخ السياسي القائم في "إسرائيل" الذي سبق الهجوم المصري على حائط بارليف وسير المعارك والصراع الذي دار في أثناء الحرب بين الجنرالات من قادة الجيش الإسرائيلي أكثر من أربعين صفحة من الكتاب وبعيداً عن سير العمليات العسكرية‏،‏ وما ألحقته من خلافات وصراعات بين قادة الجيش‏،‏ فقد وصف المؤلفون الحرب بأنها كانت أول هزيمة عسكرية لإسرائيل‏.‏ تمثل فشلاً حقيقياً أصاب الإسرائيليين بالصدمة‏،‏ فقد بلغ عدد ضحايا "إسرائيل" في هذه الحرب ‏2600‏ جندي‏،‏ وتأكد للرأي العام الإسرائيلي أن حزب العمل الحاكم أساء بالكامل تقدير قوة وقدرة العدو على الجبهة المصرية والذي أكد أنه يتمتع بشجاعة وقدرة قتالية عالية‏.‏

تأجلت الانتخابات الإسرائيلية التي كان مقرراً أن تجري يوم ‏30‏ أكتوبر ‏73‏ إلى ‏31‏ ديسمبر ‏1973‏ وطالبت أحزاب المعارضة بإجراء تحقيق محايد في أسباب الهزيمة وطالب تحالف الليكود شارون بأن يقود معركة الحزب في الانتخابات ضد حزب العمل‏،‏ لكنه فضل البقاء مع جنوده في مواقع القتال ثلاثة أشهر بعد انتهاء الحرب‏،‏ وقد أصيب بالإحباط بسبب الفشل الذي لحق بالجيش الإسرائيلي في إدارة الحرب‏،‏ وشعر بأن "إسرائيل" محاصرة من عدة جهات‏،‏ وبأنه القائد العسكري الوحيد الذي تعمدت القيادة إبعاده في البداية لأنه ليس عضواً من حزب العمل الحاكم‏،‏ وأعلن استياءه الشديد من دعوة الحزب إلى عقد اتفاق سلام مع العرب بعد انتهاء الحرب‏،‏ ثم هاجم الأمريكيين - الذين أنقذوا "إسرائيل" من هزيمة ساحقة - لأنهم في رأيه لم يستخدموا انسحاب "إسرائيل" من القناة كوسيلة مساومة‏.‏ وجه اتهاماته بعد ذلك لهنري كيسنجر - أقرب أصدقاء "إسرائيل" وأخطر المتآمرين على العرب - وأعلن للصحافة إحباطه وغضبه من اقتراحه عقد مؤتمر السلام بين العرب و"إسرائيل" في جنيف‏.‏

 

قبل أن يترك الخدمة العسكرية ويغادر الجبهة‏،‏ وجه إلى جنوده البيان العسكري الأخير‏،‏ امتدح فيه شجاعتهم‏،‏ وهاجم الحكومة بقسوة‏،‏ وانتقد الأخطاء الفادحة وحالة الارتباك والفوضى التي وقعت في صفوف القيادة العسكرية الإسرائيلية‏.‏ وبعد أيام ظهر فجأة في تجمع انتخابي لليكود بأحد ميادين تل أبيب‏،‏ وأعلن أمام الناخبين رفضه وغضبه على توقيع اتفاقية فض الاشتباك بين مصر و"إسرائيل" في ‏18‏ يناير‏1974...‏ استجاب الناخبون بحماس لشارون‏،‏ وتصاعدت صيحات الحاضرين وصراخهم‏:‏ أرييل‏...‏ ملك "إسرائيل"‏!!‏ وكانت أول مرة في حياة شارون أن يتذوق فيها طعم الانتصار السياسي‏.‏

 

لكن البيان العسكري الأخير أثار ضد شارون جميع جنرالات "إسرائيل" الذين حاربوا معه معارك أكتوبر‏،‏ وقد اضطرت القيادة العسكرية إلى إصدار بيان مضاد انتقدت فيه وقاحة شارون وانتقاداته واتهاماته لزملائه التي أطلقها بلا أي سند‏.‏ لكن الجماهير كانت تريد التغيير‏،‏ وأصابها الملل من حكم حزب العمل‏،‏ ويبدو أن الحملة الديماجوجية التي قادها شارون ضد الحكومة الإسرائيلية وجدت آذاناً صاغية في الشارع الإسرائيلي‏،‏ وجرت الانتخابات يوم ‏31‏ ديسمبر ‏1973‏ - بعد أقل من ثلاثة أشهر على وقف القتال بين العرب و"إسرائيل" - وفقد حزب العمل سبعة مقاعد في الكنيست‏،‏ بينما زادت مقاعد الليكود من‏ 29‏ إلى ‏39‏ من بين ‏120‏ مقعداً في الكنيست‏،‏ وقد عين شارون عضواً في لجنة الشئون الخارجية والأمن ثم تولي بعد ذلك رئاسة لجنة ميزانية الدفاع‏.‏ لكن اتضح منذ البداية أن شارون لم يكن مهيأ للحياة المدنية كعضو في الكنيست‏،‏ وقد تجنب الحديث مع بقية الأعضاء أو الجلوس في قاعات المجلس أو الكافيتريا وكان يقضي معظم الوقت يتجول في طرقات المجلس مع جنرال متقاعد آخر انتخب حديثاً وهو اخراهام يوفي‏،‏ واختار حجرة صغيرة كان يقضي فيها معظم الوقت يشاركه فيها الشيخ حماد أبو روبية وهو بدوي وعضو بحزب العمل‏،‏ وكانت الزراعة واستحداث أساليب جديدة فيها تشغل أكبر مساحة من النقاش بينهما‏،‏ بينما كانت القضايا السياسية والصراعات داخل المجلس لا تجد أي صدي عندهما‏.‏

 

فشلت كل محاولات ترويض شارون ليصبح سياسياً‏،‏ فالحياة المدنية الهادئة لا تتناسب مع طبيعته القاسية‏،‏ ولا مع شخصيته كمقاتل وقاتل محترف‏،‏ فقد أبدي رفضا لهذه الحياة منذ أول يوم خلع زيه العسكري‏،‏ واضطر لأن يذهب إلى الكنيست بملابس مدنية أبعد ما تكون عن الأناقة التي يلجأ إليها السياسيون لجذب الجماهير‏.‏ وقد انتهز أول فرصة ليعود بعد عام واحد إلى حبه القديم‏،‏ ففي ديسمبر ‏1974‏ عين اسحق رابين رئيساً للوزراء وقد أصدر قراراً بتعيين شارون قائدا لقوات الاحتياط‏،‏ وقبل شارون المنصب الجديد فوراً وقدم استقالته من الكنيست وعاد إلى أصدقائه ورجاله‏.‏

 

في ‏6‏ فبراير ‏2001‏ أصبح أرييل شارون رئيس الوزراء الحادي عشر لإسرائيل وحصل علي ‏62.5%‏ من الأصوات بينما لم يحصل منافسه باراك سوي على ‏37.5%‏ فقط‏،‏ وكانت نسبة تصويت الناخبين ‏61%‏ وهي أقل نسبة تصويت في تاريخ الانتخابات الإسرائيلية‏.‏

 

لا مصالحة مع الفلسطينيين‏!‏

أخطر ما أسفر عنه هذا الانتصار الكاسح لشارون‏،‏ أنه قدم نفسه لجماهير الشعب الإسرائيلي‏،‏ بأنه رجل سلام‏..!‏ لكنه سوف يحقق لهم آمالهم في السلام بطريقته وبمنهاجه‏،‏ فالسلام - في رأي شارون - يجب أن يتحقق بالقوة المسلحة وبدون أي نوع من المصالحة مع الفلسطينيين‏.‏ يقول المؤلفون إن التصويت لشارون‏،‏ لم يكن في الحقيقة رفضاً من الإسرائيليين للسلام‏،‏ فطبقاً للاستفتاء الذي أجراه مركز ستاينمتز التابع لجامعة تل أبيب تبين أن ‏86%‏ من الإسرائيليين يعتقدون أن شارون سوف يحقق السلام‏،‏ ولكن على "إسرائيل" أن تكون أقل تصالحاً ‏Lessconciliatory‏ مع الفلسطينيين‏،‏ وأنه سوف يتقدم بخطوات إلى الأمام في طريق السلام‏،‏ وفي الوقت نفسه سوف يحمي مصالح "إسرائيل" الحيوية وأمنها‏.‏ كان انتخاب شارون كارثة على الفلسطينيين والإسرائيليين معا‏ً...‏ لقد تأكد الإسرائيليون المعتدلون من حقيقة أن السلام لا يتحقق بالقتل والإرهاب والتدمير‏،‏ ورفض التصالح مع الطرف الآخر‏...‏ وأعداد القتلى من الإسرائيليين والفلسطينيين تجاوزت في عهد شارون الأسود كل أعداد القتلى خلال فترات حكم من سبقوه من رؤساء وزراء "إسرائيل" العشرة‏...‏

أين إذن السلام الذي تحقق والمواطن الفلسطيني يواجه الموت كل ساعة وكل دقيقة بقذائف الدبابات وصواريخ الطائرات الأمريكية الذكية والغبية‏،‏ أما الإسرائيلي فيخرج من بيته في الصباح‏،‏ ولا يعرف إذا كان سوف يعود في المساء أو أنه يودع أسرته الوداع الأخير‏..!

نجح شارون بامتياز في الانتخابات الإسرائيلية‏،‏ لكن السلام المنشود في الشرق الأوسط سقط بتقدير ضعيف جدا‏ً،‏ والملاحق الأمريكية لن تغير من هذا الفشل‏..‏ فالطالب غير قابل للفهم‏،‏ وعلى أعلى قدر من الجهل والغباء‏.‏